كيف يمكن للمسلمين واليهود أن يتذكروا الهولوكوست معًا

نشرت هذه المقالة لأول مرة في مجلة “مومنت” بتاريخ 21 أبريل 2020

إن وجودي هنا اليوم هو لان “الصالحين من أبناء الأمم” تغلبوا على الخوف واللامبالاة وتحدوا الرايخ الثالث من أجل إنقاذ اليهود. فقد قامت عائلة مسيحية متدينة بإخفاء جدتي واصطحابها إلى الكنيسة كل يوم. وعمل جدي مع كاهن محلي لإنقاذ اليهود المقرر ترحيلهم من خلال إدراجهم في سجل تعميد الكنيسة. ثم ساعدت عدة عائلات غير يهودية لاحقا على إخفائه قبل قبضه وإرساله إلى معسكري الاعتقال سيريد و تريزنشتات.

وقد شهدوا، بصفتهم ناجين من الهولوكوست، أحقر درجات الشر البشري. وإن مرافقة حفيدهم أحد كبار علماء المسلمين إلى محتشد أوشفيتز، 75 عامًا بعد تحريره، توضح درسا عظيما آخر في تجربتهم هذه، وهو مسؤولية البشر وقدرتهم على فعل الخير.

في يناير، جمعت اللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)، بالشراكة مع رابطة العالم الإسلامي (MWL)، 62 مسلما و20 يهوديا من 28 دولة في مهمة مشتركة تهم الشؤون بين الأديان لمدة يومين في بولندا. وقد ضم الوفد اليهودي، بقيادة الرئيس التنفيذي للجنة اليهودية الأمريكية ديفيد هاريس، والرئيسة هارييت شلايفر، ومدير الشؤون الدولية بين الأديان الحاخام ديفيد روزين، والحاخام الأكبر لبولندا وشخصيات أخرى. بينما ضم الوفد الإسلامي، برئاسة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد العيسى، مدير الرابطة الملكية المغربية لعلماء الدين، والأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية ومقرها مصر، والرئيس السابق للجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، ومفتي بولندا وآخرين.

وقد شاهدنا معًا أنقاض المعسكرات في أوشفيتز وبيركيناو، وما احتوته من أدلة مادية على الهولوكوست. فالثكنات وغرف الغاز ومحارق الجثث وأكوام الشعر البشري والأحذية والنظارات تشهد على الجحيم الذي عاشه 1.3 مليون شخص. وكرّم اليهود والمسلمون ذكرى 1.1 مليون شخص -غالبيتهم العظمى من اليهود -الذين قُتلوا هناك، من خلال خطب وأدعية مؤثرة ودموع صادقة.

في أوشفيتز، شهدنا فظائع الهولوكوست. وفي اليوم التالي، احتفلنا في وارسو بالحياة اليهودية في متحف بولين وكنيس نوزيك وأثناء عشاء يوم السبت. إحياء لذكرى الضحايا وتضامنا مع الأحياء.

ستظل صورة المسلمين واليهود وهم يعبرون بوابة أوشفيتز الموسومة بالأكذوبة النازية “ARBEIT MACHT FREI” (“العمل يجعلك حرا”) لحظة فاصلة في تاريخ العلاقات بين الأديان. بيد أن برنامجا كهذا ينطوي على تحد متأصل وهو أن دلالات الهولوكوست في مجتمعاتنا مختلفة.

بالنسبة لليهود، تمثل المحرقة استهداف شعبنا لتدميره، فقدان أقاربنا وهدم ثقافتنا. فالشوأه (أو الهولوكوست) بالنسبة لليهود هي قصة ​​تكوينية، وعلى الرغم من أنها لا تمثل كل الهوية اليهودية، إلا أن تأثيرها عميق.

في المقابل، فالوضع مختلف تمامًا بالنسبة لمعظم المسلمين. فحسب دراسة حديثة، لم يسمع عن الهولوكوست سوى 38 في المائة من الناس في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (باستثناء اليهود)، ويعتقد 63 في المائة منهم أنها إما أسطورة أو قصة مبالغ فيها إلى حد كبير. لا شك أن تأثير الحرب العالمية الثانية قد طال المسلمين في أوروبا وشمال إفريقيا وأجزاء من آسيا، لكن الهولوكوست لا يمس الإسلام أو المسلمين بالأساس. لهذا، فعندما يتحاور اليهود مع المسلمين بشأن الهولوكوست، يجب أن نتعلم مشاركة الرواية.

وقد تمخضت مهمتنا في بولندا عن عدد من التوصيات.

أولاً، يجب ألا يتحدث المرء فقط عن الأمر كمأساة إنسانية ويتجنب الحديث عن محنة اليهود بالتحديد. لقد كانت المحرقة جريمة ضد الإنسانية بكل تأكيد. فقد استهدف النازيون مجموعات أخرى: سينتي وروما، والأشخاص ذوي الإعاقة وأولئك الذين يعتبرون منحرفين جنسياً أو سياسياً. يجب أن تتضمن المناقشة الصادقة للهولوكوست الفشل الإنساني العالمي خلال الحقبة النازية. لكن تحاشي المرء التحدث عن اليهود أو معاداة السامية، يعني ببساطة أنه لا يتحدث عن الهولوكوست.

وضع الدكتور العيسى نموذجًا للموازنة بين الرسالات العالمية ولفت الانتباه إلى مأساة اليهود الخاصة. وقال العيسى: “إن الجرائم اللامعقولة التي نشهدها اليوم هي بحق جرائم ضد الإنسانية … وهي إهانة لكل أبناء الله”. لكنه أكد أيضًا أن “أكثر من مليون شخص قُتلوا في أوشفيتز لمجرد أنهم كانوا يهودًا … ويجب علينا أن ندين هذه الجرائم المثيرة للاشمئزاز بغض النظر عمن هم الجناة ومن هم الضحايا، دون تبني أي معايير مزدوجة”.

ثانيًا، عندما يتحدث اليهود عن الهولوكوست مع الآخرين، يجب أن نتخلى عن الملكية الفردية للرواية. دون أن ننسى أن الكراهية النازية والقتل استهدفا اليهود بشكل خاص، ويجب أن نشجع شركاءنا على إيجاد رابط شخصي مع رواية طالما اعتبرت أجنبية.

بالنسبة للشركاء المسلمين، هناك عدة نقاط تقاطع:
حيث امتد حكم النازية إلى شمال إفريقيا من خلال نظام فيشي والحملات الألمانية والإيطالية هناك. وقاتل مئات الآلاف من الجنود المسلمين في القوات المسلحة السوفيتية والبريطانية ضد قوى المحور، وأرسل عدد قليل من المسلمين إلى أوشفيتز ومعسكرات نازية أخرى. لقد أنقذ المسلمون “الصالحون” اليهود بشجاعة في جميع أنحاء أوروبا وشمال إفريقيا. كما عارض ملك المغرب محمد الخامس قوانين فيشي التمييزية، وقال في خطابه الشهير أنه لم يكن لديه رعايا يهود أو مسلمون، بل مغاربة فقط. وهذه الأحداث هي نقاط مفيدة لإثارة فخر وتعاطف المسلمين. لكن هناك، يجب نقاط تقاطع سلبية أيضا يجب مراعاتها.

رأى الرايخ الثالث في العرب والمسلمين حلفاء طبيعيين، وقام الفيرماخت و فافن إس إس بتجنيد الفرق الإسلامية، وبذل جهودًا خاصة لاستيعاب ممارساتهم الدينية. وكان لآلة الدعاية العربية النازية -بمساعدة شخصيات مثيرة للجدل مثل المفتي الحاج أمين الحسيني – نشاطا واسعا، واستطاعت النازية نشر كراهية اليهود في أجزاء من العالم العربي والإسلامي. وللأسف، لا يزال هذا الإرث يعشش بين البعض، حيث يتم تبجيل هتلر وقراءة وتقدير كتابه “كفاحي”. وبالمثل، فإن إنكار الهولوكوست لا ينحصر في العديد من البلدان ذات الأغلبية المسلمة على هوامش المجتمع. يجب إذن أن تكون هذه القضايا الصعبة أيضًا جزءًا من النقاش عندما يتطرق المسلمون واليهود للهولوكوست.

لقد جسد وفد AJC-MWL هذا الالتزام. بينما شارك الأطفال اليهود وأحفاد الناجين قصصهم أثناء الرحلة، كما تعرفنا على المسلمين الصالحين الذين أنقذوا اليهود. وفي أوشفيتز ، حصل الدكتور العيسى على قائمة تضم 50 اسمًا من السجناء المسلمين الذين احتجزوا هناك. وأدان إنكار الهولوكوست باعتباره تعاونا مع النازيين وقدم شهادته أمام وسائل الإعلام العربية والغربية عما رآه هو والوفد. “لقد رأينا بأم أعيننا الدليل على هذه الجريمة ضد الإنسانية؛ رأينا غرف الغاز ورأينا شعرهم ورأينا أحذيتهم”.

ثالثًا، يجب علينا كيهود أن نقدر المخاطرة التي يتحملها بعض الشركاء المسلمين في الاعتراف العلني بالهولوكوست كمأساة يهودية، والامتناع عن تسييسها. بالنسبة لمعظم اليهود، فإن المذبحة المهولة لستة ملايين من شعبنا تؤكد على أهمية وجود دولة يهودية. لكننا نسيء لإسرائيل ولذكرى الضحايا إن نحن جعلنا أحدهما مبررا للآخر. علاوة على ذلك، فإننا بهذا نجازف بعرقلة معرفة حقيقة الهولوكوست.

سافر الوفد المسلم مع منظمة يهودية أمريكية إلى أوشفيتز. ولم تكن إسرائيل جزءًا من برنامجنا. ومع ذلك، فقد سارع النقاد في العالم العربي والإسلامي إلى وصف هذا العمل بأنه حيلة صهيونية وهاجموا المشاركين ونعتوهم بأنهم متعاونون مع العدو. لا يمكننا ترك سرد الرواية للمتطرفين، لكن يجب أن نعترف بالديناميكية التي تستهدف العديد من المسلمين.

كما يجب على الشركاء غير اليهود القيام بدورهم في نزع الطابع السياسي عن الهولوكوست. من المغري تطبيق الدرس على مآسي بشرية أخرى. إن مسؤوليتنا في منع الإبادة الجماعية والقمع المعاصر هي استجابة مناسبة للتعرف على الفظائع النازية. ومع ذلك، فإن إيلاء الاحترام المناسب للضحايا يتطلب التوقف عند الألم والرعب والخسارة قبل اختزال الهولوكوست في مجرد درس موضوعي عن الجرائم ضد الإنسانية. يمكن للشركاء التعرف على حيثيات الهولوكوست واعتباره دعوة للعمل على مستوى العالم اليوم دون خلط المآسي مع بعضها البعض.

رابعًا، عندما يتحاور اليهود مع المسلمين في سياق الهولوكوست، فمن المهم أن ندرك أن العالم يتغير، وأن لدينا طاقما متزايدا من الحلفاء. على الرغم من أن مجموعة MWL كانت أكبر وفد مسلم يزور أوشفيتز، إلا أنها لم تكن الأولى. تقوم منظمات مثل أخوية السلام شالوم بمهام مشتركة بين المسلمين واليهود إلى أوروبا من أجل التعرف على الهولوكوست معًا. ويسلط كبار الشخصيات الإسلامية الأمريكية الضوء على أهمية التوعية بالهولوكوست ويدينون أولئك الذين يكرمون هتلر؛ كما تحيي جماعات الحوار بين المسلمين واليهود ذكرى الهولوكوست وكريستال ناخت.

ويشهد العالم العربي أيضا تطورات مشجعة. في المغرب، على سبيل المثال، أكد الملك محمد السادس علانية حقائق الهولوكوست وحث جميع المواطنين على التعرف على حقيقة أهوالها. وفي مصر، حصلت فرقة مسرحية جامعية على جوائز وشهادات عن مسرحيتها “سوبيبور”، التي تصور المعاملة الوحشية لليهود في معسكر الاعتقال هذا. وبالمثل، فإن زيارة رابطة العالم الإسلامي ومقرها السعودية، مع شخصيات دينية بارزة من مصر والمغرب ولبنان وتونس وأماكن أخرى، هي دلالة على تغير الزمن أيضًا.

لا نزال بعيدين عن خط نهاية العمل على العلاقات بين المسلمين واليهود في سياق الهولوكوست، لكن توجد أمثلة مشرقة عما يمكن تحقيقه من شأنها أن تحفزنا على الاستمرار.

إن السماح للآخرين بالمشاركة في قصة أساسية في تكوين هويتنا الجماعية هو تصرف حميمي ودليل على الضعف. ونحن نرى كيف يؤثر على الآخرين. وإذا كانت استجابتهم على مستوى عالمي، فإنها تهدد بإخراجنا من تاريخ نشعر أنه تاريخنا الخاص. وفي الوقت نفسه، فمن غير المعقول وغير المسؤول أن نأمل أن تكون المحرقة درسًا عن اليهود فقط دون ذكر تداعياتها الأوسع على الإنسانية ككل.

يتطلب الواقع المستمر لمعاداة السامية المعاصرة ألا نفصل بين الهولوكوست ومحاولة إبادة اليهود بشكل منهجي وشكل الكراهية التي تغذيها. ومع ذلك، إذا كان اليهود يبحثون عن حلفاء في كفاحهم ضد معاداة السامية، وإذا كنا نطمح إلى “عدم تكرار الأمر مطلقا”، فلا يمكننا المطالبة بملكية الرواية الحصرية.

وبصفة أجدادي من بين الناجين من الهولوكوست، فقد اعتنقوا هذه الازدواجية ونقلوها إلى أبنائهم وأحفادهم. ابني، الذي سمي على اسم جده الأكبر، سيبلغ سن الرشد في عالم ليس فيه أي شهود عيان لمشاركة تجاربهم وتفسيرها. وهذا الواقع يدعو إلى التفكير بشكل متزايد في كيفية بناء ذكرى الهولوكوست وتطبيق دروسها.

عن الكاتب
آري جوردون هو مدير العلاقات العامة بين المسلمين واليهود في اللجنة اليهودية الأمريكية. آري يبني شراكات بين اليهود والمسلمين لتمكين العمل المشترك والمثمر. حصل آري على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة بنسلفانيا ، حيث ركزت أبحاثه على الجغرافيا المقدسة والعلاقات بين الأديان في فترة تكوين الإسلام. جوردون يجيد اللغتين العربية والعبرية.
تعليقات