فلسطيني يحلم بإسحاق وإسماعيل‎

في المعركة الأبدية بين الخوف والأمل، يكتب “الأمير الأخضر” أن ” اتفاقيات أبراهيم” تتيح فرصة للتحرر من العقائد التي لا يمكن التوفيق بينها ويحاول تخيل ما يمكن انجازه

(iStock)

“إسرائيل هي الحل وليس المشكلة”.

كان التعبير عن هذه الفكرة كشاب فلسطيني قبل عشرين عاما، أو حتى إدراك ذلك، كما فعلت أنا، بدعة لا تُغتفر وتستحق موتا بشعا أمام حشد من الناس يرشقك بالحجارة. ومع ذلك، ها نحن ذا بعد عشرين عاما من الكراهية والصراع نقابل واقعا جديدا تم إطلاقه من خلال “اتفاقيات إبراهيم” للسلام والتي يمكن أن تجعل هذه الكلمات الخائنة حقيقة مقبولة.

تهدف الخطة، التي يجري العمل عليها منذ فترة طويلة، إلى جعل الدول العربية تعلن توقيعها على الاتفاقية الواحدة تلو الأخرى مع إسرائيل “العدو”، على أن تكون السعودية آخر وأهم الموقعين عليها. تبين أن الطريق إلى السلام لا يتعلق بالأرض، بل بالاقتصاد. يمكن لإسحاق وإسماعيل العمل معا لفتح عهد جديد من الازدهار في منطقة بلا حدود.

لماذا هذا ممكن الآن؟ ما هي الحقائق الحالية على الأرض؟

– تُعتبر إسرائيل إلى حد بعيد أقوى قوة عسكرية واقتصادية في المنطقة.

– تمتلك بعض الدول العربية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، بسبب ثروتها النفطية، نفوذا عالميا واسعا، وتتحكم بكميات كبيرة من رؤوس الأموال.

– سبعون عاما من محاولات إحلال السلام في فلسطين التاريخية كلها باءت بالفشل.

– خذلت السلطة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية شعبهما، بينما عاشتا هما حياة ترف وغرقتا في الفساد، وخلقتا عقيدة استشهاد تضحي بالأجيال الفلسطينية الشابة. كما سبق وصرحتُ أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف، فإن السلطة الفلسطينية هي “العدو الأكبر للشعب الفلسطيني”. يعتمد وجودها ذاته على وجود الصراع ولا يمكنها التفكير خارجه، خوفا من أنه مع انتهاء الصراع ستنتهي هي أيضا.

– يعتمد الثقافة والاقتصاد الفلسطينيين المتسولين على المانحين الأوروبيين والأمريكيين والعرب. التسول ليس صحيا ولا مستداما خاصة عندما يضحي المتسول بأطفاله للفوز بتعاطف المانحين.

– الحركة الجهادية في تراجع تام، وأضحى حلم استعادة دولة الخلافة بمثابة كابوس مروع ترفضه الغالبية العظمى من السكان المسلمين المسالمين.

– في الأرض الموعودة مرتين، لم تثبت الرؤيتان المتعارضتان للمستقبل عدم واقعيتهما فحسب، بل إفلاسهما أيضا: الرؤية المتطرفة لحركة “حماس” المتمثلة في إلقاء اليهود في البحر وإنشاء دولة إسلامية، والرؤية المتطرفة للصهاينة في اليمين المتطرف المتمثلة في طرد جميع غير اليهود من إسرائيل التاريخية.

هذا هو الواقع. من وجهة نظري، تتيح اتفاقيات إبراهيم لنا الفرصة للتحرر من الافتراضات التي حشرت الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في عقيدتين لا يمكن التوفيق بينهما. يتطلب كل تغيير جذري أولا أن نتصور ما هو ممكن، ثم أن نأخذ هذا الحلم ونسعى جاهدين لجعله حقيقة. بعض الأحلام تنجح والكثير منها لا ينجح. نجح الحلم الصهيوني، ولم تنجح دولة الخلافة المستعادة.

ما هو إذن حلمي لما تقدمه اتفاقيات إبراهيم كإمكانية لتحقيق السلام في النهاية؟

الآن يمكن أن تتحد التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال الإسرائيلية مع رأس المال والعمالة العربية. التغيير الرئيسي مع خفض الحدود هو إمكانية السفر. هذا ليس بحلم، فهو يحدث حقا. حلقت أول رحلة لشركة “إل عال” مؤخرا فوق المملكة العربية السعودية وهبطت في أبو ظبي حيث تم تبادل التحية المتفق عليها بالكوع. من الصعب المبالغة في قيمة السفر. أنا، مثل الكثير من أبناء شعبي، كنت أسيرا فعليا، إما في غزة أو الضفة الغربية. لقد كان حالفني الحظ في السفر من حول العالم للقاء كل تنوعاته وإمكاناته الرائعة.

يمكن الآن لمليون ونصف من العرب الإسرائيليين السفر إلى بعض الدول العربية بجوازات سفرهم الإسرائيلية. إنهم يغتنمون هذه الفرصة الهائلة للأعمال التجارية حيث يتشاركون اللغة والثقافة. مؤخرا، وافقت الحكومة السعودية على السماح لحاملي جوازات السفر الإسرائيلية بأداء فريضة الحج في مكة. يوفر هذا التعاون التجاري الجديد المحتمل إمكانيات لمجالات اقتصادية جديدة، وقطاع الإسكان، والبحوث في الأراضي الفلسطينية. على مدى عقود، كانت هذه الدول العربية تساهم بعشرات الملايين من الدولارات للسلطة الفلسطينية فقط لإدامة نظام فاسد. لماذا تُرسل الأموال لتأجيج الصراع بدلا من استثمار عشرات الملايين في المناطق في المشاريع والبنية التحتية.

الثروات الفلسطينية

لنأخذ مثالا يمكن القيام به على الفور دون انتظار الجوانب السياسية للاتفاقيات ليتم العمل عليها. يعد غور الأردن موقعا مثاليا لإنتاج الطاقة الشمسية. دولة الإمارات، التي تطور هذه التكنولوجيا سوف تستثمر في شركة للطاقة الشمسية. الفلسطينيون بحاجة ماسة إلى العمل مثلهم مثل الإسرائيليين اليوم. يعمل الفلسطينيون في إسرائيل ولكن فقط بتصريح خاص حيث يُخشى أن تستغل حماس الفرصة لإرسال إرهابيين. لن تتدخل حماس في هذا المشروع العربي حيث سيعمل الفلسطينيون والإسرائيليون معا على قدم المساواة. سيكون المدراء مسؤولين أمام المستثمرين، ولن يمر التمويل من خلال السلطة الفلسطينية.

يمكن تكرار هذا النموذج لبناء الجسور بين المجتمعين. ويمكن لهذا النموذج أن يشجع المانحين الأوروبيين والأمريكيين على توجيه أموالهم مباشرة إلى الشركات المسؤولة أمامهم دون وسيط.

لكن لحظة واحدة، ماذا عن الستة ملايين ونصف المليون من البشر عديمي الجنسية من الفلسطينيين؟ بالطريقة التي تم بها تقديم الاتفاق، لم يتلق الفلسطينيون شيئا، سوى تأجيل ضم غور الأردن، وهو بالفعل ضم فعلي. بدا أن كل الفوائد ذهبت لنتنياهو والإسرائيليين. صحيح، لكن الاتفاقية توفر احتمالات كبيرة للفلسطينيين، وتكسر الجمود.

يمكن للساسة الفلسطينيين الاحتجاج بشدة على الخيانة العربية، لكن التأييد يتلاشى بسرعة مع تشكيل جامعة دول عربية جديدة. يقوم المانحون إما بقطع الأموال أو يطالبون بمساءلة أكثر صرامة. انتفاضة ثالثة ستؤدي إلى تدمير ذاتي. يتعين على القيادة الفلسطينية المسنة إما أن تعمل ضمن هذا الواقع الجديد أو سيتم استبدالها بقيادة أصغر سنا وأكثر تقدمية.

ما هي الثروات التي يمتلكها الفلسطينيون في هذا العالم المتغير؟ لديهم طبقة متعلمة وريادية. مثل اليهود، لديهم شتات نجح في الخارج ويمكن الاعتماد على خبرته وتمويله. كما أنهم، ومرة أخرى كما هو الحال في الحالة اليهودية، يتمتعون بتعاطف واسع في الخارج بسبب محنتهم ويمكن حشد هذا الدعم لمشروع بناء.

ثم هناك السياحة، وليس الإرهاب، والتي توفر دخلا كبيرا، بدءا من ملايين الحجاج الذين يأتون إلى الأراضي المقدسة كل عام. ويسيطر الفلسطينيون فعليا على بعض أقدس المواقع لديانتين عالميتين رئيسيتين. المسجد الأقصى في القدس، ثالث أهم مسجد بالنسبة للمسلمين؛ وبيت لحم والناصرة للمسيحيين، وتأتي كنيسة المهد في المرتبة الثانية بعد الفاتيكان. في عام 637 عندما استولى الخليفة عمر على مدينة القدس، سمح للمسيحيين بالعبادة بحرية في الحرم القدسي (جبل الهيكل بحسب التسمية اليهودية) وسمح لليهود بالصلاة في الحرم القدسي وحائط المبكى عندما حظر البيزنطيون ذلك.

في رؤيتي لسلام مستقبلي، سيكون من الحكمة أن تسمح القيادة الفلسطينية لليهود ببناء هيكلهم الثالث على جبل الهيكل، بحيث يكون المكان موقعا للديانات الإبراهيمية الثلاث.

إسرائيل هي بلد جميل يقدم الكثير للسائح العربي بشواطئه المتوسطية والبحر الميت والبحر الأحمر. المقامرة في الكازينو غير مسموح بها في إسرائيل والعقيدة الإسلامية تحظرها، لكن إنشاء لاس فيغاس في الضفة الغربية سيكون بمثابة آلة نقدية تسمح بالاستثمار في المدارس والمستشفيات والبنى التحتية. بناء مطار في الضفة الغربية ومطار آخر في غزة سيجعل من مشايخ الخليج وأكياس المال الخاصة بهم على بعد رحلة قصيرة: رحلة شاملة تبدأ أولا بالخطيئة ثم تنطلق إلى المسجد الأقصى لتطهير الروح قبل العودة إلى الديار.

يجب أن تكون الأراضي المقدسة ساحة لعب لا ساحة معركة. فلندع التنافس يكون على ملاعب كرة القدم في تل أبيب وجدة. أضف إلى ذلك التبادل الثقافي مع فنانين يؤدون عروضهم في كلا البلدين. هل حقا من الصعب تخيل ذلك؟

جواز سفر فلسطيني

لكن ماذا عن الدولة الفلسطينية؟ دولة يكون فيها لفلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة لأول مرة كرامة حمل جواز سفر فلسطيني شرعي مقبول من المجتمع الدولي؟ أنا أعرف ما يعنيه السفر بوثيقة لاجئين ممزقة بصفتي فردا في أكبر مجتمع عديم الجنسية في العالم. لم يكن الأمر أنني عوملت كمواطن من الدرجة الثانية: لم أكن حتى مواطنا.

بالنظر إلى الواقع الذي يتعين علينا كفلسطينيين مواجهته في النهاية، أتخيل وضعا مثل الفاتيكان، دولة داخل دولة. ستشمل هذه الولاية القضائية الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وكذلك الأماكن الدينية في القدس. مع مرور الوقت وتطور حياة اقتصادية مزدهرة في المناطق على أساس التجارة وسيادة القانون، وليس الأعمال الخيرية، ستنهار الحواجز والجدار، كما حدث في برلين. لذا، اعتمدوا الطريقة الأمريكية، واسمحوا للناس بالتعبد بحرية، واسمحوا لهم بلعب القمار، واسمحوا لهم بأن يكونوا أحرارا.

لذا فهذا هو رهان تاريخي على أن خلق الفرص الاقتصادية وتلبية احتياجات الناس سيتغلبان على نظام يعتمد على الكراهية والصراع. المعركة الأبدية بين الخوف والأمل. يعيش كلا المجتمعين الآن في خوف من الآخر.

لندع هذا الجيل يكبر دون العبء السام الذي حمله أسلافه. يجب ألا يضطر أبدا إلى تحمل ديون وخطايا الجيل القديم.

مع هذه الفرص الجديدة، ومع هذه الرؤية الجديدة، امنحوا السلام فرصة.

عن الكاتب
مصعب حسن يوسف فلسطيني من مواليد رام الله، هو أيضا نجل زعيم حماس الشيخ حسن يوسف. مصعب عمل لصالح جهاز الأمن الداخلي الشاباك من 1997 إلى 2007. نشر سيرته الذاتية "ابن حماس" المعروضة كفيلم وثائقي بعنوان "الأمير الأخضر"
تعليقات