البدو والبادية ، من الجذر الثلاثي ( ب د و ) ، وقال فيه الجوهري : بَدا الأمر بُدُوَّاً، مثل قعد قُعوداً ، أي ظَهَرَ . وأَبْدَيْتُهُ : أَظْهَرْتُهُ . وقرئ قوله تعالى عن قوم نوح مبررين كفرهم : ” وما نراك اتبعك إلا الذين هم أَراذِلُنا باديَ الرأي” سورة هود\ 27 ، أي في ظاهر الرأي . وبَدا القومُ بَدْواً ، أي خرجوا إلى باديتهم . وبَدا له في هذا الأمر بَداءٌ ، ممدودٌ ، أي نشأ له فيه رأي . وهو ذو بَدَواتٍ . والبَدْوُ : الباديةُ ، والنسبة إليه بَدَويٌّ . وفي الحديث الشريف : “مَنْ بَدا جَفا” أي من نزلَ البادية صار فيه جَفاء الأعراب . والبَداوَةُ : الإقامةُ بالبادية ، يفتح ويكسر، وهو خلاف الحَضارة . والنسبة إليها بَداويٌّ . والمَبْدَى : خلاف المَحْضَر . وبادى فلانٌ بالعداوة ، أي جاهَرَ بها . وتَبادَوا بالعداوة ، أي تجاهروا بها . وتَبَدَّى الرجل : أقام بالبادية . وتَبادى : تشبّه بأهل البادية . ويقال : أَبْدَيْتَ في منطقك ، أي جُرْتَ ، مثل أَعْدَيْتَ . ومنه قولهم : السلطان ذو عَدَوانٍ وذو بَدَوانٍ ، بالتحريك فيهما . وأهل المدينة يقولون : بَدينا بمعنى بَدأْنا . والبَدِيُّ العجب ، وأَنشد ( ابن منظور ) :

عَجِبَتْ جارَتي لشَيْبٍ عَلانـي *** عَمْرَكِ اللهُ هلْ رأَيتِ بَدِيَّــــا ؟

أما أصل التسمية ، أو جذورها ( فلسفتها بالعرف المعاصر ) فيعود إلى البُـدُوِّ والبروز عيانا ً، إذ أن حياة الأعراب في البادية تجعلهم بادين للعيان ، غير مختفين ولا متخفّين !

وهناك مقولة جذورية كانت تتردد في مجالس الأجداد وهي أن القرى ” مقابـر العـلمـاء ” والمقصـود بالقرى ليست المدن ( وهو معناها الجذوري الأثيل ) وإنما يُقصد بالقرى البادية والأرياف ومناطق شبه البادية ، بمعنى أن العالِم إذا قطن في قريةٍ( أي في البادية ) فكأنما اختار لنفسه الموت العلمي – بالتعبير الحديث – فلا شهرة ولا ذيوع لفكر هذا العالم ومعارفه ، ولا يعرف الناس شيئاً عن نبوغه وثقافته ، فمؤهلات كلّ ذلك معدومة في الأرياف ، ولم تُكتب الشهرة لعالمٍ في الريف أو القرية أو البادية عموماً إلا إذا غـادرهـا إلى المدينة ، فالقرى تسود فيها الحياة البدويّـة أو شبه البدوية …. ويسوقون في ( حوران) وهي منطقة نصف بدوية ، أمثلة على ذلك :

الإمام النووي والإمام ابن قيّم الجوزية ، والإمام المفسر المحدث المؤرخ ابن كثير ، والطبيب أو شيخ أطباء عصره “ابن أبي أصيبعة الصرخدي الحوراني” وغيرهم .

جميع هؤلاء علماء ومحدِّثون حورانيون، لم تُكتب لهم الشهرة والانتشار العلمي إلا حين تـركوا الريف وسكنوا في دمشق ، وهناك طائفة اختارت مدينة القاهرة لها سكنا ، ومنهم ابن أبي العـز الأذرعي والعـز ابن عبد السلام وغيرهـمـا ، وهذا الكلام صحيح إلى حَـدٍّ ما ، فأهل القرى والبدو مشغولون عادة بوسائل معيشتهم ، وبدويتهم لا تسمح لهم أن ينخرطوا بالحضارة ، وبالنظر لصغر القرية ومعرفة الناس لبعضهم ووجود صِلات قربى ومصاهرة ( مع الجهل غالبـاً ، وهذا ينطبق على ما غبر من زمان ) فينشغلون ببعضهم ، وتنتشر في حياتهم أحاديث الغيبة والنميمـة ونقل الكلام ، والقيل والقال وما إلى ذلك من سـفاسـف وصـغـائـر ، نقول هذا بوجود الجهل ، أما بوجود العلم فلا …

وحوران اليوم البالغ عدد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة ، و الممتدة من دمشق شمالاً إلى عـمَّـان جنوبا ( بين عاصمتين عريقتين) ، تقع في دولتين شقيقتين ، لم تعد تقترب من البادية إلا في شكليات عشائرية محدودة ، والجزء السوري من حوران عاصمته ( أَذْرِعات) والمسماة ” درعــا ” لعلّها اللواء أو الإقليم الوحيد في العالم العربي كلِّه الذي انعدمت فيه الأمـيّـة تماماً ، نعم فنسبة الأميّة في حوران السورية صفر بالمئة ، وهناك قرى بالكامل دفنت آخر أُمّـي فيها قبل أكثر من خمسين سنة ( خبب – بصير – رخم – تبنة ) وبالتالي هي لم تبقَ قبوراً للعلماء بل حواضر لهم تحتضنهم و علومهم، وتنشر أفكارهم وتتلقى نظرياتهم وثقافتهم لتتفاعل معها ايجابيا ً، ولتتغيّر نظرية ( القرى مقابر العلماء ) أو يتم تعديلها ، على الأقـلّ ، وسنأخذ على كلامنا مثالّيْـن اثنين ( من الشام ومِصْـر ) :

الأول من الشام ومن حوران تحديداً ، قرية أنخـل :

حاضرة من حواضر حوران يزيد سكانها على الخمسين ألفاً ، أغفلها ياقوت الحموي ، واسمها مأخوذ من النخيل وكان النخيلُ كثيرا فيها ، وقيل بل اسمها من عملية النَّخْـل ( فصل الطحين عن الردّة أو النخالة ) ، وقيل كان لها اسم روماني بمعنى مدينة الذهب ، وفيها من الآثار قصر الحريري وقصر العلوه ، والمسجد العمري ، وهذه القرية الكبيرة جميلة وادعة تشتهر بعلمائها الذين ملؤوا الدنيا علما وإليكم بعضهم :

الشيخ العلامة خالد الجباوي – الشيخ المحقق نايف العباس – الشيخ الداعية إبراهيم الناصر – الشيخ الداعية احمد الجباوي – الشيخ رشيد الناصر – الشيخ نعيم الفروان و . . . . . وغيرهم كثيرون رحمهم الله تعالى وأجزل مثوبتهم ، وما أجدر أن نسمي حاضرتهم ” مدينة العلماء ” .

وهذه الثّـلّـة الطيبة من العلماء عاصرْتُهم جميعاً ، ولعلّ شهرتهم بدأت من دمشق لكن ليس على الإطلاق ، واليوم مدينة انـخـل فيها من العلماء والأطباء والصيادلة وأساتذة الجامعات والمحامين والمهندسين والقضاة والتربويين ما يعجز المرء عن الإحاطة بهم ، والشيء نفسه يُقال عن قرى جاسم ونَـمَـر وبُسْر الحريري ( تدعى خطـأً بصر الحرير\بالصاد ) ومحجة وداعل وطفس والجيزة وإزرع والصنمين وسائر القرى الحورانية ، والواقع أنها مدن صغيرة ، لا قرى كما كانت سابقا ، لكن لا ننسَ أنَّ كثيراً منها كان حواضر علمية قبل أن يُطلق عليه وصف “مقابر العلماء” ومن هذه الحواضر :

بصرى الشام – بسر الحريري – جـد يـة – نوى – ازرع ( وكانت تسمى زُرَع أو زره ، حسب رواية معجم البلدان لياقوت ) وغيرهـا .

لقد كانت حواضر علمية تعجُّ بالحياة والحركة وطلبة العلم حين أحياهـا العلماء ببحثهم وحركتهم العلمية الدائبة ، وصارت بوادي مقفرة ” قبوراً للعلماء ” ، وقرى قاحلـة حين سادت فيها الجهالة والعشائرية بوجهها السلبي البغيض .

المثال الثاني من مصر الكنانـة ، بلصفُّـورة – قضاء سوهاج :

هي أيضـاً قرية العلماء والحفظة والقُـرَّاء والأدباء ، يبلغ سكانها اليوم حوالى الخمسين ألفا ، أي مقاربة لمثالنا السابق عدداً ، واسمها مكون من جزأين :

، بلص >>> بالاس ، والثاني : “فورة ” اسم سيدة بنت ملك ، أي قصر فورة . palasالأول :

وسكانها من أقحاح القبائل العربية ( الهلالوة – الجمل – الحمادي –الجعابرة – المطر ….) ومن المصادفات أن تتفق أسماء بعض عشائرها مع عشائر ” أنخل ” السورية ، وفيها أنشِئ أول معهد أزهري في الصعيد ، وهو الذي تعلم فيه د\ طنطاوي ، ود\ الطيب . وهي بلدة الشيخ علي يوسف المؤيد ، صاحب جريدة المؤيد ( ت1331 هـ = 1913 م) وهو رفيق جهاد السيد مصطفى كامل ، ومن أعلامهـا :

الشيخ خلف عطية – والشيخ ابو المعاطي محمد حنفي – السيد الحباك – فايز توفيق الصدار – محمد كمال راشد – أسامة جمال الدين – فوزي جاد – صابر محمد حسين – زاهـر أبو سرحان وآخرون .

وحدثني زميلي أ. عبد العزيز : كان علماء مصر ممن يزور قرية ( بلصفورة) قديما ، إذا نزلوا أرضها خلعوا نعالهم ، يمشون حفاةً على ثراهـا لأنه طاهر برأيهم ، وما هو إلا من أجساد العلماء !!! قرية شبه بدوية صغيرة حوّلها معهد أزهري إلى خليّةِ نحلٍ ، ملأى بالعلماء والقرّاء والحفاظ والمفكرين والصحفيين والدعاة و غيرهم …..

وهكذا نستطيع القول بأن مقولة ” القرى مقابر العلماء” مقولة ليست صحيحة على إطلاقها ، وإنما نجزم بأنّ صحتها كانت مقترنة بوجود الجهل ، أما مع العلم فلا ، مع التأكيد على أنَّ تحوّل البادية والقرى إلى مدن وحواضر زاهرة ليس بعمرانها وحسب بل بمؤسساتها العلمية وعلمائها وكتاتيبهم وحِلَقِهِـم العلمية ، وشاهدنا المؤكد ما ذكرنا . وللمزيد من البيان أشيرُ أيضـاً إلى :

قرية ( جَـدَيَــا \بفتحتين ) التي يلفظونها اليوم خطأً ( جَدْية\ أو جِدْية) الصغيرة إلى الغرب من مدينة الصنمين ، بل إن بعض مجاوريهـا يجهلونهـا لأنها صغيرة ومغـمورة جداً ، كان طلبة العلم يأتونها سابقاً من سائر أصقاع الشام ، حتى من دمشق ، نظرا لشهرة عالمها الجليل الإمام أبو حفص عمر بن صالح الجَدَياني (ت 332 هـ على ما ذكر ياقوت الحموي في معجمه 2\115 ) ، وقريـة بسر الحريري المجاهـدة ( والمعروفة اليوم أنها مهد الثورة وموئل المجاهدين وعمود حوران ) ، كانت قوافل طلاب العلم تؤمها من طبرية وثغور فلسطين ولبنان ، ومن بغداد وسائر قرى الشام تنهل العلم على عالمها الحسَّـاني (أبوعبيد محمد بن حسَّان القرشي البسري الزاهد) رحمه الله ، وأذكر أن الساحة العامة في موطنه لا تزال حتى اليوم تحمل اسمه الخالد من ألف سنة ونيف ، ساحة الحساني ( ويلفظها العامة ساحة حسانة ) . وفي مصر لاحظنا كيف أنَّ قريةً صعيدية متواضعـة مثل ( بلصفورة ) تحولت إلى قلعة للعلم والحفاظ والقراء ، بفضل تأسيس معهد أزهري كان مركز إشعاع ديني حضاري علمي أخلاقي ، لأن الأرياف حين تُـنـار بالمعرفة تتضاءل فيها نسبة انتشار وتفشّـي العادات الاجتماعية السيئة ، وهو ما لاحظناه في أمثلتنا المشار إليها ، حيث كانت تنتشر فيها عادات الغيبة والقيل والقال والثّـأر والقتل الظالم العشوائي لأتفه الأسباب و .. و…فتحوّلت إلى خلايا علمية . وهو ما يدفعنا للقول أن حالة البداوة إنما هي حالة نسـبيّة ، وأن البداوة قد تكون بداوة ثقافية علمية بجوار كونها ظاهرة سكانية عمرانية !!!

إذن فلنستفدْ مما ذكرناه من أمثلة لتحويل قرانا من مقابر للعلماء إلى حواضر علمية ، لتحويلها من حالة البدوية العلمية السلوكية إلى حالة الحضرية المتمدنـة الفكرية الثقافية ، ولنتذكر قوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام مخاطبا أباه يعقوب لما جيء به إلى مصر ، معدِّدا نِـعَـم الله تعالى عليهم :

(( وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْو… )) الآية 100\سورة يوسف .

ومعلوم أنّ من مقاصد الدين نقل الناس من طور البداوة إلى طور التحضّر؛ فأنت تجد الإسلام ، مثلاً ، يُحرّم الرجوع إلى البداوة بعد التحضّر، بل يعتبر ذلك من الكبائر . وعليه فمن غير المستغرب أن يعمل سيدنا يوسف الصديق ، عليه السلام ، على انتقال أهله من البادية إلى حاضرة مصر ، وهو بذلك يُحسن إلى أهله إحسانـاً ، وأيّمـا إحسان !!!

والبداوة المقصودة ليست إلا مظهرا من مظاهر البساطة ، البدوي كريم بطبعه همام عزيز ذو مروءة لكنه في الوقت نفسه سريع الغضب بعيد عن حياة القانون والمدنية ، هكذا هي طبيعة البادية ، الجفاء وعدم الانصياع للعدل والقانون ، وعدم الالتفات للتحصيل العلمي والحياة الحضارية ، لذلك حرّم الإسلام حياة البداوة بمفهومها المعاند للعلم والحضارة ، وأبقى على مفهومهـا كمصدرٍ للمعـيـشـة والصَّـيْـد وتـربـيـة المواشي ، ولقد سمعْتُ خطيباً للجمعة مرّةً يقول في خطبته :

الأرض والحياة فيها كتاب مفتوح ، تطالعه الأبصار والبصائر ، قال تعالى : (( فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ

ٱلْمُكَذِّبِينَ )( آل عمران\137 ، إنها عاقبةٌ تشهد بها آثارُهم . وتشهد بها سِيَرُهم ، فإن ما جرى للمكذبين

بالأمس سيجري مثله للمكذبين اليوم وغداً ، كي تطمئن الجماعة المسلمة إلى العاقبة من جهة ، وكي

تحذر الانزلاق مع المكذبين والجهلة من جهة أخرى ، فقلت : ألا يعني هذا أننا مدعوون للحذر من

الارتكاس إلى مدارك البداوة ثم عصر الجاهلية سيّئ السمعة ؟!

فما أجدرنا اليوم بالعودة إلى جذورنـا ، وتحويل بوادينا إلى منارات علميّـة ، يشعُّ منهـا نـور الحضــارة

والحياة ، إنْ لم نفعل فلنترقب تحوّل حواضرنـا إلى باديـة ، ورحم الله عالم الاجتماع العربي ابن خلدون .

=============== ملاحظة :

القرية تختلف في دلالتها عما كان يُراد بها في القديم ، فهي قديما أقرب إلى مصطلح المدينة المعاصر ، قرية اسم مفرد : جمعه قريات وقرى : – تجمع سكني في منطقة ريفية أصغر من المدينة ، بلدة صغيرة ، ولربما سماها العامة في الشام ضيعة – . قال تعالى ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) ،سورة الفرقان \ 51 ، وأم القرى هي مكة التي كانت عاصمة المدن تجاريّـاً ، وقرية النمل : هي المكان الذي يبيت فيه النمل ويتكاثر . – كل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارا وتطلق على المدن . . • وأم القرى : مكة المكرمة قال عنها جل جلاله :{ ولتنذر أم القرى ومن حولها } سورة الشورى \ 7 ، كما أسلفنا قبل قليل . • والقريتان : هما مكة والطائف { وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم } .سورة الزخرف \ 31 . واليوم يقولون عن المنتجع قرية سياحية .

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.