منذ الأيام الأولى للصراع العربي الإسرائيلي، ارتبطت العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي ارتباطا وثيقا بالعلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين. على مر السنين، ظهرت معادلة استراتيجية بين إسرائيل والعالم العربي تفترض أنه لن يكون هناك أي تقدم في التطبيع بين الجانبين دون مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين نحو تسوية سياسية. أحد العناصر الأخرى في هذه المعادلة هو التهديد بأن أي أزمة خطيرة بين إسرائيل والفلسطينيين ستؤثر بشكل تلقائي على علاقات إسرائيل مع العرب، بل وقد تتسبب في تدهور حاد بين الجانبين.

بدأت تلك المعادلة الاستراتيجية القديمة تتآكل في أواخر السبعينيات، بعد أن أعطت مصر الأولوية لمصالحها الوطنية من خلال السعي إلى التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، على الرغم من عدم وجود مفاوضات إسرائيلية فلسطينية. لقد تسارعت وتيرة هذا النمط من السلوك العربي في السنوات الأخيرة. أصبحت سابقة الرئيس المصري أنور السادات السياسة الرسمية وغير الرسمية لمجموعة كبيرة من القادة العرب.

يمكن العثور على جذور هذا التغيير الدراماتيكي في بعض التطورات الاستراتيجية الجارية في الشرق الأوسط على مدى العقد الماضي: التهديد المتزايد لإيران في المنطقة التي يعتبرها العالم العربي السني التهديد الرئيسي، مما يدفعهم إلى رؤية إسرائيل كحليف إستراتيجي محتمل؛ التحدي الإسلامي من داخل الدول العربية والذي أجبرهم على التركيز على مشاكلهم الداخلية وطلب المساعدة الإسرائيلية من أجل إلحاق الهزيمة بهم؛ صعود القادة العرب الشباب الجدد الذين يشعرون بقدر أقل من الالتزام تجاه القضية الفلسطينية؛ تنامي خيبة الأمل العربية في مواقف وسياسة الفلسطينيين وقادتهم؛ وسياسة الرئيس ترامب في الشرق الأوسط، والتي تقوم على جهد تعزيز العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي السني.

التغيير في العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي يظهر في العديد من المجالات: زيارات رسمية لمسؤولين إسرائيليين كبار في الدول العربية (مثل زيارة رئيس الوزراء نتنياهو إلى عُمان في نوفمبر 2018)، اجتماعات غير رسمية بين كبار المسؤولين؛ التعاون المتنامي بين إسرائيل والدول العربية (خاصة مصر ودول الخليج)؛ وتوسيع النشاط الاقتصادي بين رجال الأعمال والشركات العربية الإسرائيلية. كل هذه التطورات تحدث ليس فقط في غياب التقدم في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، بل وايضا وسط أزمة عميقة بين الجانبين وفي ظل تصعيد محتمل في قطاع غزة والضفة الغربية.

على الرغم من هذه التغييرات، يجب ذكر بعض المخاوف الواضحة. الاعتبار الأول هو أن هذه التغييرات تقتصر على القادة والنخبة السياسية في العالم العربي، في حين لا يزال المواطنون العاديون وأصحاب النفوذ في الرأي العام يحملون عداء عميقا تجاه إسرائيل ويعارضون أي تعبير عن التطبيع. ثانيا، تعتمد التغييرات بشكل رئيسي على الظروف الحالية. سيؤثر أي تغيير فيها على العلاقات بين إسرائيل والعرب، على سبيل المثال تلاشي التهديد الإيراني أو تهديد منظمة الدولة الإسلامية، التغيرات الداخلية داخل الدول العربية، التغير المحتمل في الإدارة الأمريكية، وحتى صعود زعيم فلسطيني جديد بعد أبو مازن الذي قد يكون أكثر توافقا مع العالم العربي والمجتمع الدولي.

لذلك لا يزال لدى إسرائيل فرصة لتوسيع علاقاتها مع العالم العربي في العديد من المجالات، لا سيما الاستراتيجية منها والاقتصادية. في الوقت نفسه، من الواضح أنه لا يمكن الاستغناء كليا عن المعادلة القديمة، وأن إسرائيل لن تكون قادرة على تحقيق التطبيع الكامل مع العرب دون أي تقدم مع الفلسطينيين. من أجل جني أكبر فائدة من النافذة الحالية للفرص المفتوحة الآن في الشرق الأوسط، يجب على إسرائيل النظر في خطوات مثل هذه؛

إنشاء إطار للمفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين. حتى من دون التوصل إلى اتفاق في المدى القريب، يمكن أن تساعد تلك الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في الساحة الفلسطينية، بالإضافة إلى تسهيل محاولات القادة العرب لتطوير العلاقات مع إسرائيل؛

توسيع التعاون مع الدول العربية من أجل استقرار الوضع في قطاع غزة؛

تجنب أي تغيير في الوضع الراهن حول الحرم القدسي في القدس والذي يمكن أن يشعل الأجواء بين المسلمين والعرب؛

تطوير قنوات التواصل مع الجمهور العربي لتغيير صورته التقليدية والشعبوية لإسرائيل.

يمكن لهذه الخطوات أن تساعد في تمكين إسرائيل من تحويل الزلازل المأساوية التي هزت الشرق الأوسط على مدى العقد الماضي إلى فرصة ذهبية مشتركة لجميع شعوب المنطقة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.