في نهاية الأسبوع الماضي، توفي يوسي سريد – الشخص الأكثر إسرائيلية من بين كل قادة هذه البلاد – بينما كان يشاهد نشرة الأخبار الأسبوعية التي لعب فيها دورا مركزيا لسنوات عدة. سريد – بغض النظر عن رأيكم بسياساته – كان واحدا من عظماء إسرائيل. رحيله ينذر بفقدان إحدى الشخصيات الأكثر وعيا وعندا ومبدئية التي أنتجها هذا البلد على الإطلاق – رجل جاء لتجسيد الإسرائيلية الحقيقية بكل تعقيداتها المذهلة والمحيرة.

يوسي سريد عاش وتنفس وحارب من أجل إسرائيل أخلاقية مسؤولة عن مصيرها خارجيا ومحليا. لقد كان محاربا مقداما في الصراع من أجل العدالة الاجتماعية وتعددية الضمير، وفوق ذلك كله، سلام آمن بين إسرائيل وجيرانها. رؤيته لإسرائيل مستنيرة كانت بوصلة وجهته في عمله ومهدت الطريق لأولئك الذين يشاركونه وجهة نظره. إنه واحد من أكثر البرلمانيين الذي خدموا في البرلمان الإسرائيلي (وفي نهاية المطاف كان وزيرا للبيئة ووزيرا للتربية والتعليم) لم يتزحزح أبدا عما أملت إليه قناعاته. في أفكاره وأفعاله، جاء لتجسيد بطل الرواية الإسرائيلي الذي لا يحمل ميزات البطل والذي كان رمزا في نهاية المطاف للمادة التي يُصنع منها الأبطال الحقيقيين.

أسلحة سريد – على خلاف الكثير من زملائه السياسيين – لم يتم شحذها على أرض المعركة. كان في حوزته قلمه (كان يعاني من صعوبات في التعامل مع التكنولوجيا حتى يومه الأخير، واستخدم أية أداة للكتابة وأية قطعة ورق متاحة له لتدوين أفكاره، وصياغة خطاباته وكتابة مقالاته)، إلى جانب قوته الخطابية المذهلة. يوسي سريد كان سيدا حقيقا للغة العبرية: شخص كان يمكنه إستخدام الكلمة للذم وللمدح، للإنتقاد وللإبداع، للتوبيخ وللكشف، لحشد الدعم وفي الوقت نفسه للعمل. أقل شهرة خارج إسرائيل لتفضيله إستخدام لغة التوراة كوسيلة للتجدد اليهودي في الوطن الذي أُعيد بناؤه، لكنه مثل مع ذلك مفاهيم الإنفتاح والتسامح التي تزدهر من خلالها الديمقراطيات النابضة بالحياة.

في كثير من النواحي، كان يوسي سريد المتواضع النقيض التام للشخصية العامة المغناطيسية. لقد كان شخصا متواضعا لم يترك إنطباعا أولا جيدا تجاهه. لم تكن لديه عظام يتباهى بها في جسده (كما قال عاموس عوز في تأبينه، “يوسي سريد كان نحيفا عندما دخل الكنيست وخرج نحيفا عندما خرج منها بعد 32 عاما”). في كثير من الأحيان كان حاد الطباع إلى درجة مزعجة. وكغيره من المسؤولين المنتخبين كان لديه أنا متضخم تمت ترجمته إلى جرعات كبيرة من الطموح والغطرسة.

ولكن سريد غطى على كل هذه العيوب بمجموعة من الميزات التي جعلت منه محببا على أي شخص يتواصل معه تقريبا. لقد كان مخلصا لعائلته وزملائه المسافرين بشكل لا يتزعزع. لقد كان ساحرا مثلما كان كارها للبشر. كان يصغي بعناية بنفس الطريقة التي كان بإمكانه التكلم بها على طريقة الأساقفة. كان بإمكانه أن يكون حساسا بنفس قدر سخريته. لقد كان متسامحا بنفس القدر الذي كان فيه عنيدا. عرف كيف يضحك حتى عندما كان جديا إلى أبعد الحدود. وكان يمتلك كاريزما أزعجت خصومه بنفس القدر الذي أصابت فيه أتباعه بالعمى. وفوق كل ذك، كان صادقا بإفراط: إستقامته قادت أفكاره وأفعاله – في كثير من الأحيان دفع ثمنا شخصا وسياسيا مقابل ذلك.

سريد، الذي وُهب بذكاء حاد وفضول لا يعرف الحدود، لم يكن منبعا للمعرفة في السياسة الإسرائيلية (والسياسيين) فحسب، لقد عرف أيضا كل ركن من أركان في البلاد وكان لديه أصدقاء في أكثر الأحياء التي لا يُتوقع أن يكون لديه أصدقاء فيها. لقد كان واحدا من المسؤولين المنتخبين القلائل الذين لم يدعو فقط إلى الشمولية الاجتماعية، ولكنه عمل بحسب هذه القناعات (قضى سنوات في كريات شمونه ومرغليوت في الشمال في حين تجول في المخيمات البدوية النائية في الجنوب ومعاقل اليهود الحاريديم في مركز البلاد).

سريد، وهو منتج من مؤسسة “مباي”، كان أيضا واحدا من أكثر منتقديها ثباتا. على الرغم من أنه تمت رعايته من قبل شخصيات رئيسية في حزب “العمل”، فقد خرج ضد حرب لبنان الأولى وترك الحزب عندما دخل في إئتلاف مع “الليكود” في سنوات ال80 (التي أدت إلى فترة شلل مؤلمة على الجبهة الدبلوماسية). بعد ذلك استمر بطريقة ليصبح صوتا قياديا في السعي لإنهاء الاحتلال وتحرير إسرائيل من حكمها على شعب آخر ضد إرادته.

لقد كان على دراية إستثنائية في المصادر اليهودية، ولكن لم يتحمل الإحتكار الأرثوذكسي لقانون الأحوال الشخصية: لعقود قاد حملة ضد الإكراه الديني. في الواقع، كرس جهودا جبارة لمحاربة التحيز والتمييز الموجه ضد مجموعات مهمشة (لا سيما مواطني إسرائيل العرب ومجتمع المثليين وسكان النواحي وفقراء المدن). بالنسبة له، لم تشمل الحقوق المدنية حريات شخصية وحقوق أقليات فقط، ولكن أمان إجتماعي لكل مواطني الدولة أيضا.

في كل نقطة من مسيرته الطويلة، كان يوسي سريد بارعا في رسم مسار وفعل كل ما هو ممكن لتحقيقه. في الإئتلاف الحكومي كما في المعارضة، لم يرتح للحظة. كان معروفا عنه بأنه كان يرد على إستفسارات المواطنين بشكل شخصي -بغض النظر عن الأرباح الانتخابية التي سيجنيها من ذلك. تفانيه في خدمة الجمهور – بكل قطاعاته – أصبح بمثابة وسام إستحقاق له.

ونعم، أثار يوسي سريد باستمرار حفيظة خصومه السياسيين (وكذلك بعض الداعمين الأيديولوجيين له). مع ذلك، حصل على إحترام أشد خصومه حتى. شعروا بالإستياء من كلماته القاسية ولسانه الذي كان مثل السوط؛ مع ذلك وقفوا برهبة أمام شجاعته. لقد كان، سواء كقائد لحزب “ميرتس” أو كمتحدث باسم المعارضة وكعضو في الحكومة، رجلا عظيما. حتى أشد خصومه لم يكن بإمكانهم تجاهله أو رفض رسالته.

يوسي سريد، محب حقيقي لإسرائيل في أفراحها وأتراحها، نقل العديد من التناقضات – وكذلك العمود الفقري الأخلاقي – للقيادة الإسرائيلية الحقيقية. في طريقته الفريدة واللاذعة في كثير من الأحيان، جسد إسرائيل التي كانت ويمكن أن تكون. سعيه الثابت للسلام والحقيقة ظل منارة لكثير من الإسرائيليين. ترك وراءه إرثا من القيادة المستقيمة. هذه الرسالة هي إرثه الحقيقي لكل من يهتم حقا بمستقبل هذا البلد وعلى إستعداد للقيام بشيء ما من أجله.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.