إنجاز تاريخي أم حيلة انتخابية؟

لم يحاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التظاهر بأن زيارته إلى العاصمة الأوغندية إنتيبي كانت تتعلق بالعلاقات الإسرائيلية الأوغندية. من الواضح أن السبب الرئيسي لرحلة استغرقت يوما واحدا إلى وسط إفريقيا كان لقاء الزعيم الفعلي للسودان، وهو ما أقر به مسؤول كبير على متن طائرة نتنياهو لهذا المراسل وثلاثة آخرين انضموا إلى زيارته.

تم إبقاء الاجتماع مع الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس الحكومة الانتقالية في السودان، سرا حتى حوالي ساعتين بعد اختتامه. أثناء الانتظار لنتنياهو والرئيس الأوغندي يوري موسيفيني للتحدث مع الصحافيين، كنت أنا والصحافيون الإسرائيليون الثلاثة الآخرون نقوم بجولة في محيط مقر الرئاسة في إنتيبي، حيث انعقد الاجتماع ، نقوم بالتقاط صور سيلفي مع المنظر الخلاب لبحيرة فيكتوريا في الخلفية. لكننا لم نلمح دخول البرهان، الذي يبدو أنه بذل جهودا كبيرة للدخول والخروج من المبنى دون أن يراه أحد.

أمضى البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني – الذي يعمل كرئيس جماعي للدولة حتى الانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر 2022 – حوالي ساعتين مع نتنياهو، لكنه طلب من مكتب رئيس الوزراء عدم نشر أي صور للقائهما.

بعد حوالي 24 ساعة، مساء يوم الثلاثاء، أقر البرهان للمرة الأولى علنا بالاجتماع، وقال إنه عُقد من منطلق “مسؤوليته عن الحاجة إلى العمل بلا كلل من أجل الحفاظ على الأمن القومي السوداني وحمايته وتحقيق أعلى مصالح الشعب السوداني”.

من جهته، احتفل نتنياهو، الذي صرح قبل توجهه إلى أوغندا في ساعات الصباح الأولى من يوم الإثنين إنه يتوقع العودة من رحلته مع “أخبار سارة جدا لإسرائيل”، باللقاء – وبحقيقة أن الجانب السوداني وافق على الإعلان عنه – باعتباره انجازا كبيرا.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يلتقي مع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني في مقر الرئاسة في إنتيبي، أوغندا، 3 فبراير، 2020. (Haim Tzach/GPO)

مساء الإثنين كتب نتنياهو في تغريدة “تاريخ!”، بمجرد أن سمحت الرقابة العسكرية بنشر خبر اللقاء. (نحن الصحافيون الإسرائيليون على الأرض في أوغندا تم إطلاعنا باللقاء ولكن مُنعنا من الكشف عنه).

وكما هو متوقع، انتقد خصوم نتنياهو السياسيون رحلته إلى إفريقيا.

البعض قلل من أهمية اللقاء، مشير إلى أنه كان “مجرد لقاء” لم ينتج عنه تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة مع السودان. آخرون حذروا منه باعتباره خطيرا للغاية.

وافق البرهان على الجلوس مع رئيس الوزراء فقط بعد أن وافق الأخير على فتح الأبواب أمامه في واشنطن، كما يرى منتقدو الخطوة، الذين يقولون إنه على الرغم من عدم تحقيق تقدم ملموس في العلاقات الثنائية، إلا أن نتنياهو يبيع هذا الاجتماع الآن باعتباره انجازا كبير قبل انتخابات الكنيست في 2  مارس.

رقم 3 في حزب “أزرق أبيض”، موشيه يعالون – وزير الدفاع الأسبق في حكومة نتنياهو – ذهب إلى حد القول إن الكشف عن الاجتماع أضر بمصالح إسرائيل الأمنية.

ما مدى أهمية اللقاء، حقا؟

صحيح أنه من الصعب تجاهل توقيت اللقاء – 27 يوما قبل أن يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع. (قال المسؤولون الإسرائيليون إن السودانيين هم الذين اختاروا الموعد)

وصحيح أيضا أن مقابلة نتنياهو ستساعد البرهان كثيرا في جهوده لتطوير العلاقات مع الولايات المتحدة، التي لا تزال تعتبر السودان دولة راعية للإرهاب. مؤخرا، أبلغ رئيس الوزراء وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أنه يعتقد أن “السودان يسير في اتجاه إيجابي جديد”، بحسب ما قاله مكتب رئيس الوزراء الإثنين.

طلبت الخرطوم من واشنطن حذفها من هذه القائمة، مشيرة إلى التزامها بإرساء الديمقراطية بعد الإطاحة بالديكتاتور الذي حكم البلاد لفترة طويلة، عمر البشير، في العام الماضي.

في هذه الصورة من الأرشيف تم التقاطها في 30 مايو، 2019 لعبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الحاكم في السودان، خلال مشاركته في قمة طارئة لقادة دول الخليج العربية في مكة، السعودية. (AP Photo/Amr Nabil, File)

قد يستغرق شطبها المحتمل من القائمة شهورا على الأرجح، وقد يمنع الكونغرس الأمريكي الخطوة، لكن الإدارة الأمريكية تقدّر بوضوح استعداد الخرطوم للتعامل مع القدس. بعد وقت قصير من الاجتماع في إنتيبي، تحدث بومبيو مع البرهان وشكره على قيادته “في تطبيع العلاقات مع إسرائيل”، وفي اتصال هاتفي قبل يوم واحد، دعاه لزيارة في وقت لاحق من العام.

إلا أن إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والسودان لا تبدو وشيكة.

يوم الإثنين، اتفق نتنياهو والبرهان على “بدء تعاون يؤدي إلى تطبيع العلاقات بين البلدين”. على متن الطائرة من إنتيبي إلى تل أبيب، رفض رئيس الوزراء الإجابة على سؤال هذا المراسل حول المدة التي قد تستغرقها هذه العملية بحسب اعتقاده.

استغرق الأمر شهرين فقط بين زيارة الرئيس التشادي إدريس ديبي المفاجئة في نوفمبر 2018 إلى القدس وبين الاستئناف الرسمي للعلاقات الدبلوماسية بين الدولة الأفريقية وإسرائيل في إنجامينا.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يسار، والرئيس التشادي إدريس ديبي يتحدثات خلال مؤتمر صحافي عُقد في القصر الرئاسي في إنجامينا، تشاد، 20 يناير، 2018. (Kobi Gideon/GPO)

يوم الثلاثاء، بدا أن البرهان يلمح إلى أنه ليس على وشك دعوة نتنياهو إلى الخرطوم للاحتفال بإقامة علاقات دبلوماسية.

وصرح قائلا “أود أن أؤكد من جديد أن مناقشة وتطوير العلاقات بين السودان وإسرائيل يظلان مسؤولية المؤسسات المعنية، وفقا للوثائق الدستورية”.

ينص ما يُسمى ب”الميثاق الدستوري” صراحة على أن الحكومة الانتقالية في السودان لها ولاية صياغة “سياسة خارجية متوازنة لتحقيق المصالح الوطنية العليا للدولة والعمل على تحسين وبناء علاقات السودان الخارجية على أسس الاستقلال والمصالح المشتركة بطريقة تحافظ على سيادة وأمن وحدود البلاد”.

لا توضح الوثيقة من له بالضبط سلطة إقامة العلاقات الدبلوماسية. في بيانه يوم الثلاثاء أكد البرهان أنه لن يتخذ هذا القرار بنفسه. من المتوقع أن يعارض بعض أعضاء مجلس السيادة الذي يرأسه حاليا العلاقات مع الدولة اليهودية، بالنظر إلى أن لقاء البرهان غير الملزم مع نتنياهو أثار الكثير من الانتقادات في الخرطوم.

علاوة على ذلك، ينص الميثاق الدستوري على استبدال البرهان في العام المقبل وعلى أنه لا يحق له خوض انتخابات عام 2022 التي من المفترض أن تنهي فترة انتقال السودان إلى نظام ديمقراطي.

بمعنى آخر، على الرغم من لقائه برئيس وزراء إسرائيل، لم يلتزم البرهان بإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات، وحتى إذا أراد ذلك، فقد لا يكون قادرا على فعل ذلك قبل أن يترك منصبه.

الجنرال السوداني عبد الفتاح البرهان يحيي مناصريه في تجمع لمناصرة الجيش في منطقة أم درمان غربي الخرطوم، السودان، 29 يونيو، 2019. (AP Photo/Hussein Malla)

اللقاء – حتى لو كان علنيا – لا يتبعه دائما إقامة علاقات رسمية. في يونيو 2017، لم يعترض رئيس مالي، إبراهيم أبو بكر كيتا، على تصويره وهو يقبّل نتنياهو على الخدين في بداية اجتماعهما على هامش مؤتمر إقليمي في ليبيريا، لكن البلدين لم ينشآ علاقات دبلوماسية.

الجنود السودانيون حاربوا ضد إسرائيل في 1948

نددت رام الله بلقاء يوم الإثنين في إنتيبي واصفة إياه بأنه “طعنة في الظهر”، على الرغم من أنه لم ينتج عنه أصلا تغيير في الموقف السوداني إزاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي يدعم قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لها.

يوم الثلاثاء، أكد البرهان قائلا “هذا الموقف لم يتغير ولن يتغير أبدا، وهو مستمر تماشيا مع الإجماع العربي وقرارات الجامعة العربية”.

يوم السبت، صوّت السودان – وهو عضو كامل في الجامعة العربية منذ عام 1956 ويترأس مجلسه حاليا – مع جميع الدول الأعضاء الأخرى في الجامعة لصالح مشروع قرار يرفض خطة الإدارة الأمريكية للسلام.

ومع ذلك، كان لقاء نتنياهو والبرهان مهما للغاية. على عكس تشاد وغينيا – دولة أفريقية ذات غالبية مسلمة جددت علاقاتها مع القدس في يوليو 2016 – فإن السودان هو بلد عربي. وخلافا لتشاد وغينيا، لم يسبق وأن كانت للسودان علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

طلاب سودانيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تظاهرة احتجاجا على الغارات الجوية الإسرائيلية في غزة من أمام مقر الأمم المتحدة في العاصمة السودانية الخرطوم، 29 ديسمبر، 2008. (AP Photo/Abd Raouf)

في الواقع، اعتُبرت الخرطوم والقدس عدوين لدودين. خلال “حرب الإستقلال” في عام 1948، انضمت سرايا في الجيش السوداني إلى مصر في قتال الدولة الوليدة.

يربط العديد من الإسرائيليين الخرطوم ب”اللاءات الثلاث” – “لا للسلام مع إسرائيل، لا للاعتراف بإسرائيل، ولا للمفاوضات مع إسرائيل” – التي تم صياغتها في جلسة للجامعة العربية في العاصمة السودانية بعد وقت قصير من انتهاء حرب “الأيام الستة”.

حتى عام 2016، كانت السودان حليفا شرسا لإيران، وساعدت الجمهورية الإسلامية على تهريب صواريخ وأسلحة أخرى لفصائل فلسطينية في غزة.

حقيقة أن زعيم هذا البلد على استعداد الآن لمناقشة “التطبيع” مع إسرائيل بشكل علني – حتى لو كانت هناك دوافع خفية وتوقيت غريب في ذروة حملة إنتخابية – هي بالفعل تطور دراماتيكي.

أول ثمرة “للتعاون” الثنائي الذي اتفق عليه نتنياهو والبرهان هو فتح المجال الجوي السوداني للطائرات الإسرائيلية. يوم الثلاثاء، قال نتنياهو إن هناك بعض المسائل التقنية التي لا تزال قيد الإعداد، لكن الإعلان الرسمي هو مسألة أيام فقط.

في حين أن الطريق إلى العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين العدوين السابقين لا يزال طويلا، إلا أن اجتماع يوم الاثنين في إنتيبي قد يكون على الأقل قد ساهم في تقصير عدد ساعات الرحلات الجوية من إسرائيل إلى أمريكا الجنوبية.

تعليقات