أثناء تصفحتي لبعض الصفحات على وسائل التواصل الإجتماعي لفت نظري بعض المنشورات المتداولة والتي بإسلوب أو بآخر وبدرجات متفاوتة تعبر عن الامتعاض من سياسات إسرائيل في المناطق المحتلة. المحتوى بعموميته ليس جديداً أو مستحدثاً أو خارجاً عن السياق.

لكن أحد هذا المنشورات و الذي حصل على عدد لا يستهان به من ”اللايكات“ كان يصف إسرائيل بأنها ”شر مطلق“. رغم كوني فلسطيني المولد و النشأة و كشخص نال نصيباً وافراً من صعوبات الحياة تحت الإحتلال إلا أنني وجدت نفسي مشدوهاً من مدى الإطلاقية في تلك العبارة. وجدت نفسي أتساءل كيف لشيء بأن يكون شراً مطلقاً؟ و هل يوجد هنالك أصلاً شر مطلق؟ هل فعلاً إسرائيل شرٌ مطلق؟

الإطلاقية الصادمة في ذلك التعبير تحتاج فعلاً للنظر أولاً لمعنى الشر قبل أن ننظر للسياق السياسي أو النفسي في العلاقة بين الإسرائيليين اليهود و الفلسطينيين. فالنبدأ بالسؤال عما إذا كان الشر يمكن حقاً أن يكون مطلقاً. بالنظر للمسألة من منطلق فلسفي إستقرائي و هو المجال الأكثر إتساعاً لتدارس هكذا قضايا جدلية فنجد أن مسألة الشر حتى بأبسط أشكالها فيها كثير من التعقيد.
أضف لذلك أننا من أجل أن نفهم الشر يجدر بنا أن نضعه بمقارنة منطقية مع ما نصفه بأنه خير. فمعظم قيمنا في حياتنا اليومية تُفهم و تُمارس من خلال نقيضها. فلا يمكننا أن نعرف ما هو الخير لو لم يكن هناك شر و لا يمكننا أن نفهم مفهوم العدل لو لم يوجد هنالك ظلم. أعني أنه بالنهاية ففهمنا للشر هو غالباً إحساسنا بحالة غياب لما نفهمه بأنه خير. ثم أن هنالك مسألة أكثر تعقيداً و هي أننا لو أردنا أن نصف شخص أو شيء ما أو حتى دولة بكاملها كما هو الحال في العبارة المشار إليها آنفاً بأنها ”شر مطلق“ فإننا سنكون بمواجهة فلسفية خطيرة أمام مسألة الطبيعة البشرية. بإفتراض أن شخص ما هو شر مطلق فإننا بالضرورة نفترض أن ذلك الشخص ولِد بنزعة طبيعية للشر بغض النظر عن العوامل المسيطرة مثل البيئة و حتى الحالة العقلية له. أنا ممن يحبذون الرأي القائل بأن الإنسان فطريا خيِّر و أن الشر مسألة إجتماعية أو نفسية مكتسبة. لن أخوض كثيراً بالمساءل الفلسفية المجردة و لكن دعنا نضع هذا الرأي الأخير في الإعتبار و على أساسه نحلل مفهوم الشر و الخير في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

لو حصرنا مفهوم الشر بالسياق المقصود لتلك العبارة الإطلاقية – أي بمعناها السياسي و النفسي – فإننا سنجد أنفسنا مرة أخرى أمام مفهوم فيه الكثير من النسبية و يعتمد على أي جهة من السور يقف الشخص منا. أولاً دعنا نقول أن في وعي الكثير من الفلسطينيين فإن الصهيونية كايدلوجيا و دولة إسرائيل ككيان سياسي هما مترادفان لبعضهما البعض. كلاهما كما يقال وجهان لعملة واحدة. بعيون الفلسطيني فالصهيونية لا يمكن فصلها عن الصورة اليومية للإحتلال و الإذلال على الحواجز و الحرمان من الحق في تقرير المصير. حيثما يقف الفلسطيني فالصهيونية هي تجسيد و مسبب لكل ما هو كئيب و مأساوي في حياته. فبالمقاربة المنطقية فلا غرابة إذاً إن ظن الفلسطيني العادي أن إسرائيل هي ”شر مطلق“. هذا يعني أن بالمفهوم الفلسطيني فكل جانب في الفكر الصهيوني هو شر موجه ضد الهوية و الوجود الفلسطيني بل أنه خطر وجودي. فما الغرابة في ذلك المنطق إن كان الفلسطيني يرى العالم من خلال معاناته و تراجيديا الشتات و اللجوء؟!

لكن السؤال يعود ليطرح نفسه وهل الصهيونية و بالمحصلة إسرائيل بالشكل المجرد حقاً ”شر مطلق“؟ أعتقد أننا عندما نقف على جانب واحد من السور فمفهومنا للحقيقة و الوجود يصبح محدداً فقط من خلال ما نراه و نتلمسه على هذا الجانب الوحيد من السور. فعندما يعتقد الفلسطيني بأن إسرائيل شر مطلق فهذا – بغض النظر عن الإندفاعات العاطفية المؤقتة – فهو يقرر ذلك حسب ما تقتضيه الحقيقة الفلسطينية على جانبها من السور. ما أقوله أن بما أنه سور فله بالضرورة جانبان و سيختلف المشهد و الإدراك المصاحب له من جانب لآخر. فبعيون غالبية الشعب الإسرائيلي اليهودي و حتى اليهودي في خارج إسرائيل فالصهيونية ربما تكون فعلاً خيراً مطلقاً. بغض النظر عن نظريات المؤامرة و بعض النزعات الإقصائية بوضوح داخل الحركة الصهيونية فبنهاية المطاف فالحركة بإطارها العام كانت تهدف لتخليص اليهود من الإضطهاد و معاداة السامية في معظم البلدان التي سكنها اليهود. من وجهة نظر القادة المؤسسين للحركة الصهيونية و دولة إسرائيل فدولة لليهود كانت تعتبر الملاذ الأمثل لحماية يهود العالم من الزوال و فيها يمتلك اليهود زمام تقرير مصيرهم بنفسهم و لا يكونون تحت رحمة البلدان المضيفة و ما سمته الأدبيات اليهودية بالشتات اليهودي. فدولة لليهود – بغض النظر عن الإتجاه الميكافيللي التي حملته – هي الخلاص و بوليصة التأمين ليهود العالم.

من هذا المنطلق فالصهيونية في عيون أصحابها ليست شراً بل إنما العكس تماماً. وكون أن هذا التصور بحد ذاته معاكس للتصور الفلسطيني فبالضرورة أن مسألة ”الشر المطلق“هي مغالطة فلسفية بل حتى سياسية. و لكن كيف يمكننا أن نوازن بين كون إسرائيل شر مطلق في عيون الكثير من الفلسطينيين و خير مطلق في عيون الكثير من اليهود؟ أعتقد أن الموازنة هنا غير قابلة للتطبيق إلا في الحالات النادرة عندما يرغب البعض منا على جانبي السور بتسلقة و إلقاء نظرة على الجانب الآخر منه. و لكن في أغلب الوقت فمعظمنا أسرى لسنوات طويلة من الصراع تم فيها تغيير التركيبة السيكلوجية و السياسية لعقولنا. تجاوُز هذا كله يحتاج وقت و تجاوز مسألة الإطلاق في الحكم على الآخر في أنه خيِّر أو شرير يحتاج أيضاً لتقارب في وجهات النظر. فطالما هنالك سور عال فتوقع أن يكون هنالك أحكام مطلقة…أليس هذا سمة من سمات الصراعات طويلة الأمد؟ فبالنهاية فإسرائيل دولة إضطهاد و إحتلال للفلسطينيين و لكنها أيضاً دولة في داخلها سيادة القانون و فصل السلطات و المستوى المعيشي الجيد لمعظم سكانها. هذه الإزدواجية بين الظلم تجاه الفلسطينيين و العدل تجاه السكان اليهود تضع مسألة الشر المطلق على رأس السور الفاصل…دعني أسمي هذا ”المنتصف الفلسفي“. فهنالك لا شر مطلق و لا خير مطلق و الأمر خاضع للتأويل و للظرفية. فإسرائيل ليست شر مطلق و لا خير مطلق بل أن لا شيء في الوجود كذلك . فكل شيء خاضع للنسبية ويعتمد على أي جهة من السور تقف أنت.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.