يردد كثيرون منا، بشكل تلقائي، تعبيرا عبريا يقول : “كافود لعيدا”، ومعناه ” هذا العمل هو فخر للطائفة”.

وقد اقتصر استعمال مثل هذا التعبير في الكثير من الأحيان للتعبير عن احترامنا وتقديرنا لأفراد من أبناء الطائفة استطاعوا تولي وظائف رسمية هامة في الدولة وفي الارتقاء في صفوف القوات الأمنية.

برأيي يعود حصر استعمال مثل هذا التعبير لهذه المجموعة من الأفراد لعدة أسباب منها الثقافية ومنها التاريخية.  على المستوى الثقافي يدل استعمال مثل هذا التعبير على الانتماء الصلب الذي يميز العلاقة بين أبناء الطائفة الواحدة وحقيقة الشعور بأن الطائفة الدرزية عبارة عن عائلة واحدة موسعة. أما التاريخي منها فله علاقة بغياب مثل هذه الوظائف من أيدي أبناء الطائفة في الفترة ما قبل قيام الدولة وتحديدًا خلال فترة الانتداب الإنجليزي وحقيقة أن سلطات الانتداب قد جندت أفرادا من طوائف أخرى عاشت في المنطقة لإشغال وظائفه رسمية وعسكرية.

والحقيقية هي أن أبناء الطائفة الدرزية كانوا قد تعرفوا على مثل هذه الوظائف وبشكل جماعي فقط في فترة ما بعد قيام دولة إسرائيل، وبعد أن انخرط أبناؤها في الخدمة العسكرية وقوات الأمن ومن ثم في المكاتب الحكومية المختلفة بما فيها وزارة التربية والتعليم ووزارة الداخلية والخارجية وغيرها، الأمر الذي يفسر حقيقة ترسيخ أسماء ملأت مثل هذه المناصب في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي في أذهاننا وذلك بالرغم من مرور فترة طويلة منذ ذلك الحين وبالرغم من كون مثل هذه المناصب بعيدة عن الاهتمام في عهدنا الحديث.

من حق من يرى بصاحب وظيفة رسمية في سلك الدولة ك ” كافود لعداه ” ولكن ماذا عمّن عمل جاهداً وقضى سنوات طويلة من عمره من أجل مصلحة الطائفة وأبنائها، أليس هو أيضاً ” كافود لعداه “؟  كيف يمكن تقييم إنسان قضى أكثر من ستة عشر عاماً من حياته في إدارة قرية الأولاد في حرفيش وبذلك أنقذ عشرات الأولاد من خطر الضياع فاستقبل بأيدٍ مفتوحة وقلب دافئ كل طفل وطفلة من أبناء الطائفة ضاقت بهم الدنيا لسبب من الأسباب ولم يجدوا حضنًا دافئًا لهم سوى في قرية الأطفال.

ما هو التعبير الملائم لتعريف السيد معذى زيدان وكيف يمكن أن نقدر الجهود التي بذلها من أجل إنجاح هذا المشروع العظيم الذي يحضن في هذه الأيام ما يقارب 75 صبيًا وصبية تتراوح أعمارهم بين سنتين ونصف وثمانية عشر عاماً. فحضنهم على مدار سنوات طويلة حتى صلبت مخالبهم واستطاعوا الانخراط من جديد في مجتمعنا وها نحن نراهم بيننا في أغلبيتهم صبايا وشبابا من خيرة أبناء مجتمعنا.

لم يكن لقائي مع السيد معذى زيدان في قرية الأولاد في منتصف الشهر المنصرم من باب الصدفة بل كان محاولة جديدة مني لأطلع على مؤسسة قرية الأولاد من قريب مرة أخرى، حيث كانت المرة الأولى خلال دراستي الجامعية في جامعة حيفا حين زرت أنا ومجموعة من رفاقي في جمعية الأكاديميين الدروز المؤسسة الجديدة حين ذاك، ولم تفارقني يوماً منذ ذلك الحين الفرحة التي عمت القرية من الفعليات التي قدمناها والأغاني الجميلة التي قدمها صديقنا على مقعد الدراسة ابن بيت جن الأخ ماهر أبو عاصي.

وكما توقعت ومنذ اللحظة الأولى التي دخلت القرية برفقة العم معذى وبدون أي سابق انذار بدأ الأولاد يتراكضون ليقبلوه ويطمئنوا على سلامة أبيهم الروحي، وليتأكدوا بأنه على أحسن حال وأن وعكته الصحية لم تؤثر على معانيه العالية وروحة الشهمة، ناهيك عن الصبايا والشباب الذين استغلوا الزيارة المفاجئة لكي يحدثوه عن أخر إنجازاتهم التعليمية وعن برامجهم المستقبلية، معبرين بذلك عن تقديرهم لما قدم لهم في الماضي.

زيارتي لقرية الأولاد برفقة العم معذى عززت في داخلي نوعية الشخص الذي يستحق وبمصداقية تعابير إجلال واحترام مثل “كافود لعداه”. من جهتي أيضاً يمكن لطائفة كاملة أن تعرف شخصية وصلت أعلى المراتب بتعاريف مشابهة ولكن بالنسبة لي تبقى ابنة المغار السيدة سناء سعد والتي تحتضن هي وزوجها أيمن مجموعة من الأولاد في القرية وبالرغم من أن معرفتي بها لا تزيد عن 25 ثانية على مدخل قرية الأولاد هي القدوة الحقيقية لمن يستحق ” كافود العداة” وذلك بعد أن حضنها ذلك الصبي الذي لا يتعدى عمره 10 سنوات قبل أن تقله الحافلة إلى مدرسته بكلمات “بحبك ياما”. ومثلها، أبناء قرية حرفيش السيد شنان شنان وزوجته نوال وأبن قرية البقيعة الأخ فؤاد مهنا وعقيلته من قبلهم، وغيرهم من العائلات المفعمة بالإنسانية والمحبة والذين ضحوا من أجل إنجاح المشروع وبالحفاظ على أولادنا.

أما العم معذى فهو بالطبع بغير حاجة لشهادتي لأن شهادته محفورة في قلوب الشباب والصبايا الذين أحتضنهم خلال السنوات التي قضاها معهم وبهذا الزيارة المباركة اسمحوا لي أن أقدم له باسمهم وباسم الكثيرين من أبناء الطائفة الذين يرون بمثله قدوة للمجتمع ورمز للعطاء وسام شرف “أفي هعداه” – أب الطائفة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.