الإعلان عن انتخابات جديدة في 17 مارس عام 2015, قد ارسل النظام السياسي الإسرائيلي الى سباق جديد. لكن, في حين ينظم الطامحون السياسيون قواتهم ويقيمون تحالفات انتخابية، العديد من الإسرائيليين – من علمتهم الخبرة – يتساءلون عن ضرورة أو فائدة هذه الانتخابات المبكرة. عليهم الا يفعلوا: نظرة فاحصة على أسباب هذا التحرك الغير متوقع وتوقيته يقود إلى استنتاج مختلف جدا. بعيدا عن كونها امر مستفرغ منه، مكلف أو متوقع بشكل مرهق، قد تمثل هذه الانتخابات مؤشرا لنقطة تحول حقيقية في السياسة الإسرائيلية لأول مرة منذ عقدين.

لهذا السبب, الخطوات الأولية تتسبب بمثل هذا الانفعال و – على عكس الانتخابات الوطنية الأخيرة التي عقدت قبل عامين بالكاد والتي تميزت بمللها – ان هذه الجولة تتطور بسرعة الى منافسة حامية التي قد تجلب, مع ذلك, نهاية عصر من التقاعس وتدهور وعزلة من خلال قيادة أكثر مسؤولة، مؤهلة وإنسانية. ان فهم المسائل الموجودة على المحك والاسباب, يمكن أن يساعد على تأطير الحملة وتحديد النتيجة.

الحياة المتأثرة سلبياً بشكل كبير من قبل حكومة نتنياهو الثالثة يمكن أن تعزى، على الأقل كما هو ظاهر، إلى الحقيقة أنها ببساطة لم تكن قادرة على العمل – بسبب كل من تركيبتها التي لا يمكن شرحها واضطرابات شخصيتها. لقد تراجعت مستويات شعبية الشخصيات الرئيسية، بما في ذلك لرئيس الوزراء، في الأشهر الأخيرة، مسلطة الضوء الى استياء واسع النطاق من الأداء الحكومي وعدم الثقة العميقة فيها على رأسها. أحدث سلسلة من الأزمات – بما في ذلك انخفاض في مدى الأمن الشخصي، وتزايد عدم اليقين الاقتصادي، حرب غزة وتداعياتها والاضطرابات المستمرة في القدس، ارتفاع حدة التوترات الاجتماعية، وانتشار التعصب وزيادة مقلقة في الاحتجاجات الدولية الرائدة المولدة احساس غامر من اليأس – جميعها تجسد مدى عدم نجاعة عمل الائتلاف الحالي وانعدام اهليته.

عجز حكومي في حد ذاته (كما اشارت جهود اللحظة الاخيرة اليائسة لتجنب الانتخابات) ليس، مع ذلك، السبب الوحيد او السبب الرئيسي لتنافر الناخبين. تحت ظاهر الاختلال الوظيفي الرسمي الصارخ هناك ما هو أعمق من ذلك بكثير: المعنى التدريجي حيث تتهاوى كل جبهة يمكن تصورها تقريباً.

في حين أعطى الاقتصاد المزدهر الاسرائيلي مرة وسيلة لواقع يضم أغلبية ملتوية في ظل الارتفاع الشديد في تكاليف المعيشة وأكثر من مليوني مواطن – عدد العاملين الأجيرين – الذين يعيشون تحت خط الفقر. لقد اثر تزايد العنف سلبا على الشعور بالأمن في الشوارع كما في ذلك على الحدود. لقد منح التضامن الذي ميز سابقاً المجتمع الإسرائيلي بكل تنوعه, وسيلة لمظاهر قبيحة من التعصب والإقصاء المنهجي. وقد افترض الصراع بين إسرائيل وجيرانها ميزات عرقية ودينية متزايدة، مما يجعل قراراتها أنأى وسرعان ما تتغلغل في صلب المجتمع الإسرائيلي. زد على ذلك، الوضع الراهن لم يعد يحتمل بعد الان.

فشل عقلية الإدارة، والتي وجهت السياسات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، والتي تمثل محور قيادة نتنياهو، توجد إمكانية لإعادة تقييم البدائل. وألاهم من ذلك, الاستياء من الحالة الراهنة، يزيد قوة التوجد لوزن خيارات أخرى؛ كلما كبر الإدراك أن استمرار النهج الحالي قد لا يكون الا تهجئة للدمار، كلما ازدادت احتمالات تغيير الاتجاه الحالي. في الاساس، تعقد هذه الانتخابات لان الإسرائيليين لم يعد يشعرون بالراحة مع طريقة حياتهم، مع ما أصبحوا ومع عدم اليقين الى اي مكان هم متجهون. انهم أكثر استعدادا لإعادة النظر في أنفسهم وفي مسار حياتهم.

توقيت قرار الدعوة لانتخابات جديدة هو دلالة على موضع الامور. النقاش بين الأحزاب على التشريع المقترح لترسيخ مكانة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، إلى جانب خلافات أكثر دنيوية على الميزانية ومجموعة متنوعة من القضايا السياسية الأخرى, قد منحت مشغلات فورية لتنحية الزعيمين, شريكي الائتلاف الرئيسيين وتفكيك الحكومة أساسا. لكن خلافات لا تختلف عن ذلك – شخصية وموضوعية على حد سواء – كانت ظاهرة لبضعة أشهر.

في جميع الاحتمالات، عجلة بنيامين نتنياهو للجوء إلى صناديق الاقتراع فوراً, ينبع من فهم تكتيكي بأن انتخابات مبكرة قد تكون الطريقة الوحيدة حيث لديه فيها فرصة للقتال, لمنع انهيار قوته وقيادته. في الواقع، انتخابات مبكرة تخدم هدفه لتمديد فترة مكوثه في منصبه: انها تقصر الوقت اللازم لإعداد منافسين جدد كموشيه كحلون، وتمنع المعارضين من ترسيخها لتحالفات قوية وقد تردع منافسين خطيرين من داخل حزبه. فوق كل هذا، مع ذلك، إن الإصرار على إجراء انتخابات خلال فترة قصيرة من الزمن كما يمكن بموجب التشريع, قد يشير الى محاولة لوقف انتشار السخط تزاء الوضع الحالي وتأجيل ظهور بدائل ذات مصداقية.

في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة, سوف يشهد النظام السياسي الإسرائيلي ظهور نشاط محموم، أولا، حول محاولات لإكمال اجزاء معينة من التشريعات (وخاصة قانون ‘المتسللين’) والموافقة على تخصيصات مالية مثيرة للجدل قبل انتهاء السنة المالية. وثانيا، حول بناء تحالفات انتخابية واستعدادات لتجميع قوائم للكنيست. لاثنتين من السمات المتناقضة لهذه الفترة الانتقالية سيكون تأثير مباشر على الحملة الوشيكة: الحقيقة أن تشتت البرلمان قد اوقف بعض مشاريع القوانين المثيرة للجدل التي أنشأها أعضاء الحزب الحاكم. والتوقع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يتمتع بالراحة من الضغوط الدولية (إن لم تكن إقليمية ومحلية) في الأشهر المقبلة. لأي من تلك السمات سيكون التأثير الأكبر على نتائج الانتخابات يعتمد، إلى حد كبير، على كيفية تطور الحملة.

للوهلة الأولى، تأطير الانتخابات حتى الآن فضل الشخصية على حساب الجوهر. في كثير من النواحي،عام 2015 تحول إلى استفتاء حول قيادة نتنياهو. أحدث استطلاعات الرأي لا تبشر بالخير بالنسبة لشاغل الوظيفة، مع نسبة 60-65 من الناخبين – متجاوزة الانقسامات بين اليسار واليمين التقليدية – معارضين لإعادة انتخابه.
تحديداً, لأن مسألة الثقة لا تخدم نتنياهو جيدا والمعارضة له لم تلتحم بعد حول مرشح متفق عليه، فقد تستفيد جميع الأطراف من تركيز أكثر مباشرة على هذه القضايا. وهذا يترك مجالا هائلا للمواطنين – بشكل فردي وجماعي ايضاً – لتحديد أولويات (تميل حاليا نحو تفضيل واضح للقضايا الاجتماعية والاقتصادية، ولكن معنية بالأمن في نفس الوقت) لتضع جدول أعمال (والذي قد يطرح اسئلة أساسية حول من هو إسرائيلي ، ما هو جوهر اسرائيل والى اين تتجه). على جميع النواحي الهامة، لذلك، اذ ان الأسئلة حول من نحن وما الذي يقودنا تتشابك مع من يمكن أن يقونا الى هناك، ستكون الانتخابات حول ما يقرر الناخبين أن يسود ويحكم.

ما لا جدال حوله في هذه المرحلة المبكرة, هو أن العودة إلى صناديق الاقتراع هو أي شيء الا مضيعة للوقت أو مجرد اعادة طقوس مملة حيث تم تحديد النتيجة مسبقاً. على الرغم من أن الكثير لا يزال غير معروف ومبهم (الأحزاب الدقيقة، الشكل المحدد للحملة وقضاياها، إشراك المواطنين، ونسبة الاقبال)، من الواضح أن الانتخابات المقبلة – تتمحور كما تظهر في تعريف الهوية وقيم الوطن إسرائيل – قد تشكل إمكانية لتغيير بناء. كلما زاد الايمان بأن التغيير ممكن وكلما كان هناك أمل اكبر لشيء مختلف، كلما زاد الاحتمال بان تأتي هذه الانتخابات بمثل هذه النتيجة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.