كورونا في غزّة: قطاع الأمن المفقود

لم يخطر في ذهني أن يصل الفيروس إلى غزّة المغلقة والمحاصرة. عندما وُجد أنّ هناك مرضى كورونا في قطاع غزّة أصابتني الصّدمة – ثمّ انتابني الذّعر. جهاز الصحّة هنا لا يقدر على حماية حياتنا والناس لا يملكون المال لشراء الغذاء والدّواء اللّازمين للحفاظ على صحّة أعزّائهم. إذا تفشّى الوباء هنا فسوف نشهد كارثة.

أعترف أنّني حين سمعت قبل بضعة أشهر عن فيروس جديد ينتشر في الصّين لم أهتمّ للأمر كثيراً فالصّين بعيدة عنّا كما أنّها دولة ذات قدرات تكنولوجيّة وطبّية متقدّمة تمكّنها من التغلّب على الفيروس بكلّ تأكيد.

أخذت أتابع الموضوع حين انتشر المرض في دول أخرى وصار عدد المصابين يرتفع تدريجيّاً ومع ذلك ظلّ الأمر أبعد من يُلقني شخصيّاً – اعتقدت أنّ عدوى الفيروس لن تصل إلى قطاع غزّة المغلق والمحاصر منذ 13 عاماً ولا يوجد موانئ ولا مطارات. لا مسافرون يأتون إلينا من أنحاء العالم ولا نحن نخرج أصلاً من قطاع غزّة. وهكذا حتى سمعت قبل ثلاثة أشهر الأخبار عن اكتشاف حالات في بيت لحم وإسرائيل. عندها أصبح الأمر مقلقاً للغاية. كيف وصل هذا الوباء اللّعين إلينا بهذه السّرعة؟

اجتياح الصّدمة والرّعب
فور اكتشاف الحالات بدأت السّلطات في رام الله وغزة بأخذ الاحتياطات اللّازمة لمنع تفشّي الفيروس ومنها إغلاق المعابر والمدارس وتقييد الحركة. حينها بدأت أشعر أنّنا معرّضين لخطر كبير خاصّة إزاء واقع الحصار وظروف المعيشة الصعبة في القطاع. فنحن نعيش في اكتظاظ كبير جدّاً خاصّة في مخيّمات الّلاجئين. إذا تفشّى المرض هنا فسوف تحلّ بنا كارثة حقيقيّة تُسفر عن نتائج مُرعبة لأنّ غزّة حتى دون تفشيّي وباء كورونا غير قادرة على استقبال ومعالجة عدد كبير من المصابين بالعدوى. جهاز الصحّة لا يقدر على حمايتنا في ظلّ النقص في الأجهزة والمختبرات والأدوية والأسرّة في المستشفيات وغرف العناية المكثّفة.

فجأة قبل أسبوعين تقريباً وأثناء متابعة المواقع الإخباريّة صُدمت بخبر عن أوّل شخصين مصابين بالكورونا في قطاع غزة. أصبت بحالة من الهلع والقلق خوفاً على نفسي وأبنائي وعائلتي وأهالي قطاع غزّة. دخلت في حالة طوارئ. توقّفت عن العمل سوى في الحالات الضروريّة جدّاً. قمت بشراء المعقّمات وموادّ التنظيف واشتريت مؤونة من الموادّ الغذائيّة تحسّباً لوضع يُفرَض فيه العزل التامّ وتُغلق فيه الأسواق ويُمنّع التجوّل. ومع الأسرة بدأت في إجراءات أكثر صرامة: عدم المصافحة والبقاء داخل المنزل وغسل اليدين باستمرار وتناوُل الخضار والفيتامينات إلخ.

الوباء خطير ولا يستأذن أحداً عند وصوله. أولادي خائفون. يتساءلون والقلق ملء عيونهم “ما الذي جرى لنا؟” ويسألون دائماً إلى متى سنبقى على هذا الحال ومتى سنعود إلى حياتنا العاديّة ومتى نعود إلى مدارسنا؟ أنا لا أجيبهم لأنّني لا أملك إجابات. أرى الخوف في عيونهم وخاصّة ابنتي زينة (12 عاماً ونصف). تقول لي “ماما، لا تذهبي إلى العمل. ابقي معنا” وتعلن باسم الجميع “لا نريد الخروج. أخاف من الكورونا!”. حتى أنّني أجدها دائماً في غرفتها مغلقة الباب على نفسها وبين الحين والآخر تخرج لتعقيم وغسل يديها. أشعر بالقلق الشديد على والدي المسنّ. هو في الـ73 من عمره. أقوم بالاطمئنان عليه بين الحين والآخر وكذلك على إخواني وأصدقائي وجيراني.

إغلاق من الخارج وإغلاق في الدّاخل
في هذه الأثناء تمّ عزل المصابين بالكورونا (12 مريض) بعيداً عن الناس في مكان قرب معبر رفح. وهناك سبعة عناصر شرطة أصيبوا بالعدوى أثناء حراسة المريضين المذكورين. حكومة حماس بدأت بتجهيز أماكن لعزل العائدين من المعابر مثل المدارس وبعض الفنادق لكنّها أماكن لا تصلح لمعالجة مصابين بالكورونا.

أشعر بالقلق الشديد على مصير سكّان قطاع غزّة لأنّه إزاء الوضع لدينا – جرّاء حصار يستمرّ منذ 13 عاماً وعدوانات متكرّرة خلّفت نتائج وخيمة – لا يمكن اتّخاذ تدابير لمنع انتقال العدوى: الناس غير قادرين على شراء الموادّ التموينيّة الكافية لفترة عزل صحّي مستمرّ ولا يملكون المال لشراء موادّ التنظيف والتعقيم. ناهيك عن أنّه حتى في الأحوال العاديّة يوجد نقص في المستلزمات الأكثر ضروريّة – الماء والكهرباء. ما يزيد الأمر تعقيداً أنّ ذوي الدّخل المنظّم لم يعودوا كذلك في ظلّ تأخّر رواتب الموظفين ومخصّصات الشؤون الاجتماعيّة والمنحة القطريّة وحتى الطرود الغذائيّة التي توزّعها وكالة الغوث.

الشوارع في غزّة خالية وكلّ المؤسّسات والمحلّات التجاريّة مغلقة: المدارس والجامعات والفنادق وصّالات الأفراح المقاهي وحتى المساجد. نظرات الناس في شوارع غزّة تعبّر عن قلق وخوف كبيرين وهذا مفهوم تماماً فهم لا يستطيعون توفير ما يلزم لحماية أنفسهم وأحبابهم.

أقف على شرفة بيتي وأنظر إلى الشارع والجيران والأطفال الذين يلعبون ويضحكون وكأنّ الوضع على ما يُرام. أرى مجموعة من الرّجال يجلسون عند مدخل بيتي وهم يتحدّثون عن الوضع بصوتٍ عالٍ. أحدهم يقول لي “التقطي صورة لنا وانشريها على فيسبوك. يطلبون منّا الالتزام في البيت وشراء موادّ التنظيف والتعقيم ونحن لا نملك شيكل”. ثمّ يتابع: “كيف نلتزم البيت ولا توجد كهرباء!. احكي للعالم عن حال سكّان غزّة في ظلّ كورونا وفي ظلّ الحصار الظالم”.

لا تتخلّوا عنّا!
انظروا إلينا. نحن محاصَرون والعالم الآن محاصَر مثلنا. أما آن الأوان لرفع هذا الحصار الغاشم عن سكّان قطاع غزّة وإنقاذ سكّانه؟ ألا يحقّ لسكّان القطاع أن يتنفّسوا الحرّية مثل بقيّة شعوب العالم؟
كيف لكم أن تتركونا نُواجه هذا الوباء في ظلّ الحصار المفروض علينا منذ 13 عاماً وويلات الحروب والفقر والبطالة وانهيار جميع مرافق الحياة في قطاع غزّة؟ هل جفّت ضمائركم؟! على العالم أن يستيقظ. أفيقوا من سُباتكم قبل أن تحدث الكارثة وأنقذوا مليونَي غزّيّ تحاصرهم إسرائيل في قطاع غزّة.

في هذه الأثناء لا شيء سوى الترقّب ومتابعة الأخبار. بقلب ملؤه الألم أتابع الأوضاع في دول كثيرة في أنحاء العالم وخاصّة إيطاليا وفرنسا. أبكي بحرقة وألم عليهم وأتمنّى من الله أن يبقى إلى جانبنا وأصلّي وأدعو لأجلهم وللإنسانيّة جمعاء. أتلهّف لسماع خبر مُفرح: أنّه وُجد علاج ضدّ فيروس كورونا وتمّ السيطرة عليه ووقف تفشّي الوباء أنّ مرضى الكورونا في شتّى أنحاء العالم قد شُفيوا – سيتلاشى الرّعب الذي يتملّكنا ويستيقظ العالم كلّه من هذا الكابوس.

عن الكاتب
باحثة ميدانيّة في بتسيلم في قطاع غزّة
تعليقات