إسرائيل و أنا: أكاديمي مصري يروي حكايته

Gamal Abdel Nasser with pilots at a Sinai airbase along the border with Israel prior to the Six Day War in June 1967 (PD)
Gamal Abdel Nasser with pilots at a Sinai airbase along the border with Israel prior to the Six Day War in June 1967 (PD)

مقتطفات من مذكرات قيد النشر، تسرد قصة صدمة أستاذ في الأدب العربي عند استيعاب خسارة بلاده حرب الأيام الستة وموجات الغضب التي تلت الهزيمة.
***
كانت هزيمة مصر الكارثية في حرب عام 1967 مع إسرائيل بمثابة صدمة لأبناء جيلي. كنت في الخامسة عشرة من عمري عندما اندلعت الحرب في أوج فترة الامتحانات المدرسية. عشت في الإسكندرية مع والدي وأختي وأخي الأكبر وزوجته وأطفالهم. حيث قررت العائلة، الانتقال طوال فترة الحرب إلى قريتنا في دلتا النيل، أما أنا وأخي فبقينا.
أطلق أحمد سعيد من راديو “صوت العرب” في القاهرة، التهديد بإبادة العدو. صرخ عبر شبكة الإذاعة: ” بشرى يا عرب! دعونا نمحو إسرائيل من الخريطة”! كانت البلاد كما وأنها تعاني من هستيريا الحرب.
تلا ذلك البث، بيان عسكري مهنئا المستمعين بخسائر فادحة تكبدها العدو: أسقطتنا عشرين طائرة؛ أسقطتنا أربعين، الان بلغ عدد الطائرات الإسرائيلية المحترقة 83! أذكر أيضا كيف قام صاحب مطعم فلافل في حينها بإغلاق محله ووضع لافتة تقول إنه سيفتح مطعمًا جديدًا في تل أبيب.
قررنا، أنا وأخي، المشاركة في المجهود الحربي عندما فتحت المدرسة الثانوية التي التحقت بها وحيث كان أخي يدرس فيها اللغة الفرنسية مركزا لتدريب المتطوعين المدنيين. ذهبنا إلى مبنى المدرسة يوميا، سجلنا اسماء المتطوعين ورتبنا لتدريبهم العسكري الخفيف. رأينا كيف جاء المصريون من جميع مناحي الحياة: فلاحون أميون في جلابياتهم لم يتمكنوا من كتابة أسمائهم في قائمة المتطوعين، و أفندية في بذلاتهم ورباط العنق الغربية، و طلاب ومعلمون، وأصحاب الحرف …
تم تدريب المتطوعين على استخدام أسلحة قديمة جدًا، بعضها من حقبة الحرب العالمية الثانية أو أعتق. وبعضها الآخر لا يحمل أكثر من خمس رصاصات والتي كان لا بد من تفريغها بعد إطلاق كل رصاصة. بالرغم من ذاك كله، كانت هناك حماسة وروح وطنية عالية بين هؤلاء المصريين، بدوا لي أبرياء، وربما حتى ساذجين. متحمسين بعفوية مدهشة.
تلك السذاجة تتجسد في ذاكرتي بقصة أشبه بالمهزلة حيث حلقت طائرة استطلاع اسرائيلية عاليا في السماء فوق مركز التدريب، عندها قام أحد المتطوعين بتجهيز بندقيته – التي أكل الدهر عليها وشرب – معتقدًا أنه سيسقط الطائرة، الأسرع من الصوت، ببندقية لا تصلح الا للصيد.
خدع حكام البلاد الشعب وأقنعوه بان الجيش المصري قادر على اجتياح إسرائيل وإعادة فلسطين للفلسطينيين.
بعد أربعة أيام فقط من بدء الحرب، وصلت الأخبار كالصاعقة: لقد خسرنا الحرب!
يا ولداه!
قتل عشرون ألف مصري، ودُمر ما يقارب من 80٪ من أسلحة الجيش، وتحطمت الطائرات الحربية وهي على الارض.
سقطت سيناء في أيدي العدو. ومما زاد الألم إذلالا أتى إعلان عبد الناصر، في 9 يونيو، بصوت مرتعش أنه قرر الاستقالة.
كنت مع أخي في مركز التدريب عندما بثت الإذاعة خطاب استقالة عبد الناصر. انفغرت الافواه من فرط الصدمة. وبعدها بدقائق، عندما أدركنا حجم الفاجعة، انفجر بعضنا في البكاء. شعرنا وكأننا خسرنا مصر، خسرنا البلد وقائدها. تساءل أخي في نبرة يأس: مين اللي حيحكم مصر دلوقتي إذا استسلم الريس؟
فور خطاب الاستقالة، اجتاحت حشود من المصريين الشوارع مطالبين بقاء الريس الذي لبى الطلب، بعد ساعات قليلة من التشويق، وبهذا يكون قد خدعنا الريس، احنا المصريين الطيبين، ونجا بلعبة الاستقالة من محاكمة التاريخ.

عبء الهزيمة
بعد مرور أقل من سنة انتفض الشعب ضد القيادة الفاسدة التي جلبت عليهم العار بكارثة ذات أبعاد مخيفة. نزل طلاب الجامعات، بدعم من بعض العمال، إلى الشوارع. مما أدى الى أعمال الشغب والاعتصامات، واستولى الطلاب على مباني الجامعة وتحصنوا في مواجهة الشرطة. تحدى الشباب، دون خوف ولا وجل، الزعيم صاحب المكانة المخيفة والموقرة، الرئيس جمال عبد الناصر.
كانت الهزيمة بمثابة إهانة شخصية لكل مصري. كيف أمكننا التعايش مع هذا العار؟ انسحبنا كأمة داخل أنفسنا، أصبحنا نعيش على المساعدات من نفس الملكيات “الرجعية”، مثل العائلة المالكة السعودية، التي هاجمها قادتنا بشراسة في الماضي.
ثم انقلبنا ضد أنفسنا. وظهرت موجة من السخرية والنكات ضد الجيش. حيث أقدم الناس على الاستهزاء بالجنود في الأماكن العامة. وأصبحت الفكاهة طريقتنا في التعامل مع الكارثة.
اطلاق النكات، ذلك الفن المصري الاصيل. على مدى قرون من الحكم الأجنبي، كنا نلوح بالنكات كسلاح ضد مضطهدينا. أما الآن فقد صوبنا السلاح ضد أنفسنا.
ضحكنا من نكتة عن شخص كان يرتدي حذاء عسكريا ليجد نفسه يركض الى الوراء؛ وضحكنا من نكتة أخرى تتحدث عن الدبابات المصرية، التي كانت بها عشرة تروس، واحدة تحركها للأمام وتسعة للخلف.
لقد ألقى عبء الهزيمة بثقله علينا وكنا نتوق إلى أي شيء قد يستعيد كبرياءنا أو يرفع معنوياتنا. وهذا ما يفسر الابتهاج المفاجئ والوجيز عندما تمكنت قواتنا البحرية، بعد بضعة أشهر فقط من الهزيمة، من إغراق مدمرة إيلات الإسرائيلية. أتذكر أنني كتبت مقالًا عن هذا الموضوع و تلوته عبر مكبر الصوت أمام زملائي في المدرسة الثانوية قبل الطقس الصباحي: تحية العلم المصري.
في عام 1969، شاهدت في الإسكندرية معرضًا للصور الفوتوغرافية لحرب الأيام الستة: صورًا لمدنيين أحرقهم النابالم ولجنود قتلى ودبابات وسيارات مصفحة متفحمة. شعرت بالغثيان وعندما غادرت صالة العرض، شعرت بصدمة شديدة وأقسمت لنفسي أنني سأفعل أي شيء لإزالة عار هزيمتنا واستعادة كرامة شعبنا.

Egyptian President Mohamed Anwar Sadat inaugurates the new parliament session in 1977, Cairo, Egypt (PD via Wikimedia)

في عام 1971 كنت طالبا في جامعة الإسكندرية أدرس الأدب الإنجليزي. عندها كان أنور السادات في السلطة وكان قد وعد بأن يكون عام 1971 “عام الحسم”. كمعظم زملائي، لم أثق كثيرًا في السادات. وقتها اجتاحت البلاد موجة من النكات التي كانت تصوره على أنه تافه، غير كفء ، مغيب العقل، معدوم الشخصية، رهن اشارة ناصر … إلخ. أنا أيضًا شاركت في كورس السخرية العلنية من الرئيس. أتذكر أنني كتبت قصيدة بالعامية المصرية العربية تسخر من السادات. اعتدت تلاوتها خلسة لزملائي. كان مطلعها على هذا النحو:
إذا قالوا الشمس بتشرق من الغرب
إذا قالوا الشمس بتغرب في الشرق
متستغربوش ياناس يافقرا
وياناس يازوات
ف احنا في عصر السادات.
بقية القطعة كانت عبارة عن محاكاة ساخرة لخطب السادات للشعب. كانت خطاباته طويلة ومملة تفضح ولعه بسرد التفاصيل التافهة (في خطاب رسمي للأمة، أشار السادات إلى أنه عندما جاء هنري كيسنجر لرؤيته في منزله في القاهرة، قدم له شيئًا ليشربه، وكان الرئيس حريصًا على ذكر أن المشروب كان كأسا من عصير الليمون البارد). قصيدتي، بالطبع، بالغت في تضخيم هذه الصفات وجعلت السادات يعطي تفاصيل تافهة مثل مكان الدرج الذي يحتفظ فيه بغليونه الشهير وفي أي رف من خزانة ملابسه كان يحتفظ بملابسه الداخلية.
أحب زملائي القصيدة ولكنني أعترف أن إبداعي الأدبي كان سخيفا وبلا قيمة على الإطلاق (ولست سعيدا بالحديث عنه هنا) ومع ذلك، فقد صورت قصيدتي بصدق عدم ثقة الشباب المصري، في قيادتهم السياسية وسياستها المتمثلة في عدم الوفاء بالوعود تجاه الشعب المصري.
أذكر أني عندما قرأت القصيدة لأمي، لم يكن لديها شيء جيد لتقوله عنها. في الواقع، وبختني بشدة قائلة إنه لا ينبغي أن أسخر من رئيس الدولة الذي كان كبيرًا في السن – وبالتالي يستحق الاحترام – مثل والدي.
ولكن وكما اتضح لاحقًا، لم يكن السادات “ف الطراوة” كما نقول في مصر، أو غير كفء أو لا يصلح لحكم مصر إنما تبين أن نكثه بوعده بأن عام 1971 سيكون عام الحسم – سواء الحرب أو السلام – كان جزءًا من إستراتيجيته التمويهية الكاملة. لقد جعل هذا السياسي الماكر المراوغ حرب أكتوبر عام 1973 مفاجأة كاملة، حتى بالنسبة نحن المصريين.

عن الكاتب
نشأ كمال عبد الملك في الإسكندرية ، مصر ، وتلقى تعليمه في مونتريال، وهو أستاذ في الأدب العربي وباحث ومترجم. درس في جامعتي برنستون وبراون في الولايات المتحدة قبل الانتقال الى الامارات. وهو الان باحث زائر في جامعة هارفارد الامريكية. كيف يتعامل الناس من خلفيات ثقافية مختلفة مع بعضهم البعض دون أن يفقدوا ذواتهم الأصيلة هو ما يشغل عبد الملك في كتاباته الاكاديمية والروائية على حد سواء ، والتي تشمل: "أمريكا في مرآة عربية: صور أمريكا في أدب الرحلة العربي، 1688 إلى 9/11 وما بعدها "(2011)، " بلاغة العنف: لقاءات عربية يهودية في الأدب والفيلم الفلسطيني المعاصر "(2005) ، وهو كتاب بمثابة مقدمة تمهيدية لعمله الروائي ،" تعال معي من القدس "(2013). والدكتور عبد الملك عضو في اتحاد الكتاب المصريين واتحاد الكتاب الإماراتيين. يشغل حاليًا منصب رئيس تحرير "الأدب العربي والعالمي" ، وهي مجلة علمية إلكترونية تنشرها Andromeda Academic Services ومقرها لندن. يركز في أبحاثه االحالية على الأدب كوسيلة للسلام العالمي.
تعليقات