استبشار بالتغيرات التربوية الكبرى التي يعرفها العالم العربي

Rabbi David Rosen (fourth from the left) with other faith leaders at the KAICIID event (@KAICIID on Twitter via Jewish News)
Rabbi David Rosen (fourth from the left) with other faith leaders at the KAICIID event (@KAICIID on Twitter via Jewish News)

نشر النص الأصلي باللغة الإنجليزية في صحيفة “جويش نيوز” في بريطانيا العظمى

شهد اليهود إبان الحكم الإسلامي فترات جيدة وأخرى صعبة في مختلف بقاع العالم. لكن الاضطهاد والشيطنة في المجتمعات المسلمة لا تقارن بما عانيناه في العالم المسيحي.
في الحقيقة، فبالرغم من مكانة اليهود الثانوية، لكنهم كانوا يحظون بحماية الشريعة الإسلامية بصفتهم “أهل الكتاب”. بيد أن الصراع بين إسرائيل وجيرانها العرب أدى إلى ترسيخ صورة شيطانية عن إسرائيل وعن اليهود لدى المسلمين.

وقد شكل هذا الصراع فرصة لتأجيج تلك الكراهية التاريخية والمعاصرة في العالم الإسلامي، والتي تكاد لا تمت بصلة مع إسرائيل أو اليهود أو الدين اليهودي.
وعلى مدار القرن الماضي، تزايد تبني العالم الإسلامي للأفكار المعادية للسامية، بينما شرع العالم المسيحي في تطهير نفسه منها جذريا.

وقد شهدت العقود الأخيرة نشر أفكار عن المؤامرات اليهودية ومنشورات تروج لافتراءات فاضحة، من قبيل بروتوكولات حكماء صهيون، على نطاق واسع داخل العالم الإسلامي، ونشأت أجيال من الشباب العربي على معاداة اليهود (رغم المزاعم المراوغة بأن العداء موجه فقط ضد “الصهاينة” وليس اليهود).
ومن هنا، فلا يمكن أن نستهين بأهمية التغييرات التربوية الكبرى التي شهدها العالم العربي مؤخرا.

مما لا شك فيه أن المملكة العربية السعودية كانت أكثر من تسبب بالأذى لقومي من خلال الصورة التي تكرسها عن اليهود في الكتب التعليمية، وهو ما يعكس رؤيتها الدينية المتزمتة.

وقد كشفت مراجعات سابقة لهذه الكتب المدرسية، بما في ذلك مراجعة أجرتها منظمتي، اللجنة اليهودية الأمريكية في عام 2003، أن الكتب المدرسية السعودية لم تقدم الإسلام على أنه الدين الحق الوحيد فحسب، بل إنها عمدت إلى وصف جميع الأديان الأخرى بأنها ملفقة، واعتبرت أن اليهود والمسيحيين كفار وأعداء للمسلمين والإسلام. وتم تقديم الغرب على أنه مصدر مصائب العالم الإسلامي في الماضي والحاضر، بدءًا من الحروب الصليبية وحتى قيام دولة إسرائيل. كما صورت الكتب المدرسية الشعب اليهودي بأنه أمة شريرة تتصف بالرشوة والمكر والخداع والخيانة والعدوان والغطرسة، وأن اليهود شكلوا قوة مفسدة في شبه الجزيرة العربية حتى قبل مجيء الإسلام.

وبصفة عامة، عُرّف اليهود بأنهم تحالفوا مع أعداء النبي محمد بعد ظهور الإسلام، فعاقبهم الرسول بالنفي وغيره. كما اتُهم اليهود بأنهم تسببوا في أذى كبير عبر تاريخ الإنسانية، وبأنهم مسؤولون، من بين أمور أخرى، عن الثورتين الفرنسية والبلشفية واندلاع الحرب العالمية الأولى. وتم الترويج صراحة لبروتوكولات حكماء صهيون، وقُدمت للطلاب السعوديين على أنها مصدر تاريخي محكم.

غير أن دراسة حديثة للدكتور إلداد باردو في IMPACT-se كشفت أن الكتب المدرسية السعودية عرفت تغييرات جذرية وأن جميع المواد المذكورة أعلاه وغيرها من المواد الفظيعة قد أزيلت. ويشير البحث إلى أنه لا يزال هناك مشاكل عديدة في كل مما تبقى مدرجا وأن المواد التعليمية السعودية لا تزال تفتقد إلى الكثير، وهناك مجال لتحسينها. ومع ذلك، فإن التغيير الذي يعرفه المضمون والتوجه منذ بضع سنوات قد أصبح الآن ذو أهمية بالغة بالفعل.

ساهمت في هذا التغيير عوامل داخلية وإقليمية ودولية.
كان الملك السعودي السابق، الملك عبد الله بن عبد العزيز، قد بدأ بنهج مقاربة أكثر تقبلا وانفتاحا. ومن بين المبادرات التي أطلقها، إنشاء مؤسسة للحوار السعودي الداخلي، وإطلاق مبادرة عالمية للحوار بين الأديان من العالم الإسلامي إلى ديانات العالم. وهو ما تمخض عنه إنشاء مركز الملك عبد الله الدولي للحوار بين الأديان والثقافات (KAICIID) الذي يضم مجلس إدارته زعماء دينيين من البوذية والمسيحية والهندوسية واليهودية، وكذلك الإسلام.

وباعتبارها القلب الروحي للعالم الإسلامي، فإن هذه التغييرات في مواد التعليم في المملكة العربية السعودية لها أهمية هائلة تتجاوز حدود المملكة نفسها.
حيث عرفت أماكن أخرى من الخليج العربي تطورات تعليمية ملحوظة، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة. وحتى قبل توقيع اتفاقيات إبراهيم التاريخية مع دولة إسرائيل مؤخرا، فقد اضطلعت الإمارات بدور بارز في تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات من داخل العالم العربي، وتشارك أربع وزارات حكومية مختلفة في هذا العمل.

في عام 2018، أدخلت دولة الإمارات العربية المتحدة برنامج التربية الأخلاقية إلى المدارس، اقتناعا منها بأن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي الحديث يتطلب قيما أخلاقية حديثة وعالمية. كما تعكس هذه الخطوة الطموح الاستراتيجي الوطني لدولة الإمارات لضمان التماسك الاجتماعي في مجتمع متنوع عرقيا وثقافيا. ويروج المنهج الدراسي في الشرق الأوسط للتسامح تجاه “الآخر”، والسلام وحل النزاعات، والمساواة. وعلى الرغم من أن الأمثلة الواردة في الكتب المدرسية تركز على التنوع المحلي داخل دولة الإمارات، إلا أنها تدعم تقبل الاختلاف الاجتماعي وتعزز التعاطف والتسامح واحترام الأشخاص من مختلف الأجناس والأعراق والديانات. لكنها لا تحمل إشارة محددة إلى اليهود أو اليهودية.

لكن الاعتراف الرسمي قبل عام بالجالية اليهودية الصغيرة في الإمارات، والدعم الاجتماعي والإعلامي الساحق لاتفاقات إبراهيم، كان لهما تأثير قوي بطبيعة الحال على التصورات العامة لليهود واليهودية وإسرائيل.

ولكن يمكن القول إن التطور الأكثر نموذجية في العالم العربي في مجال التعليم، لا سيما فيما يتعلق بالشعب اليهودي وتقاليده، كان في المغرب.
رغم أن اليهودية لم تعرف أبدا أي توصيف رسمي ازدرائي، وكان المجتمع اليهودي يحظى بحماية واحترام ملوك البلاد، فقد ظل تراث يهود المغرب غير معروف لعامة الناس في العصر الحديث، وهم الذين تعرضوا بدورهم لهجوم وسائل الإعلام من داخل العالم العربي فيما يتعلق باليهود.

لكن السنوات الأخيرة شهدت اتخاذ بعض الخطوات البارزة. وبتدخل شخصي من الملك محمد السادس، تم ترميم وإعادة تهيئة وحماية المقابر اليهودية في جميع أنحاء البلاد؛ وترميم المتحف اليهودي في الدار البيضاء، وهو الأول من نوعه في العالم العربي، وكذا المعبد اليهودي المجاور له. غير أن الحدث الأهم كان قرار السلطات إلزام الأئمة بالخضوع لتكوين تربوي من أجل التعرف على المسيحية واليهودية. علاوة على ذلك، فقد نشر القصر الملكي كتيبا لهذا الغرض تحت عنوان “محاضرات في الثقافة اليهودية”. وفي وقت سابق من العام الجاري، أشرف الملك على افتتاح متحف يهودي يحمل اسم “بيت الذاكرة”، في الحي اليهودي القديم في مدينة الصويرة الساحلية، حيث كان اليهود يشكلون 40٪ من السكان. وقد أدرجت المملكة المغربية الآن منهجا رسميا في المدارس لتدريس تاريخ وإرث يهود المغرب.

وبطبيعة الحال، فإن كل هذه التطورات ترتبط ارتباطا وثيقا بالتطورات السياسية الكبرى التي تعرفها المنطقة مؤخرا. وبالإضافة لكون هذه التطورات دليلا على الرغبة في تعزيز المصالح الدبلوماسية، فإنها تمثل اعترافا متزايدا بأن المشاعر المعادية لليهود والجهل بثقافتهم لا يتوافقان مع التقدم والازدهار. كما تعكس اعترافا بضرورة إحداث تغيير إيجابي في عقليات الشباب في العالم العربي على وجه الخصوص، وفي العالم الإسلامي ككل، وذلك من أجل تعزيز السلام والرفاهية في بلدانهم ومكانتهم في رابطة الأمم. وهي أيضا تعكس التقدير المتزايد للإرث اليهودي المهم في الأراضي العربية والعلاقات والتوازيات الفريدة بين الإسلام واليهودية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من موروث إبراهيم.

الحاخام ديفيد روزين هو المدير الدولي للشؤون بين الأديان في اللجنة اليهودية الأمريكية. وبصفته عضوًا يهوديا في مجلس إدارة KAICIID ، اجتمع الحاخام في الرياض في شهر فبراير الماضي مع الملك سلمان، العاهل السعودي، وهو أول حاخام وإسرائيلي يستقبله ملك سعودي. وخلال زيارته للمملكة، قدم البحث الذي أجرته IMPACT-SE للمسؤولين في وزارة التعليم السعودية من أجل تسليط الضوء على التغييرات التي يجب إجراؤها في المناهج الدراسية في المملكة.

عن الكاتب
الحاخام ديفيد روزين ، المدير الدولي لشؤون بين الأديان في اللجنة اليهودية الأمريكية ومقرها القدس. شغل منصب كبير الحاخامات لأكبر تجمع يهودي أرثوذكسي في جنوب إفريقيا ، وكحاخام رئيسي لإيرلندا.
تعليقات