اليسار الإسرائيلي ودعم المواطنين العرب

مصلون من الفلسطينيين والعرب في باحة الحرم القدسي 
 May 28, 2021. (Photo by AHMAD GHARABLI / AFP)
مصلون من الفلسطينيين والعرب في باحة الحرم القدسي May 28, 2021. (Photo by AHMAD GHARABLI / AFP)

على مر السنين، افترض الجانب الليبرالي من السياسة الإسرائيلية أن مواطني إسرائيل العرب في جيبه: حتى لو لم تتم دعوتهم رسميا إلى الإئتلاف الحكومي، يمكن الوثوق بدعمهم الخامل. سيكونون راضين عن كونهم عشيقة مخلصة، غير صالحة للزواج ولكن لا تحاول البحث عن الحب لدى رجل آخر، على سبيل المثال اليمين اليهودي. هذا الترتيب ينهار أمام أعيننا.

قد يؤدي هذا إلى تدمير فرص “يسار الوسط” في العودة يوما ما إلى السلطة، وسيتعين على قادة المعسكر العمل بجد لإعادة العجلة إلى الوراء. هذا لأن التغيير له أسباب ممتازة (ولأن بيبي رجل ذكي):

1. القضية الفلسطينية

افترض النموذج القديم أن إسرائيل الليبرالية كانت أكثر ودية للفلسطينيين والعرب بشكل عام. أقل عنصرية وأكثر قلقا من مظالم الاحتلال. لكن هذا النموذج تآكل: على الرغم من انفتاح اليسار النقي بشكل متزايد على الرواية الفلسطينية، فقد تخلى المعسكر ككل عن السلام. لقد توصل التيار السائد من يسار الوسط إلى استنتاج مفاده أن الفلسطينيين سيظلون متطرفين في محادثات السلام وسيحكمون عليها بالفشل، وأن الرأي العام الإسرائيلي لم يعد يبحث عن المثل العليا. لا يزال المعسكر يعارض توسيع المستوطنات ويسعى إلى الانفصال والاتفاقات المؤقتة وربما الانسحابات أحادية الجانب، لكن الحجة التي يطرحها هي ديموغرافية، وبكلمات أخرى وطنية. الرسالة للناخبين المحتملين من اليمين هي: أيها الحمقى، إذا قمتم بالتصويت لليمين، فستبقون الدولة اليهودية مع عدد كبير من العرب من خلال إدامة الاحتلال في الضفة الغربية!

هذه الحجة منطقية وأقنعت عددا من الناس، لكنها ليس موسيقى تطرب العرب. إذا كان أي شيء، فبالنسبة للكثيرين منهم لن تكون هناك مشكلة إذا تحولت إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية أكثر (حتى لو كان الطريق إلى ذلك يمر في فترة انتقالية غير ديمقراطية لا يتمتع فيها الفلسطينيون بحقوق التصويت). إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون هذا سببا لدعم اليمين، الأبله والمفيد.

2. المسألة الثقافية والدينية

السياسة الإسرائيلية، التي تحددها الخلافات بشأن الاحتلال، تنتقل إلى نمط من الصراع بين مؤيدي الحداثة ومناصري التقاليد – كما هو الحال في الولايات المتحدة وأماكن أخرى في الغرب، مع ارتباط مماثل بالتعليم والتدين والحضرية (مقابل الريفية). هناك مليوني عربي في إسرائيل يختلفون أيضا حول هذه القضية، وليسوا جميعا ملائمين ليسار الوسط اليهودي.

يتم تعريف حزب “القائمة العربية الموحدة” – مع أربعة مقاعد من أصل المقاعد “العربية” الـ14 في الكنيست الجديد – من خلال التزامه بالإسلام. تماما مثل جزء كبير من المؤسسة الدينية اليهودية هناك أيضا كراهية للتقدمية، وميول إلى تقسيم المهام في الحياة بحسب الجنس (حيث للنساء هناك مهمة محددة)، وازدراء بشكل خاص لحركة حقوق المثليين. ولذلك هم أقرب إلى اليهود المتدينين (الذين يقاطع جزء منهم الحزب) من حزب “ميرتس” اليساري الذي يقوده مثلي الجنس الذي احتضنهم بسرور للتخلص من نتنياهو.

3. النظام السياسي الإسرائيلي

في استراتيجية مستمدة من منطق النظام السياسي الإسرائيلي (الذي هو بحاجة ماسة إلى الإصلاح)، تشير القائمة الموحدة منذ الانتخابات إلى أنها على استعداد للانضمام إلى أي كتلة من الكتلتين – وربما تفضل كتلة نتنياهو. يحرم ذلك معارضي بيبي من الفوز بـ 61 مقعدا مقابل 59 الذي بدا أنهم فازوا بها. يتبقي لنا 57 مقعدا ضد نتنياهو، وصانعو الملوك الأربعة من القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس، و52 لنتياهو، وسبعة مقاعد أخرى لحزب “يمينا” الذي يتزعمه نفتالي بينيت (على يمين الخريطة السياسية وضد نتنياهو، تقريبا)

يصر حزب “يمينا” على اللعب في كلا الملعبين، بطرق ملتوية ولكن فعالة، التي من شأنها أن تصل ببينيت إلى رئاسة الحكومة. لذلك لقاء بينيت مع عباس هذا الأسبوع كان مهما. الحسابات تقول إن هذين الساخرين الذكيين سيحتاجان أحدهما للآخر لتحقيق أقصى فائدة.

هل سيقبل الوسط العربي في إسرائيل بإمكانية مساهمة عباس في إدامة حكم نتنياهو أو دعم حزب يميني آخر؟ قد يمر ذلك بالفعل بهدوء بسبب بيني (“لا يمكن استغفالي مرتين”) غانتس. قبل عام عرض زعيم يسار الوسط آنذاك القمر على “القائمة المشتركة” التي حصلت على 15 مقعدا بعد حملة انتخابية رائعة. لقد فاز بتوصيتهم (غير المسبوقة) عليه للرئيس ثم أدار ظهره لهم في صفقة حكومة وحدة مع نتنياهو (أنا من أولئك الذين يعتقدون أنه كان بإمكانه أن يثني هاندل وهاوزر عن رأيهما وكان ساذجا على مستوى محرج أمام محتال كبير تاريخه يشهد عليه )

4. شعور العرب بالمرارة جراء ما اعتُبر خيانة من قبل غانتس

إن غضب العرب على غانتس مدمر بالنسبة إلى يسار الوسط. وينعكس ذلك في انخفاض نسبة التصويت في صفوف المواطنين العرب (من 70٪ قبل عام إلى أقل من 50٪)، وفي تفكك القائمة المشتركة واستعداد العنصر المحافظ فيها لدعم نتنياهو.

ذات مرة، حتى وقت ما في التسعينيات، كان يُنظر إلى الأحزاب الحريدية على أنها الصوت الحاسم. سمح لهم ذلك بابتزاز المزيد من الأموال والتنازلات من اليمين، الذي ظهر أيضا باعتباره الموطن الطبيعي للتطرف الديني الملوث بشعور من التفوق اليهودي، والآن أصبحوا دعامة لليمين. العرب (أو بعضهم على الأقل) في خضم رحلة عكسية بعيدا عن دعامتهم (المرفوضة بطريقة ما) في اليسار إلى كونهم صوتا حاسما من نوع ما.

هل الوضع بالنسبة ليسار الوسط أصبح وضعا ميؤوسا منه؟ لا. وبغض النظر عن الإشكالية الثقافية للقائمة الموحدة في إسرائيل الحديثة، يمكن القول إن عباس يناور بحكمة لصالح أقلية مخلصة إلى حد ما تلقت معاملة غير لائقة من حلفاء متعجرفين أخذوها كأمر مسلم به لفترة طويلة.

ذات مرة، لم يهم هذه الأقلية بقاؤها خارج اللعبة السياسية، لكن الآن لديها رغبة متزايدة في الحصول على نصيب حقيقي في السلطة، كما يطالب عباس، الذي يطالب أيضا بتعديل لقانون القومية على الأقل، بحيث يتضمن إشارة صريحة إلى المساواة. وهو يريد أيضا تخفيف القيود المفروضة على رخص البناء وعلاج قوي لظاهرة الجريمة التي تسمح لها الشرطة بالاستفحال في البلدات العربية.

هذه أمور لا يزال يسار الوسط قادرا على تقديمها بسهولة أكثر من اليمين. إذا كان قادته يتحلون بالذكاء سيتصرفون بسرعة. يشمل ذلك القائد الحقيقي لمعسكر يسار الوسط، رئيس حزب “يش عتيد” يائير لابيد.

إذا فشلوا، ستكون النتيجة مدمرة ليسار الوسط، ولكن ربما ليس لإسرائيل.

يمين يعتمد على العرب قد يمر بنفسه في عملية شفاء. قد يتراجع تدريجيا عن الفضاء القوي المتطرف المخزي الذي يجر إليه حاليا الدولة بأكملها.

عن الكاتب
دان بيري ، خبير وسائل إعلام، كان مدير مكتب الشرق الأوسط لوكالة الأنباء العالمية الأسوشيتد برس AP، مقره القاهرة. كما وكان ورئيس رابطة الصحافة الأجنبية في إسرائيل. في السابق ترأس مكاتب AP في أوروبا وأفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي. للمتابعة: twitter.com/perry_dan www.linkedin.com/in/danperry1 www.instagram.com/danperry63 https://www.facebook.com/DanPerryWriter/
تعليقات