بدلا من مهاجمة الإمارات، على الفلسطينيين إعادة تقييم مواقفهم ‎

هنا في اليسار الإسرائيلي من يسخر من اتفاقي السلام والتطبيع اللذين تم التوقيع عليهما هذا الأسبوع مع الإمارت العربية المتحدة والبحرين.

متظاهر فلسطيني يحمل العلم الفلسطيني خلال تظاهرة بالقرب من الحدود بين إسرائيل وخان يونس في جنوب قطاع غزة، 21 ديسمبر، 2018. (Photo by SAID KHATIB / AFP)

رغم أن اليسار هو استراتيجيا الجانب الذي يفكر بعقلانية في إسرائيل، إلا أن هذا الموقف من “اتفاقية إبراهيم” هو استثناء وهو غير حكيم.

ينبع بعض ذلك من البغض الذي يشعر به البعض تجاه دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، والخوف من أن نجاحهما قد يساعدهما سياسيا. ولكن على مستوى أعمق، هناك قلق من أن الاتفاقيات قد تقلل من فرص حل الدولتين الذي يفصل إسرائيل عن الفلسطينيين.

مثل هذا الحل سيشكل عدالة طال انتظارها للفلسطينيين وإنقاذ ديمغرافي لإسرائيل. المنطق بسيط ولكنه يفوق القدرات العقلية لليمين الإسرائيلي، وهو أنه بدونه ستستوعب إسرائيل عمليا عددا كبيرا من الفلسطينيين لدرجة أنه في ظل أي سيناريو معقول لن يعد من الممكن تسميتها يهودية وديمقراطية، أو أي منهما.

لطالما اعتبرت عناصر في اليسار الإسرائيلي أنه من المهم أن يعاقب العالم إسرائيل حتى توافق على إنقاذ نفسها من خلال التقسيم. كان دور العالم العربي هو حرمان إسرائيل من التطبيع حتى تفعل الصواب – وهو ما لم تفعله حتى كتابة هذه السطور.

هناك عدد من المشاكل مع هذه الفكرة.

أولا، قد يؤدي تمني السوء لبلدك إلى تمكين آلة التلفيق الإعلامي في اليمين – والتي تتميز بالذكاء على عكس آلة سياساتها – من تصوير المرء على أنه غير وطني. في الواقع، لقد نجح اليمين في جعل “اليسار” كلمة مكونة من أربعة أحرف في إسرائيل. هذا لا يعزز من جهود اليسار في العودة إلى السلطة، والتي هي على الأرجح شرط مسبق للتقسيم.

ثانيا، الأمر لم ينجح. البشرية، وخاصة في القرن ال21، تحولت إلى مجموعة عابسة ومتصلبة. نادرون هم الأشخاص الذين يمكن إقناعهم. مبادرة السلام العربية كانت مطروحة على الطاولة منذ عام 2002، ووعدت بالقمر لو وافقت إسرائيل فقط على بنودها، ولم تكلف أي حكومة إسرائيلية نفسها حتى عناء الرد، ناهيك عن التفاوض. يجب التعامل مع التعميمات بحذر، ولكن يمكن القول أن الإسرائيليين لا يستجيبون جيدا للابتزاز.

ثالثا، وهو الأهم، هناك ما يدعو للأمل في أن التطورات التي حدثت هذا الأسبوع قد تساعد في الدفع بفكرة حل الدولين مرة أخرى إلى مركز المنصة ولن تقتلها.

بالطبع ، تنافس المحللون الإسرائيليون في الأيام الأخيرة في تقييماتهم الساخرة في رفض التأكيدات الإماراتية والبحرينية على أنهم ما زالوا ملتزمين بتعزيز حل الدولتين. لقد نجحوا بالفعل في وقف حماقة ضم الضفة الغربية الإسرائيلية في مهدها، ولكن الصحافيين يحبون السخرية. يمكن للمستمعين الساذجين ، وهناك عدد لا بأس به من هؤلاء ، أن يخطئوا في اعتبار هذا التقييمات حكمة.

بالنسبة لليساريين من بين الصحافيين، فإن هذا الموقف المتشكك يرافقه الأسف. أما اليمينيون فإنهم يتخلون عن نزعة انتصار من النوع الذي سمح لهم بتحقيق نجاحات انتخابية متكررة.

كلاهما مخطئ في رأيي، للأسباب التالية.

أولا ، بالنسبة للفلسطينيين، الذين أصيب قادتهم بالصدمة والفزع واتهموا الدولتين الخليجيتين بالخيانة، فإنهم سيحسنون صنعا لو فكروا في الأمر.

يطالب الفلسطينيون بالدعم العربي لمواقفهم منذ عقود عديدة، وقد أشركوا العالم العربي في عداء مستمر لا طائل من ورائه مع ما تُعتبر من نواح كثيرة واحدة من أكثر الدول تطورا في المنطقة.

في الفترات الأخيرة، تحت قيادة إيهود براك في 2000-2001 وإيهود أولمرت في عام 2008، فشل الفلسطينيون مرتين في الاستفادة من العروض لإقامة دولة فلسطينية (منزوعة السلاح) على كل الأراضي التي يسعون إلى الحصول عليها تقريبا – على حوالي 95٪ من الأراضي، ومع تبادل للأراضي لتغطية ما تبقى.

وبشكل لا يصدق، قدم أولمرت حتى تنازلات بعيدة المدى في القدس ، التي كانت أبعد ما يمكن أن نتوقعه من أي شخص يسلك الطريق النادر للغاية لتقسيم مدينة بين كيانين لهما تاريخ من الصراع. كما أنه ابدى استعدادا لإخلاء عشرات الآلاف من المستوطنين اليهود الذين تم زرعهم بغباء في الضفة الغربية، وكثير منهم على أرض فلسطينية خاصة مغتصبة.

لم تكن العروض الإسرائيلية مثالية، ولكن على الرغم من رواية تروي عكس ذلك، فإن هذه العروض كانت حقيقية، والمخاوف الأمنية فيها كان لها ما يبررها: إن الضفة الغربية هي منطقة استراتيجية للغاية، ويمكن أخذ العبر والدروس من غزة، التي تحكمها عصابة إرهابية منذ عام 2007.

يتشبث الفلسطينيون بمواقف متطرفة بشأن الحدود والقدس واللاجئين، والموقف الأخير مستحيل بشكل خاص، حيث يعتبر الملايين من أحفاد 600,000 شخص الذين تم طردهم قبل 72 عاما، معظمهم إلى تضاريس وثقافات قريبة، بأنهم “لاجئون” لا بلد من “عودتهم”. على الرغم من الغمزات والإيماءات والتأكيدات المبهمة، لا تزال القيادة الفلسطينية تشجع الرأي العام على التمسك بإصرار بهذا الحلم.

لا يتجول أحفاد ألمان السوديت وهم يحملون مفاتيح منازل لم تعد قائمة منذ فترة طويلة؛ ولا يقضي الباكستانيون عهودا في التوق للعودة إلى ما هي الهند اليوم. يحق للفلسطينيين الحصول على حريتهم من إسرائيل وعلى دولة مستقلة ويجب تعويضهم بسخاء، ولكن عليهم أيضا أن ينضجوا في هذه المسألة.

هناك من يقول إن صمود الفلسطينيين هو ورقة مساومة للجانب الأضعف، لكنني لا أعتقد ذلك. لقد جعلتهم هذه الحالة المرضية متعجرفين بشأن عروض السلام التي كانت ستنخرط فيها معظم الجهات الفاعلة على الساحة الدولية، بل وحتى ستتمسك بها. في دفاعهم عن هذه الحماقة المذهلة، يقدم القادة الفلسطينيون أعذارا واهية تتضمن شكوكا في أن يكون أولمرت، الذي كان يخضع حينذاك لتحقيقات جنائية، قادرا على تنفيذ عرضه. لقد رأينا هذا الأسبوع ما يمكن أن يقدمه متهم جنائي فعلي، عندما يكون الدافع موجودا.

من غير المقبول افتراض حسنات الآخرين وطلبها، والتصرف كما لو أنهم مدينون لك بشيء. إنه سلوك سيجده الآخرون في نهاية المطاف مزعجا ويتوقفون تماما عن المسايرة.

لطالما افترضت القيادة الفلسطينية أن العالم العربي سيتحمل ألاعيبها ويدعم رواية الضحية التي غرستها بشكل غير مفيد في جمهورها سيء الحظ. إذا كانوا يشعرون بأنه تم التخلي عنهم اليوم، قد ينتج شيء جيد عن ذلك إذا دفعهم الأمر إلى إعادة تقييم مواقفهم.

على وجه التحديد، قد يعلن عباس أنه إذا تم طرح عرض أولمرت مرة أخرى فسيكون أساسا لاتفاقية إنهاء الصراع. ستكون هذه طريقة ممتازة لتحدي نتنياهو في وضعه الجديد الذي يتمتع به كرجل سلام.

أما بالنسبة للإسرائيليين فإن السلام الحقيقي والتطبيع العميق من النوع الذي يبدو معروضا يجب أن يجلب لكل الأطراف فوائد مادية ومكافآت سخية أخرى. قد يشجع ذلك على ديناميكية تجبرهم على أخذ رغبات العالم العربي بجدية أكبر.

إن حرمان المرء من شيء لم يختبره أبدا هو شيء؛ قد يستمر المرء في التصرف بحماقة. ولكن المخاطرة بفقدان الفاكهة التي تذوقتها واستمتعت بها أخيرا هو شيء آخر تمام. لا يوجد ضمان، لكن مثل هذا الضغط قد يجعل حتى من اليمين الإسرائيلي الجاهل أكثر اعتدالا.

نادرا ما يكون للتشاؤم الكثير من الجوانب الإيجابية، وفي هذه الحالة لا يوجد شيء إيجابي. في صحة الأخبار الجيدة؛ لنبقي الجدال في السياسة إلى يوم آخر.

عن الكاتب
دان بيري ، خبير وسائل إعلام، كان مدير مكتب الشرق الأوسط لوكالة الأنباء العالمية الأسوشيتد برس AP، مقره القاهرة. كما وكان ورئيس رابطة الصحافة الأجنبية في إسرائيل. في السابق ترأس مكاتب AP في أوروبا وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي. للمتابعة: twitter.com/perry_dan www.linkedin.com/in/danperry1 www.instagram.com/danperry63 https://www.facebook.com/DanPerryWriter/
تعليقات