إيناس تِشِد إنتباهك بخفة ظِلها وجمالها المصري الأصيل، تتمتع بذكاء تستخدِمُه في تحليل المواقف والأحداث، فتُضفي على تعليقاتها ولمحاتها طعمًا ومذاقًا مُميزًا، الأهم مِن كُل هذه الصفات الجميلة، فَهيّ تُجسِد المعني الحقيقي للإنسانية والحب، فهيّ تتفانى في تقديم المحبة والمُساعدة لكل الناس بالرغم من اعبائِها الأسرية والعملية.

معرفتي بها وصداقتنا الوطيدة عُمرها لا يتجاوز الثلاثة شهور، فقد كنت أعرفها بالشكل فقط منذ 4 سنوات ، وأنها واحدة من أعضاء الكنيسة.

من أسبوع تقريبًا كنا نتجاذب أطراف الحديث في موضوع ما، وجدتها فجأة تقول لي: نقطة ومن أول السطر!

ضحكت وقُلت لها “إيه ده .. عنوان مقالة”؟!
ضحكت وقالت: خلاص حلال عليكي!

عندما نكتُب فقرة او موضوع قائم بذاته، ونضع نقطة في آخر الفقرة أو الموضوع، فمعني ذلك أن الموضوع إنتهي وليس له تكمله.
عندما نكتب فقرة ونضع نقطة، ثم نُكمل الكتابة من أول السطر، فمعنى ذلك أن الموضوع لم ينته بعد.

في علاقات الأفراد بعضهم البعض، وحتي الدول وعلاقتهم بعضهم البعض، تجد ما قالته إيناس “نقطة ومن أول السطر”، يتحقق بشكل قوي، بمعنى أن الشخص مُمكن أن يجد نفسه مُضطرًا أن يضع نقطة ويقفل علي كل مافات، وربما يضع نقطة على حدث معين أو فترة معينة ثم يستأنف من أول السطر (أي من جديد)، عندما يجد الشخص نفسه قويًا وقادرًا على التصدي لكل ما يعكر صفو حياته.

فيما يلي بعض مايحدث معنا جميعًا، ونضطر إلى أن نقف ونُقرر، هل نضع نقطة ولا ننظر للخلف؟ أم نضع نقطة لغاية هنا ونكمل في السطر التالي بتفكير مختلف واتجاهات جديدة:

(1)
كثيرين مِنْ الذين هاجروا مِنْ بلادهم، ويحملون أعلى الدرجات العلمية، يضطرون إلي العمل في بعض الأعمال البسيطة، لكي يستطيعون تغطية تكاليف معيشتهُم إلى أن يحصلوا على الشهادات المُعادلة.

بعد أن يتغير حال الدكتور أو الصيدلي أو المهندس أو المحاسب، ويبدأ في الحصول على وظيفة في مجال عمله، والأموال تتدفق عليه وفي ظرف سنوات قليلة يُصبح من المليونيرات، طبعًا ربنا يبارك، وماحدش عايز مِنهُم حاجة، حتي ولا سنت واحد!

ولكن أصبح عِندهُم أهم شئ، أن يقفلوا على أصدقائهم الذين عاصروا هذه الفترة من حياتهم، وربما يقفلون أيضًا على الذين ساندوهم ماديًا أو عاطفيًا، أي يقفلون على الناس اللي في “هَمُهُمْ” كانوا مدعووين وأصبحوا الآن في “فرحهم” منسيين!

أول شئ يفعله هؤلاء لرد الجميل للذين ساندوهم حتي ولو عاطفيًا، أن يقفلوا معهم!

أنهم يضعون نقطة، وربما ما فيش من أول السطر، أنهم يُريدون أن يمحوا هذه الفترة من حياتهم، أنهم يُريدون أن يمحوا الفترة، وأيضًا الناس الذين شهدوا فترة مُعاناتهم!

أنهم يُريدون أصدقاء جُدد ينتفخون أمامهم بأنهم الدكتور فُلان المليونير، أو الصيدلي أو المحاسب أو .. أو .. المُهم فُلان المليونير، أو فلانه المليونيرة، وهم مُطمئنون إلى أن هؤلاء الأصدقاء الجُدد لا يعرفون عن هذه الفترة الصعبة من حياتهم، وان كان من الأفضل لهُمْ أن يفتخروا بأنهم وصلوا للنجاح والتفوق بكدهم وتعبهم!

هؤلاء يعتقدون أنهم وضعوا النُقطة وقفلوا على هذه الفترة من حياتهم، والذين عرفوهم في هذه الفترة، هُم يُحاولون النسيان ولكن في الواقع الناس والتاريخ لا ينسون!

(2)
بعض الأشخاص قد يتعرضون لمآسي مؤلمة في حياتهم، والبعض قد تكون تجربتهم قاسية تُدمي القلوب، وربما تطال المأساة أحد أفراد الأسرة أو كل الأسرة، فتعيش الأسرة بالكامل فترة قد تطول أو تقصر تحت هذه المعاناة النفسية والأجتماعية، والذي يزيد الطين بلة، أن المجتمع والناس بقسوتهم قد لا يرحمون، ويكونون أكثر قسوة من الزمن الأغبر عليهم.

قد تستمر هذه الحالة لعدة سنوات إلي أن تتغير الظروف بعض الشي، وقد يجد الشخص الذي تعرض لهذه المأساة أنه قد آن الأوان ليعمل تغييرًا في حياته، وحياة أسرته التي عانت أيضًا من هذه المأساة.

قد يجد الشخص أن الظروف أصبحت مواتية لكي ينتقل من مسرح الأحداث المؤلمة، إلي مسرح آخر أكثر هدوءًا واستمتاعًا بالحياة!

قد يجد الشخص أنه بمرور الزمن ومع اقتراب الشيخوخة، أنه أصبح غير قادرًا علي مواجهة الناس، والتصدي لرزالتهم وحشر أنوفهم في حياته!

تجد الشخص يأخذ نفسه، وأحيانًا يأخذ أسرته أو بعض أفراد الأسرة، وينتقل من المنطقة التي شهدت الأحداث المؤلمة، ينتقل بكامل حياته ومعيشته، وربما مدارس الأولاد والأشغال!

تجد الشخص ينتقل من المنطقة التي شهدت الأحداث المؤلمة، إلي مكان بعيد عن منطقة المأساة، فينتقل من بلد إلي بلد آخر، أو من ولاية إلى ولاية أخري بنفس البلد، مُعتقدًا أنه ابتعد عن مصدر ومسرح الأحداث المؤلمة!

تجد الشخص يقفل كل وسائل الإتصال بينه وبين كل الناس الذين شهدوا هذه الأحداث المؤلمة في حياته، يقفل علي كل شئ يرتبط بهذه الفترة المؤلمة، يقفل حتي علي الأصدقاء الذين تعاملوا معه بمحبة وكان لهُم مُساندة قلبية وفعلية، يقفل علي المنطقة بالكامل، لأن كل شئ في هذه المنطقه يُذكره بهذه الأحداث المؤلمة، فيجد أن الأفضل له إما أن يترك البلد أو الولاية بالكامل مُعتقدًا أنه تخلص من هذه الحُقبة من حياتة، وأيضا الناس الذين عاصروا هذه الفترة من حياته.

هنا، تجد الشخص يضع نقطة وربما مافيش من أول السطر في الوقت الحالي، أنه يريد أن يشتري دماغة ويقفل علي الماضي ويرميه في البحر.

ربما هذا اختيار سليم، لكي يشتري الشخص دماغه، ويبدأ حياة جديدة يستمتع بها بعيدًا عن الذين عاصروه من قبل، الشخص يريد أن ينسى ولكن في الواقع الناس والتاريخ لا ينسون!

(3)
كنت صديقة لصديقة أكثر من رائعة، مثقفة جدًا، تكبرني بحوالي خمسة عشر عامًا، نتناقش في مواضيع شتي وخاصة مواضيع الكتاب المقدس، فهي ممتازة في اللغات، نتكلم سويًا بالعربية وأحيانًا نتناقش بالإنجليزية في بعض ما يقوله الوعاظ، مثل، تشارلز برايس، ورافي ذاكرايا، وجون ماكرتر.

كنا نتواصل علي فترات ليست بعيدة، نتواصل لنفرح بالأعياد والمناسبات والتهاني، وفجأة وبعد نحو خمسة عشر عامًا عمر صداقتنا، وجدت أن خطوط الإنصالات بيننا مقطوعة، ربما شخص ماكر حاقد قام باللازم، فأصبحت لا تتصل كعادتها بين الحين والحين، ولكن حينما أتصل وأسأل عن عدم الإتصال، تكون الإجابات مُقززة ليس لها طعم ولا لون فمثلًا تقول: أنها مشغولة مع الأحفاد، وأنها دائمًا فاكراني في صلواتها!

عمومًا كثر خيرها، ولكن أضطريت أن أضع النقطة!
وقفلت على هذه الفترة الجميلة الثرية بصداقتي لهذه الصديقة الصدوقة، ولكن من جانبي أنا نقطة ومن أول السطر.

صديقتي وضعت النقطة!
ولا أدري اذا كان هناك سطر جديد أم لا؟!

حاولت التفسير لهذا التغيير الغريب، قُلت ربما حدث تغير في حياتها، ولا تريد حتي أصدقائها الإطلاع علي هذا التغيير، طبعًا من حق كل انسان ان يحيا حياته بالطريقة الذي يُريدها، وأيضًا ليس من حق الناس أن يسألوا عن سبب وضع النقطة!

موضوع صديقتي جعلني لا أستغرب أن بعض الزيجات، ربما بعد سنوات عديدة من الزواج التي قد تفوق العشرات من السنين، وبعد أن أصبح لديهم أحفاد وأصبحوا علي مشارف أن يفارقوا العالم بكل ما فيه، تسمعهُم يقولون قررنا الإنفصال أو الطلاق، لا نستطيع أن نكمل الحياة معا!

(4)
قد يكون إنسانًا ناجحًا ومتفوقًا في عمله، قد يكون هُوّ الرئيس أو المدير، ويعمل معه أشخاص ذو كفاءات عالية أيضًا، ولكن بسبب المُنافسة وان الإنسان بطبعه لا يحب أن يجد شخصًا آخر مُتميزًا أو متفوقًا عليه، تجد أن هذا الشخص المسئول يُضحي بهذا الشخص المُنافس له، لأنه أصبح مصدر قلق بالنسبة له، لأنه بدأ يأخذ الأضواء من هذا الشخص اللي المفروض يكون مُتميزا بحكم موقعة وسلطته!

تجد هذا الشخص يقفل علي الشخص المُنافس له، يضع نقطة وما فيش من أول السطر، ربما هُوّ لا يكره الشخص المنافس له، بل يجب أن يطمُس عليه، ويخرجه من الكادر، ويمحو صورته بالكامل حتي لا يكون هناك وجه للمقارنة بينه وبين الشخص المنافس له!

هذا الشخص إعتقد أنه حينما وضع النقطة وقفل على منافسه، أنه أصبح ليس له منافس، وأن هذا الشخص أصبح كان وليس له وجود الآن، ولكن في الواقع الناس والتاريخ لا ينسون!

هذه هي طبيعة البشر، الشخص قد يتقبل تفوق ابنه أو ابنته عليه، ولكن ربما تحدث الغيرة بين الأخوة والأخوات، فلا يقبلون المُنافسة حتي من أخواتهم.

قال لي صديق في يوم من الأيام، أنا لا أقبل أن زوجتي تتفوق علي، أو حتي تآخذ وضعها في المجتمع إلا بواسطتي!

أحباتي هذه هي الحياة بكل تناقُضاتها، وأيضًا الأنسان الذي دائًما أفكاره وتوجهاته مُتغيرة بين اللحظة والأخرى، فليس غريبًا ولا تستغربوا أن تجدوا أصدقاؤكم أو أحباؤكم أو أزواجكم أو زوجاتكم وضعوا النقطة، وربما ما فيش من أول السطر!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.