حل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أزمة طالبي اللجوء الأفارقة في إسرائيل مرتين. ومع ذلك، فإنه لم يستطع حلّها بشكل جذري – مع ما يترتب على ذلك من عواقب سلبية بالنسبة للمهاجرين أنفسهم، وبالنسبة للسكان المقيمين في جنوب تل أبيب حيث يعيش معظم المهاجرين الأفارقة، بالنسبة لخيارات إسرائيل الأخلاقية وسمعتها، وأيضا بالنسبة لرفاهية المحكمة العليا، وحتى بالنسبة لنتنياهو نفسه، الذي تمكن من انتزاع الهزيمة في كل جانب من جوانب الأزمة.

إن الوضع الهزلي والمزري الحالي يصرخ من أجل تبني ترتيب صدقه نتنياهو نفسه بحق وفخر، لكنه رفضه على الفور بعد ذلك. يمثل هذا المقال نوع من التماس لرئيس الوزراء: إعادة التفكير في هذا الرفض السيئ الحكم.

جاء النجاح الأول من نجاحين لنتنياهو عندما أشرف على تحديث كبير للسياج الحدودي الإسرائيلي مع مصر. إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم الأول التي يمكن الوصول إليها عبر اليابسة من أفريقيا. عشرات الآلاف من اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين الاقتصاديين و/أو المتسللين قاموا برحلة شاقة – خاصة من إريتريا والسودان – في اتجاههم لإسرائيل، حيث انتشر القول أن هذا البلد كان في متناولهم. عندما حذر نتنياهو من أن إسرائيل يمكن أن تواجه تدفقا من سبعة أرقام، كان القلق واضحا. يبلغ عدد سكان إسرائيل أقل من 9 ملايين نسمة بنسبة 25/75% من اليهود/غير اليهود؛ كان من شأن دخول مليون طالب لجوء أفريقيين أن يحول هذا التوازن وأن يعيده بعمق مع مرور الوقت. منذ خمس سنوات، أدى السياج الحدودي الذي طوره نتنياهو إلى وقف تدفق المتسللين غير الشرعيين.

من النتائج الإيجابية الأخرى لتحسين السياج الحدودي وإيقاف التدفق أنه يحيد “معسكرات التعذيب” في سيناء في مصر. وصل حوالي 7000 من طالبي اللجوء إلى إسرائيل بعد اختطافهم وسجنهم وتعرضهم في العديد من الحالات للتعذيب على يد عصابات البدو، الذين أفرجوا عنهم فقط بعد ابتزاز الأموال من أقاربهم في إسرائيل أو بلدانهم الأصلية. (مثل هذه المخيمات تعمل الآن في ليبيا).

يحضر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو احتفالا بمناسبة استكمال الجزء الرئيسي من السياج الحدودي الإسرائيلي المصري المحدث، 2 يناير 2013 (Moshe Milner/GPO/FLASH90)

وجاء نجاح نتنياهو الثاني في وقت سابق من هذا الشهر، عندما كشف النقاب عن اتفاق معقول بشكل ملحوظ، تم التفاوض بشأنه مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لتبادل المسؤولية حول طالبي اللجوء الذين يتراوح عددهم بين 30,000-40,000 الذين دخلوا الحدود قبل اغلاقها. حوالي نصفهم، أعلن بارتياح كبير في مؤتمر صحفي عقده في مكتب رئيس الوزراء بعد ظهر يوم 2 أبريل، سيتم نقلهم إلى الدول الغربية – مثل كندا وألمانيا وإيطاليا، وبعض التقارير أشارت أيضا إلى الولايات المتحدة الولايات والسويد – بينما تمنح إسرائيل الإقامة المؤقتة للنصف الآخر.

كان الاتفاق بشكل واضح مربح للجانبين.

لم تنجح الجهود الرامية إلى إجبار طالبي اللجوء على المغادرة. وكانت المحكمة العليا قد جمدت محاولات طرد الرجال غير المتزوجين قسرا إلى أوغندا ورواندا، والتي لم تقتنع بإصرار الدولة على أنه لن يلحق بهم أي ضرر هناك. وأثارت إسرائيل التي تميل إلى طرد اللاجئين المحتملين قلقا شديدا للعديد من الإسرائيليين واليهود في الشتات وغيرهم من أنصار إسرائيل، وأصبحت القضية مادة لمناهضي الإسرائيليين في جميع أنحاء العالم. حقيقة أن هؤلاء كانوا من الأفارقة السود أضافت إلى احتمال الهجوم على إسرائيل. ويمكن تصويرنا على أننا عنصريين وعديمي القلب، ونكران حقيقة أن إسرائيل قد أنقذت من الحرب الأهلية من إثيوبيا عشرات الآلاف من اليهود السود وعملت على دمجهم.

كما قدمه نتنياهو، فإن الاتفاق ينص أيضا على استثمار الموارد لترتيب طالبي اللجوء الذين سيقيمون للحصول على عمل قانوني في جميع أنحاء البلاد، مع التدريب المهني. وبالتالي، فإنهم سيكونون قوة مساعدة وليس إجهادا اقتصاديا على الدولة، ولن يتركزوا بشكل كبير في جنوب تل أبيب. في هذه الأثناء، فإن تلك الأحياء الواقعة جنوب تل أبيب قد تأثرت بشدة بوصولهم – حيث أصبح بعض السكان المحليين أكثر معارضي لوجودهم – سيتم إصلاحها.

طالبو لجوء أفارقة في محاكاة لمزاد لبيع العبيد في إطار احتجاج ضد ترحيلهم من أمام وزارة الدفاع في تل أبيب، 3 أبريل، 2018. (Miriam Alster/Flash90)

كان هذا الترتيب مفيدا ماليا لدافعي الضرائب الإسرائيليين. قدرت هيئة السكان، التي تشرف على قضية طالبي اللجوء، أن التكلفة الإجمالية للترحيل إلى بلد أفريقي واحد أو أكثر ستبلغ حوالي 300 مليون شيقل (حوالي 85 مليون دولار)، وهو ما لا يشمل المبلغ المعلن عنه الذي يصل الى 5000 دولار لكل شخص قدمت إلى الحكومة الرواندية للمبعدين الذين قبلوا في الماضي. في ترتيبات المفوضية، سيتم استيعاب تكاليف إعادة التوطين من قبل الأمم المتحدة والبلد الثالث، وبأقل التكاليف بالنسبة لإسرائيل.

باختصار، فإن المهاجرين الذين يغادرون سيكون لديهم فرصة معقولة لحياة جيدة في الغرب المرحب بهم. أولئك الذين كانوا سيبقون هنا كانوا سيحصلون على وضع قانوني. الأحياء التي أخذت من الإجهاد سوف تنتعش. دافعو الضرائب سوف يستفيدون. وسيتم تخفيف مخاوف المحكمة العليا. المجتمع الدولي سوف يبذل كل جهده لحل الأزمة، وستعمل إسرائيل بشكل إنساني على تحمل نصيبها من العبء والمسؤولية.

لا عجب في أن نتنياهو، في المؤتمر الصحفي الذي عقده في الثاني من إبريل، وصف هذا الترتيب بأنه “أفضل صفقة ممكنة”.

عدا أنه ساعات لاحقا، جمد هذا الاتفاق. وفي اليوم التالي، ألغاه تماما.

الأشخاص الذين وصفهم “بالمهاجرين” في الليلة السابقة أصبحوا الآن “متسللين”، وفكرة منح بعضهم الإقامة المؤقتة والتدريب المهني، والحقوق الفرص العمل، أصبحت خارج النقاش.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مؤتمر صحفي يعلن عن اتفاقية جديدة للتعامل مع طالبي اللجوء في إسرائيل، في مكتب رئيس الوزراء في القدس، في 2 أبريل 2018.(Hadas Parush/Flash90)

لماذا ألغى رئيس الوزراء ترتيبا لم يكن بالإمكان الحصول على أفضل منه؟ بغض النظر عن مدى تأكيد المعارضة في بعض الأوساط على استيعاب أي مهاجرين أفارقة هنا، لم ولن يكن هناك أي احتمال بعيد لإسرائيل لإجبارهم على الخروج. حتى قبل إعلان خطة المفوضية، أعلنت إسرائيل أنها لن ترحل طالبي اللجوء، والأطفال (الذين لا يعرفون أي بلد آخر غير إسرائيل)، أو الرجال المتزوجين. قال شلومو مور يوسف مدير سلطة السكان لمراسلة التايمز أوف إسرائيل ميلاني لدمان في أواخر مارس/آذار أنه يمكن ترحيل نصف طالبي اللجوء فقط، أي نفس النسبة بالضبط التي كانت خطة المفوضية تستعد لإعادة توطينها في بلدان ثالثة.

National Insurance Institute head Professor Shlomo Mor-Yosef (photo credit: Miriam Alster/Flash90)

المدير السابق لمستشفى هاداسا البروفسور شلومو مور يوسف (بعدسة ميريام اليسير / فلاش 90)

الطريقة التي أخبر بها نتنياهو عن القضية هو أنه تم حثه على إعادة النظر بسبب اعتراضات من سكان جنوب تل أبيب. قال في منشور بالعبرية على فيسبوك عندما جمد الصفقة في مساء الثاني من نيسان، بعد ساعات قليلة فقط من إعلانها، “أسمعكم، وخاصة سكان جنوب تل أبيب. كل عام أقدم آلاف القرارات التي تفيد دولة إسرائيل والمواطنين الإسرائيليين. في بعض الأحيان يتم التوصل إلى قرار يجب إعادة النظر فيه”.

عضوة الكنيست في الليكود ميري ريغيف، مركز الصورة، محاطة بمؤيدين. (Yehoshua Yosef/Flash90)

ما حدث في الساعات القصيرة بين الإعلان السعيد والحركة المجحفة للالغاء كان بالفعل يتضمن اعتراضات صوتية من بعض السكان المحليين. لكن الأهم من ذلك هو أن نتنياهو تعرض لهجوم علني من خصومه السياسيين المتعصبين، ولا سيما من زعيم حزب (البيت اليهودي) نفتالي بينيت، وهجمة وسائل الإعلام الاجتماعية التي تضمنت قاعدة التصويت الخاصة به في حزب (الليكود). وفي عام 2012، ميري ريغيف – التي كانت آنذاك مجرد عضوة في حزب الليكود، واليوم وزيرة الثقافة ورئيسة وزراء محتملة – وصفت طالبي اللجوء السودانيين بأنهم “السرطان في أجسادنا” في خطاب ألقته في جنوب تل أبيب. اعتذرت ريغيف لاحقا عن البيان، وقالت أنه قد أسيء فهمها. لكن كان رد الفعل العنيف الذي وجد نتنياهو نفسه يواجهه مساء 2 أبريل كان على غرار “السرطان في أجسادنا”، من مؤيديه.

لا شك أن نتنياهو كان يعلم أن الرافضين الغاضبين كانوا على خطأ – حتى من وجهة نظرهم. حتى الآن كانت النتيجة الأكثر ترجيحا لإلغاء الاتفاق هي عدم طرد المزيد من المهاجرين من إسرائيل. مع ذلك، فإن نتنياهو قد داق في هذه الأثناء ـ في وقت قياسي.

هذا الأسبوع، بلغ الفشل الذريع ذروته المتوقعة. بعد التخلص من الصفقة الجيدة، حاول نتنياهو عبثا أن ينعش اتفاقا سيئا آخر. حيث أرسل مبعوثا إلى أوغندا لمحاولة إقناع السلطات هناك بقبول المهاجرين الذين سيطردون قسرا، وحاول إيجاد دول أفريقية أخرى لتستقبلهم. لقد فشل، وفي هذه العملية أحرج بعض الدول التي حقق فيها نجاحا في بناء العلاقات في السنوات الأخيرة، مما قوض هذه العلاقات.

في نهاية المطاف، لم تجد إسرلئيل نفسها أمام خيار سوى إبلاغ المحكمة العليا في جلستها الأخيرة، أن جميع عمليات الترحيل القسري للمهاجرين الأفارقة قد ألغيت. في الوقت الحالي، على الأقل، كلهم ​​باقون. بتكلفة إضافية أخرى لإسرائيل، فإنها تعتزم الآن إعادة فتح مركز الاحتجاز حولوت، لأولئك الذين من الناحية النظرية قابلين للترحيل إلى من يعرف أين.

طالبو لجوء يتظاهرون في مركز الاحتجاز ’حولوت’ في النقب جنوبي إسرائيل، 17 فبراير، 2014. (Ilia Yefimovich/Getty Images)

لكن المعركة لا تنتهي هناك. إن دماء الصقور المتجذرة، التي يقودها بينيت، باتت الآن أكثر تشددا في محاولة تقييد المحكمة العليا – هؤلاء القضاة المتدخلون الذين لديهم الغلبة لإبطال تشريعات الكنيست التي يعتبرونها غير ديمقراطية والذين أوقفوا خطة الحكومة الأصلية – خطة ما قبل اتفاق الأمم المتحدة – للترحيل القسري. في الوقت الذي ينشر فيه منافسه في التحالف الإنذارات، فإن نتنياهو ينحرف عن المسار ويتحول، مفضلا عدم الوقوع في التاريخ كالرجل الذي دمر القضاء المستقل لإسرائيل، بينما أيضا بلا هوادة يعمل لتجنب تنفير قاعدة الناخبين الثمينة التي تبقيه في السلطة.

وبالتالي، فإن الترتيب المربح للجميع عن حق وبحماس ولكن تم تبنيه من قبل رئيس الوزراء لفترة قصيرة فقط، قد تحول إلى نقطة تحول خاسرة بالنسبة لإسرائيل. مهاجرو جنوب تل أبيب ليسوا بذاهبون إلى أي مكان. المحكمة العليا تواجه الهجوم التشريعي. والسخرية الأكبر هي أن لا شيء من هذا يساعد نتنياهو، الذي يشمّ خصومه السياسيون رائحة الدم.

ولكن لم يفت الأوان بعد للقيام بما كان، وما هو حتى الآن، الشيء الصحيح.

ساهمت ميلاني ليدمان في هذا المقال.

طلاب من مدرسة بياليك ، في جنوب تل أبيب، والعديد منهم أطفال ملتمسي اللجوء الأفارقة، يحضرون عشاء ما قبل عيد الفصح في فناء المدرسة في 20 مارس، 2018. (Miriam Alster / FLASH90)

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.