كان اليوم حارا ورماديا، من تلك الأيام التي يلتصق فيها بجسدك أخف القمصان وأرق الوشاحات. نسمي ذلك “خماسيني” – يوافق على هذه التسمية الناطقون بالعبرية والعربية: خماسيني، هذا النوع من الحر الذي يحمل وميضا، الذي يجيء برياح رملية من الصحارى، من شمال أفريقيا، من شبه الجزيرة العربية، هذا النوع من الحر الذي يبعد اللون الأزرق اللطيف والعميق من السماء، ويحول كل شيء إلى لون جناح عثة الدقيق. لون الغبار.

طرنا الى هنا من المغرب وتونس والسودان على بساط من الريح، ودعوة من قادة شبيبة “يالا”. جئنا ايضا من نيويورك، عن طريق الجزائر; من تل أبيب، ومن كيبوتس في الوادي الأخضر الجميل شمال إسرائيل، ومن قرية عربية في الجليل، ومن نابلس، ومن بيت لحم، ومن الجليل، ومن جبل الزيتون، ومن كل الأماكن في جميع أنحاء المنطقة، وصلنا مع العاصفة الرملية التي هبت عبر الأردن للحديث عن السلام.

“فكرة مجنونة من أجل السلام”، نشرت “يالا” يوم الجمعة مع وصول المشاركين إلى الأردن، عبر الحواجز، رغم كل المصاعب التي تمثلت في عدم اللحاق برحلات جوية وبيروقراطيين عابسين. “خيا يا شبيبة الشرق الأوسط نلتقي ببعضنا البعض ونكتشف بأنفسنا من على الجانب الآخر من هذه الحدود والإنقسامات التي تبعدنا عن بعضنا! هل يبدو ذلك مجنونا لكم؟ نعم، أنتم على حق، الشيء المجنون فعلا هو ان هذا لم يحدث بعد”.
ولكن في نهاية هذا الأسبوع، اصبح الامر حقيقة.

كيف يمكننا بث الحياة في حلم السلام والتعايش عندما يكون المشهد محروقا وعطشا وجافا إلى هذه الدرجة؟

يالا، لنتحدث عن ذلك عبر الإنترنت، وبشكل شخصي.

وها نحن في منتجع في الجزء الأردني من البحر الميت، حيث الهواء يُخبز إلى درجة الطقطقة, والغبار يسبب الاختناق, حيث تصل جغرافيا الأرض إلى أدنى نقطة فيها، تحت مستوى سطح البحر. ذلك البحر الذي لا حياة به، حيث يروي الملح المياه ليحمل اجسادنا فوقها مثل الجثث.
هذا هو المكان الذي اختاره قادة شبيبة “يالا” واحضروا 12 مشتركا من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليلتقوا لأول مرة. كانت هذه واحتنا الخاصة التي سافرنا إليها – 6 رجال و6 نساء من مناطق مختلفة للنتحدث عن كيفية التحدث الواحد الى الآخر … في عالم تستطيع به دلالات الألفاظ خنقك مثل الغاز المسيل للدموع، مثل الدخان من صاروخ مشتعل، مثل الغبار.

yala-1

على مدار نهاية الأسبوع شاركنا بندوات حول النشاط عبر شبكة الإنترنت. فتحنا نقاشات شخصية. دخلنا جلسة تأمل، وندوة عن المنظمات.
(تلقيت الدعوة للحديث حول الكتابة وطرق بناء مجموعات من خلال المدونات والإعلام الحديث). تقاسمنا العيش والملح، والبيرة والسجائر الملفوفة يدويا إلى جانب حوض السباحة، وطوال ذلك الوقت، الحرارة، تلك الحرارة الشديدة التي جاءت عبر الغبار.

الا ان البرنامج كان ليومين فقط – – وما الذي يمكن تحقيقه خلال يومين؟ نحمل تاريخ كاملا تحت أظافرنا مع غبار هذا المكان، نحمل القصص التي رواها لنا أجدادنا, تلك التي رواها لهم أجدادهم. هذا التاريخ جزء لا يتجزء من حامضنا النووي.

ويا للأدب والاخلاق التي أظهرناها.

نعم، عرف المشاركون بعضهم البعض منذ أشهر عن طريق الإنترنت، ولكن اللقاء الشخصي كان مختلفا. فعندما تتحدث اللغة التي لا تحلم بها، أو تبكي أو تحب بها، هل بامكانك حقا الوصول الى إدراك مفاجئ، الى تواصل، الى ذلك البريق؟

نظريا، نعم، ربما، ولكني… أتساءل.

وعندها هبط الليل على مساءنا الأخير، قبل أن يعود الإسرائيليون منا إلى نقطة التفتيش في بيت شان، والفلسطينيون عبر ألنبي، والبقية إلى مطار عمان حيث سيستقلون الطائرات عائدين إلى مدنهم، عبر خطوط الزمن.

baloons

دعا المنظمون جميع المشاركين لإحضار شيء ما من ثقافتهم لمشاركته مع المجموعة، وجلسنا في الخارج، تحت السماء المغبرة، وشاركنا أشياء من عالمنا خارج الفقاعة، اجزاء من حياة جارية ما وراء المطارات ونقاط التفتيش، ما وراء الصحراء, لواحاتنا الذاتية في قلب تلك العاصفة الرملية.

تناولنا الزلابية التونسية والبسكويت الحلو من المغرب. أمسكنا بقطع لزجة من خشب الصندل، لتمتزج اصابعنا برائحة جمعت بين الحلو والصمغي، قبل أن نحرق الرقائق في منفضة دخان زجاجية.

انكسرت المنفضة، الحرارة مرتفعة جدا.

“مازال طوف” قال أحدهم [مبروك بالعبرية].

“انكسر الشر”، قال آخر.

مررنا الارغيلة، فتصاعدت خيمة من الدخان فوقنا. كان هناك زعتر وصابون من نابلس، تعلمنا طريقة إرتداء الكوفية. وعندها جاء دور الإسرائيليين لتقديم ما عندهم.

“هذا كتاب لصلوات السبت قامت أمي بتصميمه”، قالت عنبال وهي تحمل كتابا أبيضا صغيرا، وأضافت بينما كانت تضع شمعدان على الطاولة “وهذه شموع نقوم بإضاءتها يوم السبت”.

شعرت بالأسف لأننا فوتنا السبت – فقد دخل السبت هنا في الأردن عند غروب الشمس في الليلة السابقة، بينما جلسنا بالقرب من حوض السباحة، حيث ازداد لون المياه عمقا مع الغسق. شربنا البيرة وقمنا بحل مشاكل العالم بروح السلام والكمال، ومع ذلك، لماذا لم يفكر أحدنا بإضاءة شموع؟

لقد انتهى السبت، فوقنا خفية واختفى وراء سحب الغبار، كانت هناك على الأرجح الملايين من النجوم المضيئة. لم نتمكن من رؤيتها، ولكن هذا لا يعني بأنها لم تكم هناك.

“يمكننا أن نغني شالوم عاليخم” [السلام عليكم بالعبرية] إقترحت موريا. “حتى لو أن السبت انتهى، قد تكون الأغنية جميلة حقا”.

“السلام عليكم، ملائكة السلام، ملائكة العلو، ملائكة ملك الملوك، الواحد المقدس، المبارك.
لتجيئوا بسلام، ملائكة السلام، ملائكة العلو، ملائكة ملك الملوك، الواحد المقدس المبارك.
باركونا بسلام، ملائكة السلام، ملائكة العلو، ملائكة ملك الملوك، ملائكة الواحد المقدس، المبارك.
لتغادروا بسلام، ملائكة السلام، ملائكة العلو، ملائكة ملك الملوك، ملائكة الواحد المقدس، المبارك.”

قمنا بالنشيد. لماذا؟ لأن الأردن. لأن “يالا”. ولما لا؟ سبعة منا ، كلنا نساء، أصواتنا اجتمعت معا، تدفقت في ليلة أردنية ساخنة، رائحة خشب الصندل والأرغيلة من حولنا، نسمة البحر الباردة لامست فجأة وجوهنا.

وبينما كنت أنشد، عدت إلى طاولة السبت في بيت والدي، ثلاثتنا نمسك بأيدي بعضنا البعض في سلسلة بدت غير قابلة للكسر. عدت إلى هناك، في وهج شموع السبت عندنا، أنامل أمي الطويلة مثل نبتة البيغونيا في يدي اليمنى، أنامل والدي الدافئة والقاسية في يدي اليسرى، كنا معا.

ولكن كنت هناك أيضا، تحت السماء، في بلد كان قبل فترة ليست بالطويلة عدو دولة إسرائيل، مع كل أولئك الأشخاص الذين قاموا بهذه الرحلة يإيمان وأمل عبر العاصفة الرملية إلى هذا المكان لبناء واحة.
لتجيئوا بسلام، ملائكة السلام، ملائكة العلو، ملائكة ملك الملوك، الواحد المقدس المبارك.

وعندها انفتحت السماء، من دون صوت. رفعنا وجوهنا إلى السماء في الوقت الذي تساقط فيه المطر. واصلنا النشيد، هذا اللحن القديم الذي تعلمناه من أجدادنا، الذين تعلموه من أجدادهم، واصلنا النشيد، وبينما كنا ننشد، انضم إلينا الباقون – – أولئك الذين يصلون بلغة مختلفة، الذين نشأوا على الإعتقاد بأننا العدو، الذين تربينا على الخوف منهم كذلك.

وعندها بدأ المطر بالهطول.

باركونا بسلام، ملائكة السلام، ملائكة العلو، ملائكة ملك الملوك، ملائكة الواحد المقدس، المبارك.

غدا سيأتي بسرعة وسنغادر هذه المكان. والأرض التي جئنا منها جميعنا صعبة وقرحة. ولكن هناك أمطار قادمة، تقوم بغسل الغبار والتشققات في الأرض، أمطار تقوم بتليين الأشياء، تمنح مساحة لنمو حياة.

لتغادروا بسلام، ملائكة السلام، ملائكة العلو، ملائكة ملك الملوك، ملائكة الواحد المقدس، المبارك

وعندما لمع البرق في السماء، أضاءت وجوهنا كبياض اليوم خلال النشيد، رأيت بوضوح: إمكانية.

لعلكم تستطيعون أيضا رؤيتها.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.