قرار المحكمة الجنائية الدولية لم يأت فجأة

متظاهرون خارج المحكمة الجنائية الدولية، يطالبون بمقاضاة الجيش الإسرائيلي على جرائم حرب. هولندا ، 29 نوفمبر 2019 (AP Photo / Peter Dejong)
متظاهرون خارج المحكمة الجنائية الدولية، يطالبون بمقاضاة الجيش الإسرائيلي على جرائم حرب. هولندا ، 29 نوفمبر 2019 (AP Photo / Peter Dejong)

إذا كانت إسرائيل لا تريد اللوم في الساحة الدولية، فعليها أن تتوقف عن الأفعال التي بسببها تواجه الانتقادات.

تراوحت ردود الفعل الإسرائيلية على قرار المحكمة الجنائية الدولية بالمضي قدما في التحقيق في جرائم حرب إسرائيلية محتملة ضد الفلسطينيين بين الدهشة الحقيقية والغضب التام، وكأن قرار المحكمة الجنائية الدولية جاء فجأة. لم يكن الأمر كذلك: أي شخص لديه معرفة خاطفة بالقضايا المطروحة لم يُفاجأ. تم اتخاذ هذا القرار منذ بعض الوقت ولم تفعل إسرائيل شيئا يُذكر لتفاديه أو تفادي تداعياته.

ما الذي يمكن إذن أن يفسر الإجماع شبه الكامل حول الهجوم الذي يقوده نتنياهو ضد المحكمة الجنائية الدولية والهجمات الشخصية على المدعية العام المنتهية ولايتها، فاتو بنسودا؟ بناء على عدم الاهتمام السائد، أصبح من المقبول – ومن المجدي سياسيا – إلقاء اللوم على المحرضين الخارجيين أو شراء نظريات المؤامرة بدلا من أن يتحمل الفاعل مسؤولية أفعاله. لفترة طويلة جدا، تبنت إسرائيل استراتيجية الهجوم بدلا من النظر إلى الداخل. من خلال الإصرار على تجنب المساءلة عن أفعالها، فقد تركت هذه المهمة – بشكل افتراضي – للآخرين. هذا ليس مجرد سؤال تكتيكي، بل له آثار واسعة النطاق على بوصلة إسرائيل الأخلاقية وعلى مبادئها التوجيهية المعيارية، وهو قابل للتصحيح.

لطالما كانت علاقة إسرائيل بالمحكمة الجنائية الدولية غير متينة. في أعقاب المحرقة، كانت إسرائيل من بين الدول الرائدة التي دعت إلى إنشاء محكمة دولية من شأنها أن تحاكم مجرمي الحرب وتراقب تنفيذ الاتفاقيات الإنسانية العالمية في حالات النزاع المسلح. عندما تم الانتهاء من صياغة معاهدة روما أخيرا في عام 2000، كانت واحدة من أوائل الموقعين عليها. لكنها لم تصدق على المعاهدة أبدا لأنها عارضت باستمرار البند الذي يعرّف الاستيطان من قبل المحتلين في المناطق التي تم الإستيلاء عليها بالقوة على أنه جريمة حرب. وبالتالي، فإن إسرائيل ليست عضوا في المحكمة الجنائية الدولية ولا يمكنها المبادرة لإجراءات في إطارها.

لسنوات، لم تجد الحكومات المتعاقبة أي سبب للتعاون مع المحكمة. كان الأساس القانوني لهذا الموقف، المبني على المبادئ التوجيهية لعمل المحكمة الجنائية الدولية، دائما هو أن التدخل الخارجي غير مبرر لأن إسرائيل – مثل العديد من البلدان الأخرى – لديها آلياتها القضائية الخاصة بها للإشراف على أي انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وللاتفاقيات. ولكن مع استثناءات قليلة، اقتصر هذا الإشراف على تقديم عدد صغير من الجنود الأفراد إلى العدالة، بدلا من إعادة تقييم السياسات والتوجيهات وطريقة تنفيذها باستمرار.

وقد تم استكمال هذه الحجج القانونية بحجج جوهرية تنفي بشكل ساحق صحة التهم الموجهة ضد إسرائيل. في الواقع، برع رئيس الوزراء نتنياهو في نزع الشرعية عن منظمات حقوق إنسان مثل “بتسيلم”، و”يش دين”، و”كسر الصمت”، و”عدالة”، التي تجرأت على الإيحاء بأن الإجراءات الإسرائيلية تتطلب تدقيقا أوثق، أو أن المستوطنات اليهودية خارج حدود الخط الأخضر تناقض القانون الدولي.

تغير هذا الوضع عندما اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولة فلسطين في عام 2016 وتم قبولها كعضو في المحكمة الجنائية الدولية، لتتقدم على الفور بشكوى ضد إسرائيل. رفضت حكومة الليكود الاجتماع بممثلي المحكمة الجنائية الدولية وشنت، بمساعدة دونالد ترامب، حملة صريحة ضد المحكمة الجنائية الدولية وسجلها المتقطع. إن ادعائها بأنها فوجئت بقراره المحكمة بالتحقيق مع إسرائيل – أو دعم الموقف الفلسطيني للترويج لمثل هذه الخطوة – هو ادعاء مخادع في أحسن الأحوال.

على الرغم من الخلافات حول اختصاص المحكمة، فإن استجابة إسرائيل للتطورات الأخيرة لم تكن منافقة فحسب، بل كانت أيضا هزيمة ذاتية عميقة. نظرة فاحصة على تصريحات نتنياهو في هذا الصدد تؤكد هذه النتيجة الازدواجية.

أولا، أعلن رئيس الوزراء نتنياهو أن حكم المحكمة هو “معاداة صريحة للسامية “، وبالتالي فهو لا يخلط الخلاف مع السياسات والإجراءات الإسرائيلية بالكراهية المتأصلة لليهود فحسب، بل يتجاهل أيضا، وبشكل واضح، حقيقة أن المدعي العام قد كُلف أيضا في النظر في جرائم الحرب التي ارتكبتها حركة حماس ضد المدنيين الإسرائيليين الأبرياء.

ثانيا، وعلى نفس المنوال، حاول السيد نتنياهو تقويض مصداقية المحكمة، متهما إياها بأنها تتعارض مع مذكرتها الخاصة لمنع الفظائع مثل تلك التي ارتكبها النازيون من خلال التحقيق في سلوك “الدولة الوحيدة للشعب اليهودي”، كما لو كأن “عيش اليهود في وطننا هو جريمة حرب”. إن استخدام هذه الحجة لتجنب التدقيق في الأنشطة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة لا يتخطى فقط القضايا الجوهرية المطروحة، ولكنه يفتح أيضا الباب للتشكيك في وجود دولة إسرائيل – وليس أنشطتها فقط.

ثالثا، شرع نتنياهو بعد ذلك على هذه الأسس في انتقاد المحكمة الجنائية الدولية لتلميحها إلى أنه “عندما تدافع إسرائيل الديمقراطية عن نفسها ضد الإرهابيين القتلة … فهذه أيضا جريمة حرب”. لكن السؤال المطروح ليس حق إسرائيل في حماية نفسها، بل بالأحرى كيف اختارت أن تفعل ذلك. يُظهر الفشل في وضع هذا التمييز الجوهري تجاهلا دقيقا لتلك المبادئ الإنسانية التي مكّنت من قيام إسرائيل في المقام الأول. خلال ذلك، تثير أيضا، وبشكل متناقض، أسئلة حول عمق الروح الديمقراطية لإسرائيل وشرعية مكافحة الإرهاب ضد المدنيين بشكل عام. ومن المفارقات، أن ذلك يسلط الضوء في الواقع على الفرق بين الضرورات الدفاعية والمبادرات العلنية المتعلقة بالمستوطنات اليهودية، والسيطرة الإسرائيلية الواسعة النطاق على حياة الفلسطينيين وأراضيهم، والحد من أبسط حقوقهم الإنسانية. هذه، بكل المقاييس، ليست أعمالا دفاعية، ولكنها أنشطة استباقية تتبعها الحكومات المتعاقبة – والآن وصل ذلك إلى حد إضفاء الطابع المؤسسي لها.

رابعا، بشكل شبه حتمي، تتم الإشارة إلى ازدواجية المعايير التي تستهدف إسرائيل وتجنب أي جهد لمحاسبة سوريا أو إيران. حتى لو تم استهداف إسرائيل تقليديا من قبل الهيئات الدولية، فإن هذا لا يعني أن أفعالها لا تخضع للمراجعة. كما في الماضي، قد يكون للجوء إلى هذا الخطاب أثر مخفف، ولكنه لا يمنح من تلقاء نفسه الغفران.

أخيرا، ينظر بنيامين نتنياهو إلى الكاميرا مباشرة محكما قبضته ويختتم حديثه متعهدا “سنكافح هذا الانحراف بكل قوتنا.” قد يبدو التشبيه العسكري المستخدم لمكافحة الاتهامات بارتكاب جرائم حرب مطمئنا لبعض الجماعات في إسرائيل. في آذان أشخاص آخرين، قد يكون لهذه المقارنة والرسالة القتالية تأثيرعكسي تماما، مما يعزز صورة إسرائيل العسكرية التي تدوس على حقوق الآخرين مع الإفلات من العقاب.

الصورة التي تظهر من الرد الرسمي الصادر عن القيادة هي صورة لإسرائيل المتحدية التي هي دائما على حق ومهددة إلى الأبد. ربما تكون إسرائيل قد نجحت في الحصول على قدر معين من الدعم (سريع الزوال في الغالب) في البلدان الاستبدادية الجديدة (المجر وبولندا والفلبين والبرازيل) والدوائر القومية المتطرفة في الخارج، لكن هذا الدعم يتلاشى خارجيا. عنادها يساهم في عزلتها في المجتمع الدولي. إن الموقف الصدامي هذا يضر بالبلد بشكل واضح.

هذا النهج القتالي أيضا له آثار داخلية. وبعيدا عن قيمته الانتخابية المباشرة المحتملة محليا، فإنه يثير أفكارا جادة حول محتوى القيم التي تسترشد بها إسرائيل اليوم. ومن الملحوظ أن الغائب هو أي تأمل ذاتي، وأي قدرة على تحمل المسؤولية عن أفعالها، وأي معايير واضحة للتمييز بين الصواب والخطأ، وأي محاولة لإنشاء آليات لفرض هذه المبادئ. أهم حساب هو الذي تم تجنبه: لنفسها وللأجيال القادمة. لم يعد بإمكانها الاستمرار في خداع نفسها بشكل منهجي.

ليس من الصعب تغيير المسار. أمام إسرائيل 30 يوما لطمأنة المحكمة الجنائية الدولية بأنها تعتزم اتخاذ إجراءات قوية لضبط نفسها من خلال تشكيل لجنة مستقلة لرصد الانتهاكات على مستوى السياسات والعمليات. إن وضع مثل هذه الآليات يمكن أن يحقق هدفين رئيسيين: أولا، يمكن أن تثبت إسرائيل للعالم الخارجي أنها تأخذ التزاماتها وتعهداتها الدولية على محمل الجد (وبالتالي زيادة مصداقيتها وقدرتها على المناورة عند مواجهة تهديدات خطيرة)؛ وثانيا، يمكنها بالتالي أن تشرع في عملية طويلة – ومؤلمة – من الفحص الذاتي والتصحيح اللاحق.

وقكل شيء، فإن أفضل طريقة لحماية إسرائيل من الافتراء الخارجي المستمر هي الكف عن السياسات التي تتعارض مع القيم الإنسانية الأساسية. وهذا لا ينطبق فقط على أفعال محددة في أوقات المواجهة العنيفة، ولكن أيضا، وبشكل كبير، على إنهاء الاحتلال، الذي يحرم الفلسطينيين من الحريات الأساسية التي بنيت عليها إسرائيل.

عن الكاتب
برفيسور نيعومي خازان نائبة رئيس مجلس الكنيست سابقا وعميدة مدرسة المجتمع والحكم في كلية تل ابيب يافا
تعليقات