غاسيم باري، الذي عاش في إسرائيل في الأعوام ال13 الأخيرة من عمره القصير (25 عاما)، توفي قبل نحو شهر في تل أبيب من دون أن يحقق أكبر أمنياته: أن يُمنح مكانة إقامة دائمة في البلاد. وافته المنية وهو محاط بأشخاص أحبوه واهتموا كثيرا لأمره: أصدقاؤه ووالديه بالتبني والأوصياء عليه ومدرسوه وزملاء صفه وأطباء ومرشدون ومتطوعون وزملائه من اللاجئين. غاسيم، الذي بقي طالب لجوء حتى آخر يوم من حياته، ووري الثرى في يافا؛ في المكان الوحيد الذي اعتبره بيتا له.

غاسيم كان إسرائيليا بكل ما في الكلمة من معنى – بإستثناء الإسم. محنته هي محنة الكثيرين من أبناء مجتمعه: حيث حصل على المساعدة من عدد كبير من الإسرائيليين الرائعين وووجه برفض من قبل مؤسستهم. ألم يحن الوقت – خاصة في اليوم الذي نحيي فيه “ذكرى المحرقة” – أن تقوم إسرائيل، التي شُيدت على رماد أولئك الذين لم ينجحوا بالفرار، وكملجأ لأولئك الذين نجحوا بالنجاة، أخيرا بإيجاد طريقة للترحيب بأولئك الذين ليس لديهم مكان آخر ليذهبوا إليه؟

رحلة غاسيم الشخصية ونضاله من أجل اعتراف رسمي في إسرائيل نُشرت بتفاصيلها في هذا الموقع قبل نحو عامين. الشاب الذي وُلد في غينيا، كان الناجي الوحيد من مجزرة قضت على عائلته بالكامل، وتركته يتيما في سن العشر سنوات. تم أسره – إلى جانب آخرين – من قبل متجرين بالبشر الذين قاموا بنقله عبر اليابسة إلى مصر وصولا إلى الحدود مع إسرائيل، حيث أمسكت به القوات الإسرائيلية. مع جين، طفل غيني آخر عانى من مصير مماثل، أودع لحسن حظه في سن 12 عاما في الحضن الدافئ ل”يمين أورد”، وهي ملاذ للأطفال المحرومين برئاسة دكتور حاييم بيري، وهو مرب أصبح الأب البديل لهؤلاء الأطفال ويواصل نشاطه كملاك حارس لعدد كبير جدا من أبناء الشبيبة الذين تُركوا لوحدهم.

نشأ غاسيم وجين في البيئة الحاضنة لهذه المدرسة الداخلية الرائعة التي تقع في الشمال. بمساعدة أهاليهما بالتبني وإخوانهما وأخواتهما الجدد، سرعان ما أصبح الإثنان يشبهان المراهقين الإسرائيليين – يتحدثان كلاما غير مفهوم بالعبرية، يستعدان لإمتحانات الثانوية العامة، يتطوعان في المجتمع، يطوران حياة إجتماعية ناشطة. على مدى هذه الفترة القصيرة التي استمرت لأربعة أعوام عاش الإثنان في جنة إسرائيلية محبة (ولكن إفتراضية)، محميين لكونهما قاصرين من أي تصرف من جهة السلطات ضدهما.

وعندها تخرج غاسيم وجين من المدرسة الثانوية. بدأ الإثنان بإجراءات طويلة للحصول على طلب لجوء في إسرائيل بالإعتماد على أسس إنسانية – إجرات لن يحظى غاسيم برؤية نهايتها. بمساعدة الأوصياء عليهما – وجهات راعية وجدها الشابان – تم قبولهما للحصول على منحة كاملة في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا وحصلا على تصريح للبقاء في البلاد إلى حين الإنتهاء من معالجة طلباتهما (فقط في سنوات التعليم الأخيرة لهما حصلا على تأشيرة للدراسة). كل على طريقته، حقق غاسيم وجين نجاحا كبيرا في الكلية وتعرفا على أصدقاء جدد واكتشفا آفاقا جديدة واندمجا بسرعة في الحياة الجامعية وحققا النجاح في دراساتهما. تم وضعهما في شبكة دعم إضافية تضم إداريين كبار ومحاضرين ومساعدين للطلاب الذين عملوا معا مع العائلتين بالتبني للشابين لضمان رفاهيتهما. تعمق انخراطهما في الحياة الإسرائيلية – على الرغم من التباطؤ في جعل مكانتهما رسمية.

تشخيص رهيب
خلال الفصل الدراسي الأخير لغاسيم، بدأ الشاب يشتكي من إنزعاج مستمر عند تناوله للطعام. نتائج الفحوصات المكثقة (التي غطاها التأمين الطبي الممول من قبل الجهات المانحة ل”يمين أدور”) كشفت عن الحكم الفظيع: سرطان في الصدر. بدأ غاسيم العلاج الكيميائي وقامت الكلية بتجنيد طلاب دراسات عليا في علم النفس الطبي لمرافقته في فترة علاجه لمساعدته في التعامل مع بيروقراطية نظام الصحة الإسرائيلي. قام أعضاء من الإدارة ومن الطاقم وطلاب بزيارته باستمرار. حاييم بيري ومساعدته طالي ريتس، تجندا للمساعدة مرة أخرى؛ جين كان إلى جانبه طوال الوقت. جميعهم تمسكوا بالأمل بأنه سيتغلب على كل الصعاب ويتعافى.

في ظل هذه الظروف، بعد استكمالهما لأربع سنوات أكاديمية، سرّع محامو غاسيم وجين في الخط الساخن للاجئين والعمال الأجانب من إجراءات تقديم التماسهما للحصول على مكانة إقامة دائمة في إسرائيل لأسباب إنسانية، بإدعاء أنه في حالة غاسيم، تضاعفت هذه الإعتبارات بسبب المخاوف الطبية. في نداء مشحون عاطفيا لمحكمة الإستئناف في صيف 2015، لم تبقى أي عين جافة عندما روى جين وغاسيم روايتيهما وتحدثا عن عائلتيهما وأصدقائهما الإسرائيليين وشرحا الطرق العديدة التي أصبحا من خلالها جزءا لا يتجزأ ليس من حياتهم فحسب، بل من إسرائيل اليوم أيضا.

بعد تأجيل متكرر، أمرت المحكمة وزارة الداخلية بأخذ حالة غاسيم بعين الإعتبار (على الرغم من أنها لم تدحض إدعاء الدولة بأن “السرطان هو مرض مزمن ولا يشكل سببا لإعتبارات إنسانية خاصة”). كما أمرت المحكمة وزارة الداخلية أيضا بمراجعة الطلبات التي تم تقديمها من قبل جين وغاسيم ولمنحهما تأشيرات طلابية مؤقتة، في حال رغبا بمتابعة دراستهما (جين هو الآن طالب لقب ثاني في إدارة الأعمال؛ غاسيم قام بالتسجيل لبرنامج دراسات عليا في السلوك التنظيمي، لكن حالته الصحية لم تسمح له بحضور الحصص الدراسية). منذ ذلك الحين لم يتم إصدار أي قرار.

هذا ليس بأمر مستغرب. في الوقت الحالي، لا يزال هناك 22,000 طلب للحصول على مكانة لاجئ (هناك نحو 42,000 طالب لجوء في إسرائيل حاليا) من دون معالجة. تقارير نُشرت هذا الأسبوع كشفت عن أن وزارة الداخلية لم تقبل بأي طلب جديد منذ أكثر من ثلاثة أشهر. أكثر من ألف شخص – معظمهم من إريتريا والسودان ولا يمكن إعادتهم إلى وطنهم – يتم احتجازهم في مركز الإعتقال في حولوت. عدد كبير منهم يتعرضون لضغوط لا مبرر لها للإنتقال إلى رواند أو أوغندا – حيث أنهم بحسب تقارير ظهرت مؤخرا يتعرضون هناك لمهانات متعددة ويعيشون في فقر مدقع. طالبو اللجوء الذين لا يتم احتجازهم يعيشون في حالة إهمال. غير مسجلين وغير معترف بهم وغير محميين، ولا توجد لديهم القدرة على البحث عن عمل قانوني ولا يتمتعون بالحد الأدنى من الحقوق الاجتماعية والطبية الضرورية لمواصلة حياتهم مع قليل من الكرامة الإنسانية.

هؤلاء الإسرائيليون الأخيار

غاسيم هو فقط ضحية واحدة – وحالة متطرفة – من عدم قدرة إسرائيل على صياغة سياسة لحماية أولئك الذين يسعون إلى ملاذ من الاضطهاد فيها (على الرغم من تفوقها في انتقاد بلدان أخرى بسبب تراخيها في هذا الشأن). غاسيم استفاد أيضا من أفضل ما يمكن لإسرائيل أن تقدمه: التعليم والرعاية الصحية والخدمات المقدمة بدفء وحب وكل الدعم الذي يمكن لمواطني إسرائيل تقديمه.

لم يتمكن كل هؤلاء الأشخاص الرائعين من إنقاذ غاسيم – على الرغم من إدراكهم بأنهم قاموا بكل ما هو ممكن وأكثر حتى آخر لحظة. حتى بعد عودة روحه إلى خالقها في الساعات الأولى من 21 مارس، 2017، نجح هؤلاء في خوض المعركة الأخيرة من أجله: منع تحويل جثته إلى غينيا حيث لا يوجد هناك من يحزن على رحيله وضمان أن يتم دفنه هنا بين أصدقائه.

السلطات الإسرائيلية لم تقم يوما بترحيل غاسيم باري ولم ترحب به أيضا. لكنه أثر عميقا بكل إسرائيلي كانت لديه الفرصة بالتعرف عليه. من خلاله، أولئك الذي اعتنوا به ليلا ونهارا خلال عاميه الأخيرين – سواء في المستشفى أو في داخلها – أصبحوا أشخاصا أفضل. لم يكن بمقدورهم، سواء بشكل فردي أو جماعي، التغلب على العقبات التي تفرضها إسرائيل الرسمية التي كثيرا ما تخلت عن إلتزاماتها الأخلاقية والتاريخية تجاه المشردين والمضطهدين. ولكن من خلال إظهار الإنسانية بصورة عملية، لم يحول هؤلاء ظهورهم تجاه واجبات هذا الإرث وبالتالي أعطوا أملا بإسرائيل أفضل وأكثر عدلا. هؤلاء الإسرائيليين، الذين يحاولون بالغريزة دائما أن يكونوا أفضل ويفعلون ذلك، هم إسرائيل التي أحبها غاسيم.

لترقد روحه بسلام.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.