“فرصة” الضم العظيمة هي مجرد كذبة

يُجادل المدافعون عن الاسراع إلى ضم أجزاء من الضفة الغربية بأن الوقت المناسب لاتخاذ مثل هذه المخاطرة المذهلة هو الآن، في خضم أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود، لأن هناك أيضا فرصة لا تتاح لجني الذهب بالنسبة لإسرائيل.

بالإمكان ملء كواكب جديدة بجماهير ساذجة تبدي استعدادا لتصديق بنيامين نتنياهو، ولكن على عكس إدعاءته التحريضه ضد النظام القانوني، من المحبذ النظر عن كثب في هذا ادعاءه: لا يجب تفويت الفرص التي لا تأتي إلا مرة واحدة.

“الفرصة” المقصودة هي أن تنجح إسرائيل بتنفيذ الضم دون عواقب هذه المرة، ومن المحتمل ألا تتكرر هذه الفرصة مرة أخرى. وبوضع هذه الفرضية في عين الاعتبار، علينا فحص الإصرار على الضم بأي من أشكاله بحلول الأول من يوليو.

للوهلة الأولى، يبدو الأمر برمته مثيرا للفضول.

حذرت الدول العربية المعتدلة التي تعيش في سلام مع إسرائيل – وتلك التي تحاول التقرب منها – من عواقب وخيمة، وقال مسؤول إماراتي بارز في مقال رأي مذهل باللغة العبرية، إن التطبيع لن يظل مطروحا. تنبأ آخر بالدعوات لدولة واحدة ثنائية القومية وليست يهودية – وهي في الواقع النتيجة المنطقية الوحيدة لمغامرة الاحتلال هذه.
ترفض مصر أي ضم، ويهدد الأردن بإلغاء معاهدة السلام التي تمنح إسرائيل عمقا استراتيجيا لا يمكن للضفة الغربية أن تمنحه أبدا.
حسنا – إسرائيل لا تميل إلى أخذ العرب على محمل الجد؛ حتى أنها لم تكلف نفسها عناء النظر في مبادرة السلام العربية في عام 2002.

يقول الفلسطينيون إن الضم سيكون بمثابة القشة الأخيرة لـ “عملية السلام” الأطول في التاريخ والمتوقفة حاليا ويهددون بإنهاء التنسيق الأمني الذي يوفر الأمن لإسرائيل منذ الانتفاضة الثانية الدامية.

لا تأخذ إسرائيل الفلسطينيين على محمل الجد أبدا، على الأقل حتى يبدؤون بتفجير الحافلات، وفي هذه المرحلة يتحرك الرأي العام على أي حال إلى اليمين. ولكن يبدو أن الفلسطينيين يعتمدون على أساس ثابت في آمالهم بأن ترد الدول الأوروبية على الضم من خلال الاعتراف ب”فلسطين”.

وقد صرح الأوروبيون صراحة أنهم لن يعترفوا بأي ضم إسرائيلي وقد وصل وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إلى القدس على وجه التحديد لتحذيرها من أن الخطوة ستكون غير قانونية. وهناك تحذيرات من عقوبات لأول مرة منذ عقود.

الأوروبيون هم الشركاء التجاريون الرئيسيون لإسرائيل ويمكنهم أن يدمروا جزء كبير من الحياة الطبيعية هنا – لكنهم أيضا منقسمون، وسيبقى الألمان مدينين لإسرائيل لآلاف السنين. إن السخرية من الاتحاد الأوروبي تحولت إلى رياضة في هذه المنطقة، لذا يجب علينا المضي قدما.

أين إذا هذا الدعم المذهل للضم؟

يعتمد التأكيد تماما على الفكرة القائلة بأن الخطة حصلت على مباركة دونالد ترامب، الذي أصبح بخدعة بصرية رئيسا للولايات المتحدة.

تفتقر هذه الحجة إلى الكرامة (لأن إسرائيل دولة مستقلة)، أو الاقناع الأخلاقي (لأن ترامب قد يكون الزعيم الأقل أخلاقية الذي عرفته الولايات المتحدة على الإطلاق)، أو الكثير من المنطق (لأن النزاع على الأرض مع الفلسطينيين وليس مع أمريكا). لكنها تقنع العديد من الإسرائيليين، الذين على غرار توابع حقيقيين يعتبرون الضوء الأخضر من أميركا كافيا.

إلا أن إسرائيل لم تحصل على المباركة الأمريكية للخطوة.

جو بايدن، الذي يتقدم في استطلاعات الرأي (بما في ذلك الولايات المتأرجحة، وفقا لموقع FiveThirtyEight)، يمكن أن ينتخب رئيسا في غضون خمسة أشهر (وقد لا يتم انتخابه أيضا، بسبب النظام الانتخابي الأمريكي الذي يعمل لصالح الجمهوريين). لقد أوضح بايدن معارضته لأي ضم، ويشاركه هذا الرأي جميع قادة أمريكا تقريبا، بما في ذلك في الحزبين الرئيسيين وفي صفوف الأجهزة الاستراتيجية والعسكرية، وكذلك العديد من الأصدقاء الصريحين لإسرائيل مثل دانيال بايبس.

إذا نفذت إسرائيل ضما يتجاوز أي خطوة رمزية، فقد تواجه إدارة أمريكية معادية جدا، وسيتراوح الرد في بقية العالم ما بين المعارضة والغضب الشديد.

هذا هو بالضبط السبب في أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تعارض الخطوة بشكل شبه كامل. جميع الجنرالات الثلاثة السابقين الذين تم اختيارهم لقيادة تنفيذ الخطة رفضوا العرض، وكبار المسؤولين في الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك) والموساد والشرطة يدركون جيدا أن النتيجة قد تكون بمثابة كارثة أمنية.

كل هذا يُعتبر مبتذلا في خضم أزمة الكورونا، حيث تخلق احتمالات تفشي موجة ثانية الكثير من عدم اليقين، مع نسبة بطالة وصلت إلى نحو 20% وانكماش الاقتصاد بأكثر من 7% في الربع الأخير.

ما الذي ستحصل عليه إسرائيل مقابل المخاطرة الكبيرة بمواجهة كوابيس دبلوماسية وأمنية واقتصادية؟ ما هو هذا الذهب الذي ستكسبه؟

الضم لن يكسب المستوطنين شيئا ملموسا، لأن إسرائيل تجد طرقا بالفعل لجعلهم جزءا من الدولة (على عكس الجيران الفلسطينيين عبر الحقول فهم يدلون بأصواتهم في الانتخابات الإسرائيلية، على الرغم من عدم وجود برنامج اقتراع للغائبين في البلاد). ولكن سيكون من الصعب إلغاء الخطوة، بموجب القانون والسوابق، وكذلك ستسمح بتعزيز قبضة إسرائيل على كامل الأراضي. هل هذا جيد؟

قد تكون الخريطة التي سيرسمها ضم كل المستوطنات، وهو أحد السيناريوهات بحسب تقارير، هي أكثر المناطق غير القابلة للدفاع والأكثر عبثية في العالم. لا أحد في العالم يعتقد أنه يمكن الجيوب الفلسطينية المتبقية، كل منها محاطة بإسرائيل من جميع الجهات، بعد ذلك إلى كيان مشترك منفصل وقابل للبقاء. ادعاء إسرائيل بأنها ديمقراطية، الذي هو أصلا رقيق وهش بعد 53 عاما من احتلال الملايين عديمي الجنسية، ستموت وستتبعها العواقب..

تقييمي الخاص هو أن حكومة الوحدة الإسرائيلية الغير دارية بشيء ستستيقظ في اللحظة الأخيرة وتقوم بالتقليل من أهمية الخطوة لإنقاذ ماء الوجه للجميع، وستكتفي بضم متواضع لا يخلق هذه الخريطة التي لا يمكن الدفاع عنها. على سبيل المثال، قد تكون الخطوة مجرد الاستيلاء على كتلة عتصيون جنوب القدس. ومن شأنه هذا أيضا أن ينتهك سياسة حكيمة مستمرة منذ نصف قرن ضد الضم من جانب واحد، ويخلق مشاكل محلية مع بيت لحم – ولكن قد ينتهي به المطاف إلى النظر إليه على أنه مجرد استفزاز يمكن احتواء ضرره.

لماذا يرغب نتنياهو بالتسبب بأي ضرر أصلا؟ يبدو هذا السؤال مثيرا للاهتمام، ولكن في الواقع هو ليس كذلك.

إن خطة الضم تشكل إلهاء ملائما عن محاكمته غير المسبوقة بتهمة الرشوة، فهو يشحذ بذلك قاعدة ناخبي حزب “الليكود”، ويعطيه قضية لإحراج شركائه في حكومة الوحدة من حزب “أزرق أبيض”. قد يكون ذلك مناسبا للغاية إذا قرر هندسة انتخابات في الأشهر الـ 17 المتبقية قبل أن يحل وزير الدفاع بيني غانتس مكانه. هذا هو نتنياهو الذي كانت لديه الجرأة هذا الأسبوع ليدبر مكيدة منح نفسه مزايا ضريبية بأثر رجعي لنفسه التي تساوي قيمتها ثروة صغيرة في الوقت الذي ينتظر فيه مواطنوه مبالغ زهيدة من مساعدات وُعدوا بها لمواجهة أزمة كورونا. بالكاد تبقت هناك أعماق لم يتم اكتشافها، ولا يمكن الرهان في هذا الربع من العام إلا على التواطؤ والكوارث.

والسؤال المثير للاهتمام هو لماذا سيوافق قائدا “أزرق أبيض”، غانتس ووزير الخارجية غابي أشكنازي، على ذلك. يُعتبر موقفهما حاسما، لأنه من الواضح أنه بدون دعم “أزرق أبيض”، قد تقوم إدارة ترامب بسحب التفويض المطلق الممنوح لإسرائيل. ليس هناك شك في أن كلاهما يدرك حماقة هذه الخطوة، ولكن معارضتهما العلنية للخطوة كانت فاترة في أحسن الأحوال.

هناك ثلاثة سيناريوهات لتفسير ذلك:

· السيناريو الأكثر قسوة هو ضعف الكفاءة. فبعد كل شيء، يدور الحديث عن الرجلين اللذين فازا بالانتخابات – ب62 مقعدا في الكنيست لكتلتهما من أصل 120 – وبطريقة ما فشلا في الإطاحة بنتنياهو. هذا الفشل الملحمي يشكل سابقة بائسة في تاريخ إسرائيل.

· السيناريو الثاني هو أنهم سيقبلان بأي إهانة أو كارثة لحرمان نتنياهو من إيجاد ما يبرر انسحابه من اتفاق التناوب على رئاسة الوزراء. هذا ليس بالسيناريو الأسوأ لأن المصلحة الذاتية في هذه المنطقة تُقابل بازدراء أقل من الغباء.

· وجهة النظر المتفائلة هي أنهما يتظاهران فقط بأنهم غافلان، وخلف الكواليس يشدون الحبال بذكاء لإحباط المدعى عليه في قضايا جنائية الذي سمحا له بالبقاء في السلطة. فبعد كل شيء، استطاع أزرق أبيض” بالفعل إحباط بعض مخططات الليكود الأخرى، مثل المكائد لتعطيل محاكمة نتنياهو.

سأخاطر بأن أبدو بنفسي ساذجا ولن أستبعد هذا السيناريو.

عن الكاتب
دان بيري ، خبير وسائل إعلام، كان مدير مكتب الشرق الأوسط لوكالة الأنباء العالمية الأسوشيتد برس AP، مقره القاهرة. كما وكان ورئيس رابطة الصحافة الأجنبية في إسرائيل. في السابق ترأس مكاتب AP في أوروبا وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي. للمتابعة: twitter.com/perry_dan www.linkedin.com/in/danperry1 www.instagram.com/danperry63 https://www.facebook.com/DanPerryWriter/
تعليقات