مًنذ فترة قصيرة، أصيبت بمرض صعب شوية، كانت تجربة قاسية بِكُل المقاييس، كان لابُد مِنْ إتخاذ قرارات، كان لابُد مِنْ أن يعلو صوتي فوق كل الأصوات، كان لابُد مِنْ أن أقول كلمتي أنا، وليس كلمة الأحباء أو غير الأحباء.

في وسط هذا الضباب والرؤية غير الواضحة، في وسط هذا الألم النفسي والجُسماني، جاءني الأب الكاهن الراعي للمنطقة التي نعيش بها، سألني: هل هُناك ما يمنع أن أذهب معك لِمُقابلة الطبيب المُعالج؟ .. ما فيش مانع يا أبونا!

حضر أبونا معي مُقابلة الطبيب، وللعلم بالشئ هذا الأب الكاهن في الأصل كان طبيبًا، جلس يُراقب الحوار بيني وبين الطبيب، تبرعت بالقول: أبونا أنا قراري كذا .. رد: هذا قرارك، وأنا هُنا ليس لكي أقرر بالنيابة عنك، أنا هُنا لكي أُعضدك روحيًا وإنسانيًا، وليس لأتخذ قرارات طبية، لأنني أنا حاليا لستُ طبيبًا بل راعيًا!

العِمة السوداء ليست شيئًا يُستهان به .. أنها تستمِدْ أهميتها مِنْ رمزيتها لتبعية المسيح.
العِمة السوداء تعني أن هذا الشخص الذي يرتديها .. هُوّ شخص مُكرس لخدمة المسيح.
العِمة السوداء تختلف في حجمها طِبقًا لحجم المسئوليات الكنسية المُلقاة علي الخادم، وتختلف في السُلطات الممنوحة له أيضًا.
العِمة السوداء لها بريق .. يشتهي إرتداءوها الكثيرين مِنْ الرجال، حيث أنها تُعطي للشخص إمتيازًا مِنْ نوع خاص.

من الطريف أن النساء اللآتي، يلدن صبيان، ويذهبن لتعميدهم، يحرصن علي أن يرتدى الطفل، زيًا كهنوتيًا، وكل واحدة وأمنياتها وطموحاتها، التي تتمنى ان يُصبح إبنها في يوم ما بطريركًا أو أسقفًا أو كاهنًا، تُلبِسه زيًا يتناسب مع شهوتها، أنها تأمل في يوم ما أن تري العِمة السوداء فوق رأس إبنها!

بالنسبة للغالبية العُظمي مِنْ الأقباط، نشأوا علي بعض المفاهيم، وإن كان بعضها قد لا يتسم مع التعاليم الكتابية، حيث أن الكتاب يُعلمنا، أننا أحرار، وأن الله أعطانا روح التمييز، وأعطانا الروح القدس، يعمل فينا وبِنا، وهذا الكلام يتساوي فيه، أصحاب الياقات البيضاء، أقصُد العلمانيين، مع أصحاب الياقات السوداء، أقصد أصحاب العِمْمْ السوداء.

تجِدهُم يقولون لك، إوعي تلِمس ثوب الكاهن .. بمعني لا تتكلم عليه، أو تنتقِد تصرفاته، فذلك قد يُعرضك لغضب السماء!

تجِدهُم يقولون لك، وهذا علي لسان أصحاب العِمْمْ السوداء: إبن الطاعة تَحِلْ عليه البركة .. بمعني ألا تُناقش، وتقول آمين!

في يوم ما، وجدت أخت مِنْ الكنيسة مُنتظرة أبونا، تُريد أن تتكلم معه، إعتقدت أنها تُريد أن تعترِفْ، أو عندها مُشكلة، لا يستطيع حلها إلا الكاهن .. مش حتصدقوا .. أنها كانت عايزه تشتري مروحة، وعايزه تسأل أبونا عن الماركة التي تشتريها!

واحدة ثانية، علي مستوي علمي واجتماعي مُرتفع جِدًا، وكُنا في جلسة مع نوعيات مُختلفة مِنْ الناس، ما بين المصري والأجنبي، وأيضا المُختلفين في العقيدة .. أدلت بتصريح خطير جِدًا قالت: لو أبونا قال لي إرمِ نفسك تحت قطار سا أرمي نفسي بدون حتي أن أسأله!

شخص يذهب يسأل واحدًا من أصحاب العِمْمْ السوداء: لِمَنْ أُعطي العشور بتاعتي؟

في الغالب صاحب العمة السوداء، سيوجهه إلي أن يضع هذه المبالغ في الكنيسة، والكنيسة تتصرف!

المنطق ليس سليمًا، وليس عدم ثقة في الكنيسة، ولكن لماذا لا يكون لك تفكيرك المُستقِل؟
ربما يكون عندك أحد أفراد العائلة، أو أحد الجيران، أو الأصدقاء، وأنت تعلم جيدًا ظروفه المالية، وتعرف أنه في إحتياج للمُساعدة، ربما من عِزة نفسه يُحرج في أن يسأل الكنيسة، وربما لا يكون الشخص مسيحيًا أصلًا، ومُحتاج للمساعدة، وفي كل هذه الحالات ربما صاحب العمة السوداء أو الكنيسة لا يعلمون شيئا عن هؤلاء المحتاجين!

لماذا تلغي فِكرك وشخصيتك، وتجعل شخصًا آخر، حتي ولو كان من أصحاب العِمْمْ السوداء، يُقرر بالنيابة عنك؟

كل هذه الأمور قد تدخُل في إطار العلاقة الشخصية بين المؤمنين وأصحاب العِمْمْ السوداء، ولكن قد تزيد الأمور تعقيدًا عندما تتسع الدائرة ويكون هُناك قرارات عامة، سياسية أو دينية أو اجتماعية، يجب إتخاذها، وفي نفس الوقت تجد الأقباط واقفين مكتوفي الأيدي، مُنتظرين أن البطرك أو المَجمع المُقدس أو الأساقفة أو الكهنة يقررون!

بالتأكيد مُعظم الأكليروس (رجال الدين المسيحي) يحملون أعلي الشهادات الدراسية وفي مختلف المجالات، ولكن الآن إختصاصاتهم وسُلطاتهم، تتركز حول رعاية الكنيسة وشعبها، والبت في المسائل الروحية والدينية، أكثر من الإنغماس في ما هو مطروح علي الساحة من سياسات.

رغبة المسيح بالنسبة لكنيسته وللخدمة، ما قاله لبطرس الرسول خادم الكنيسة: “إعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.

المسيح هُنا، لا يتكلم عن المسائل المادية فقط، ولكنه أيضًا لا يُريد الخلط، أنهُ يُريد أن كل فرد في الكنيسة يكون له عمله وإختصاصة.

المسيح يُريد أن يكون لأصحاب الياقات البيضاء، أيضًا دورهم في المُجتمع والكنيسة، يُريد مُشاركتهم الحياة السياسية والإجتماعية مِثلهُم مِثل باقي المواطنين، يُريدهم أن يكونوا أصحاب قرارت وليسوا مُنفذين قرارات!

المسيح يُريد أن أصحاب العِمْمْ السوداء، يكون لهُم دورهم المُهم والحيوي، في قيادة ورعاية الكنيسة، وإصدار القرارات الهامة الدينية والروحية، وفي نفس الوقت إعطاء أصحاب الياقات البيضاء، دورهم في المشاركة الوطنية، وإتخاذ القرارات اللازمة علي حسب إرشادات وموافقة أصحاب العِمْمْ السوداء.

الكنيسة ليست فقط العِمْمْ السوداء، أو الياقات السوداء، ولكن أيضًا الياقات البيضاء.

الكنيسة غنية بأولادها أصحاب الياقات البيضاء، وخبراتهم مُتنوعة في كافة المجالات، بها السياسيين والمُحاميين، وأعضاء مجلس النواب، والكُتاب والمُفكرين والحُقوقيين وغالبيتهُم عندهُم القُدرة علي المُناقشة والحوار وإتخاذ القرارات.

وفي النهاية أصحاب الياقات البيضاء يعملون في إطار ما تُقرة الكنيسة، ويلتزمون بالرجوع إلي البت في القرارات طبقا لما تراه القيادة العُليا للكنيسة، لأن المصلحة واحدة، وليس هُناك تعارض بين أصحاب الياقات البيضاء وأصحاب العِمْمْ السوداء!

ولذا قد يكون، أصحاب الياقات البيضاء أفضل في بعض المهام وخصوصًا السياسية والحقوقية ومناقشة القوانين.

معذرة سيدي البابا، ليس إقلالاً مِنْ قدركم أو دوركم، علي الساحة السياسية أو الدولية، ولست أتدخل في عملكم وكيفية إدارته، ولكنني أريد التنويه إلي، أنه لديكُم أبناء مِنْ أصحاب الياقات البيضاء، في إمكانكُم إستخدام إمكانياتهم وطاقاتهم لإنجاز ما تريدون تحقيقه.

نعم، قداستكُم يجب أن تقوم بالمُشاركة السياسية والوطنية والإجتماعية، مع كبار مسئولي الدولة، فتحضر إجتماع عام، أو تحضر مناسبة ما مع سيادة الرئيس، أو المُشاركة في إحتفالية وطنية، أوالقيام بواجب ديني أو وطني أو إجتماعي.

نعم، قداستكم تحضر للمُشاركة السياسية في اللقاءات العامة داخليًا وخارجيًا، ولكن ليس لمُناقشة بنود هامة في قانون، يُمكن التلاعب فيها بالألفاظ أو بإستخدام أساليب ملتوية للف والدوران حول القانون لكي يحقق مآرب أخري، في هذه الحالة من الأفضل إختيار أشخاص من أولادك من شعب الكنيسة، ذو خبرة سواء سياسية أو قانونية، لأداء هذه المهمة ثم عرض النتائج علي قداستكم وعلي الكنيسة.

في مثل هذه الحالات، سيكون أصحاب الياقات البيضاء هُم الأفضل في أداء مثل هذه المهام.

سيدي قداسة البابا تواضروس، وآبائي قادة الكنيسة، أعلم جيدًا وطنيتكم ومحبتكم لمصر، وأعلم أيضًا محبتكم وغيرتكم علي شعب المسيح وخاصة المصريين، كنت أود أن ترفضوا تمامًا هذا القانون الذي يسمي قانون بناء الكنائس، هذا القانون الذي جر المسيحيين المصريين في مُنحدر سئ، جرهم في سكة الندامة!

عندما يخرج المسيحيين من تحت العباءة المصرية، ويسمحون للمُغرضين بأن يعزلوهم بتصنيفهم تحت عباءة الهوية المسيحية، فهذه هي الكارثة الكبري!

نعم المسيحيين يفخرون بمسيحيتهم وبالصليب، ولكن يجب أن يكون المُسمي واحدًا للجميع وهو “مصري” بغض النظر عن الهوية الدينية، ولكن عندما يستخدمون معكم الهوية الدينية، سوف يكون من السهل إصطيادكم والقضاء عليكم!

لأن كل من يعيش فوق تراب مصر ويخضع للسيادة المصرية، يجب أن يتساوي الجميع في انهم مصريين!
ما يسرى علي المُسلم من حقوق وواجبات يسري علي المسيحي واليهودي والبهائي والدرزي والملحد وأي عقيدة أخري!

أما الهوية العقائدية فيجب أن تكون داخل دور العبادة، وكل واحد حسب العقيدة التي يتبعها، وليس معني ذلك أن تصدر الدولة دور عبادة لكل طائفة، بل يجب أن يكون بناء دور العبادة مُوّحَدْ، حتي لا تطفو علي السطح مُناقشات غبية!
حيت أن الصليب بيجنن المجانين!
حيث أن نِجمة اليهود السُداسية، طلعت النجوم في عز الظهر علي مَنْ لا يعتقدون إلا فيما يعتقدون!

في النهاية، أعزائي المسيحيين، يجب عليكُمْ أن ترفضوا أي تصنيفات، قد تدعو ألي عزلكُم أو تقسيمكُم أو وصفكُم بأنكُم أقلية، فأنتُم تحت السيادة المصرية، مصريين، ومسيحيتكُم، مارسوها داخل الكنيسة، ولكن علي مُستوي الدولة تمسكوا بمصريتكم حتي لا تضيع هويتكم وحقوقكُم!

وعلي ما أعتقد، أن قيام أصحاب الياقات البيضاء، بعمل بعض المهام السياسية أو الحقوقية أو البرلمانية الهامة، لآ يُقلل إطلاقاً مِنْ أهمية ودور أصحاب العِمْمْ السوداء، لأنهُم في النهاية يعملون تحت قيادة وتوجيهات العِمْمْ السوداء!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.