شرعت مصر، أوائل القرن الواحد والعشرين، بإدخال إصلاحاتٍ اقتصادية عديدة، شملت التجارة البينية والدولية، والاستثمار المحلي والأجنبي المباشر، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتعويم الجنيه، وخفض الضرائب على دخل الشركات والأفراد، وتسهيل الإجراءات الجمركية. ولم يُمهل الربيع العربي أيما فسحة للعامة لمناقشة أجندة الإصلاح الاقتصادي إبان عهد مبارك، ولا التعديلات الدستورية التي تم اقتراحها لإصلاح المنظومة الاقتصادية، والتي لو اكتملت، لأثّرت إيجاباً، ليس على القطر المصري لوحده، بل وعلى مستوى الإقليم.

ظلت أحوال مصر، وعلى مدى زمنٍ طويل، مغلّفة بقناع الحروب. ولغاية عام 1981، كان الاقتصاد المصري اقتصادَ حرب، فمن الصعب أن يتم التركيز على أيّ شيء آخر غير الحرب وآثارها. وكان لزاماً على صانع القرار العمل فوراً على الاستثمار في البنى التحتية التي دُمّرت بفعل سنواتٍ من الحروب المستمرة.

أصبحت مصرُ مبارك تلعبُ دوراً قيادياً في الشرق الأوسط. وقد كان لدى الدولة المصرية كتلة حرجة من الإصلاحيين، دفعوا، وبجرأة، بعضَ الإصلاحات الجوهرية إلى الأمام، وأدهشوا من خلالها الكثيرين، في إقليم مأزومٍ ومتعثر اقتصادياً. إلا أن مصر تعوّدت بأن يغمرها “الفيضان”: فقبل بناء السد العالي، اعتاد المصريون على فيضان النيل كلّ عام، مما يعني، مجازياً، تبلور نوع من التقارب والألفة، شعبياً وقيادياً، في التعامل مع الأزمات، وهو تقاربٌ غير واضح المعالِم، أي أنه لا يسيرُ، وفق لغة علم الرياضيات، في خطّ مستقيم. وكما يعرف معظمكم، فإن أقصرَ مسافة تصلُ بين نقطتين لا تكون، في معظم الأحيان، خطاً مستقيماً. فهنالك طريقٌ منحنية قد تُعتبر أقصرُ الطرق. وبشكلٍ يماثل معظمَ الدول النامية التي تحاول تطبيق السياسات الإصلاحية الجريئة، سوف تكون ردّة فعل الشارع المصري غيرَ سهلة الطباع، مما يجعل من حشد المواطنين لدعم العملية الإصلاحية شائكَ المعالم، لا خطاً مستقيماً، والسبب في ذلك لا يكمن في أن رجل الشارع المصري يكره الاصلاح؛ بل لأنه، وببساطة، لا يحب حالة عدم اليقين التي يولّدها ذلك الإصلاح.

أدت الإصلاحات الجوهرية التي أقدم عليها نظام مبارك إلى انتعاش النمو الاقتصادي، مرتفعاً بنسبة وصلت إلى ما يقارب الـــ7%، بل وأكثر في أحيان أخرى. ولو تُرك الإصلاح الاقتصادي لأن يتبلور، لانتقلَ، وبصورة حتمية، إلى عناصر أخرى من الإصلاح المنشود، أي إلى المجال السياسي، دون انفجار ربيع عربي، ولا مَن يحزنون.

لن أقوم بالفيض عليكم بالأرقام والإحصائيات، ولكن من المهم التذكير هنا بأن الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إبان حكم مبارك، قاربت الـــ450 مليون دولار عام 2000، لترتفع، خلال أربعة سنوات فقط، لأكثر من 7 مليارات؛ أي أن هنالك شيئاً ما قد حدث: لقد بدأ المستثمر، المحلي والأجنبي، يشعر بالأمان بما يكفي. كما ونمت الصادرات بنسبة تتراوح ما بين 30-45% (وأنا أتحدث هنا عن الصادرات غير النفطية)، وكان الحساب الجاري في وضعٍ فائض، وطبعاً، كان ميزان المدفوعات فائضاً. وفي العام 2004، كان لدى سعر الصرف بيانٌ حسابي يشير إلى تدفق رأس مالٍ ضخم إلى الداخل المصري، مبرّراً بذلك كافة “مشاكل” النجاح التي ستطفو على السطح. إذ كان هنالك عجزٌ في الموازنة (قارب الـــ10% من الناتج المحلي الإجمالي لعامي 2002-2003. ولو تُركت الإصلاحات الاقتصادية لتأخذ مجراها، لقارَبَ العجزُ الـــ5%، وهو رقمٌ لا يُعتبر بعيداً جداً عن عجز موازنات الولايات المتحدة الأمريكية وسائر أوروبا). أما نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، فلم تبعث على القلق، فقد كانت في أدنى مستوى لها منذ ستينيات القرن الماضي. ويا للأسف، وكما هو الحال في بعض الدول الناشئة، كمصر والأردن وتونس، لم تكن الحكومات بارعةً بما يكفي في تسويق، وترويج، وشرح إنجازاتها الاقتصادية للعامة، وللعالم الخارجي، ولم تكن سباقة في عرض وإبراز ما تقوم بعمله على المستوى الاقتصادي، ولم يكن لديها ماكينة إعلامية-اقتصادية لتحاكي علم العلاقات العامة.

وبما أن المواطن العادي ينسى معظم الأرقام الإحصائية، فالحاجة ملحة هنا للتذكير بالمعاني التي تحكم وتهيمن على العمل الاقتصادي والسياسات الاقتصادية، لمصرَ الحاضر والمستقبل، والتي تتطلب توضيح المبادئ الأساسية لإدارة التناقضات. فاقتصاد دولة بحجم مصر، قفز في أوائل القرن الواحد والعشرين من معدل نمو يبلغ الـــ3% إلى 7%، إلا أنه واجه تبايناتٍ في مستويات الدخل، وهذا أمر طبيعي، وهو جزءٌ لا يتجزأ من العملية الانتقالية لأية دولة ناشئة. لكن الذي حدث كان بطريقٍ غير مسقيم، وأكثر تطرفاً وشدة: فعلى الرغم من نسب النمو الاقتصادي المدهشة، انتقل الفقراء إلى فقرٍ أشد (مع أن دخل كافة الأفراد بموجب هذا المفهوم المطلق قد ارتفع)، وازداد دخل الأغنياء بشكلٍ أسرع من دخل الفقراء، مما يعني أن التباينات والتفاوتات في الدخل كانت بتصاعد. ونظراً لأن الأطراف التي لديها القدرة الأكبر على الاستفادة من انفتاح الاقتصاد هي تلك المجموعات التي لديها القدرة الأكبر على استغلال قوى السوق في سبيل منفعتها الخاصة، سيحتاج صانع القرار المصري إلى التدخل الفوري لإعادة توزيع الدخل (وهنا يكمن التناقض)، وبطريقة لا تُلحق الضرر بقوى السوق، التي تعتبر جوهر عملية الإصلاح الاقتصادي. وسيكون مطلوباً من صانع القرار أيضاً، الإتيان بتلك الكتلة الحرجة من الإصلاحيين داخل الجهاز البيروقراطي الضخم، وإلى أناس كفؤين ومؤهلين، لديهم فهمٌ وإلمامٌ عميقان بنهج العملية الإصلاحية وتعقيداتها.

قد يبدو لكم مثل هذا “الكابوس” أمراً مجرّداً، لكنني أستطيع أن أؤكد لكم بأن صانع القرار المصري يعيشه كلّ يوم، ويراه في كلّ قرارٍ يقوم باتخاذه، وفي بعض الأحيان، في قراراتٍ قد تكون غيرَ واضحة المعالم. ففي مصر مجموعاتُ الدخل المتدنية، وطبقةُ المعوزين، وهم بأعداد كبيرة، لا يحبذون حالة عدم اليقين. هذا هو جوهر المشكل الاقتصادي الذي يواجهه صانع القرار المصري؛ فالعملية الإصلاحية بمقدورها أن توفر لك نمواً، وتعليماً، ورعاية صحية أفضل، إلا أنها لن توفر لك اليقين.

ومن هنا تأتي المشكلة الأوسع: إفتقار الإصلاحيين إلى دعم الطبقة الشعبية الأوسع، لتبرز لنا، مرة أخرى، أهمية دور الإعلام المصري، وجهاز العلاقات العامة بالرئاسة المصرية والحكومة، في شرح، وتوضيح، وتبسيط الإجراءات المنوي اتباعها، والتي سيستفيد المواطن المصري من ثمارها، على المديين المتوسط والبعيد.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.