هل الأسوياء فقط هُمْ الذين يتركون بصماتهم علي صفحات التاريخ؟
صفحات التاريخ تحوي في طياتها بصمات الأسوياء وأيضاً بصمات المجانين جنباً إلي جنب!
ينظر المجنون إلي شخص آخر أو مجموعة أشخاص ويصنفهم علي أنهم مجانين ولكن … يا تري مين المجنون؟

قد يُصاب شخص بخلل في وظائف العقل فيفقده الإدراك والتمييز، وهذا ما يُعرف طبياً بالجنون، وقد يكون الخلل مؤقتاً ويمكن شفاء المريض.

موضوعنا هذا لا يتحدث عن نُزلاء المصحات العقلية أي المرضي عقلياً، ولكن نتحدث عن مجانين من نوع آخر، أشخاص كانت سلوكياتهم الشاذة الغريبة سبباً في تصنيفهم علي أنهم مجانين، وبالرغم من ذلك تم تصنيفهم علي أنهم عظماء، مجانين ولكن حيروا العالم ببصماتهم التي تركوها علي صفحات التاريخ سواء أكانت سلبية أو إيجابية، البعض منهُم قدم إبداعات فنية أو علمية، البعض منهُم حكموا بلاداً وقادوا معارك، قد يكونون في نظر التاريخ والآخرين مجانين او مهووسين أو مرضي نفسياً، ولكن الأهم أنهم في نظر أعينهُم أنهُم أعقل العقلاء … يا تري مين المجنون؟

الفرنسيون أطلقوا عليه ” تشارلز المجنون” أنه تشارلز السادس ملك فرنسا، كان طبيعياً جداً في بداية حُكمه، ولكن بعد فترة بدأ ينسى، ليس عيباً أن ينسي، نسى اسمه بالكامل، نسى انه ملك فرنسا، ولم يعد يتعرف علي زوجته وأولاده.
أصيب فيما بعد بحالة غريبة برفضه عدم الإستحمام، أو تغيير ملابسه لمدة 5 شهور متواصلة، ثم تفاقمت الحالة المرضية بإعتقاده أن جسده مصنوع من الزجاج، فكان يرفض أن يقترب منه أي شخص حتي لا يتكسر جسده الزجاجي، ولذا كان يرتدي درعاً حديدياً في كافة تحركاته.
وبالرغم من ذلك كانت تبدوعليه مظاهر العظمة والخيلاء، وحكم فرنسا لمدة 42 سنه!

أحد مجانين العصر الحديث أثار جدلاً واسعاً بمقولته الشهيرة “تظاهروا كما تشاؤون ولكن لا تخرجواإلي الشوارع والميادين، وسنزحف بالملايين لتطهير ليبيا شبر شبر بيت بيت دار دار زنقة زنقة.”
أنه معمر القذافي الذي كان عبارة عن قنبلة موقوتة من الأحداث والغرائب والأفعال الغير مألوفة ينتظرها الناس للضحك والسخرية مما يقوم به هذا القذافي.
القذافي أنشأ نظاماً غريباً ليس له نظير في العالم علي الإطلاق، أنه ليس نظاماً جمهورياً ولا ملكياً وإنما مزيج من أنظمه قديمة وحديثة. في أوائل حكمه تنحي عن الرئاسة سنة 1977، وإكتفي بلقب “الأخ قائد الثورة الليبية،” ولكن هذا لم يغير وضعه بأنه الرئيس الأوحد للبلاد.
العقيد القذافي كان شخصية معقدة غريبة الأطوار لا تستطيع التكهن بتصرفاته لأنها غالبا ما تخالف معتقداته وأفكاره، ففي سنة 2008 عقد إجتماعاً لزعماء إفريقيا ووضع الترتيبات لكي يمنح نفسه لقب “ملك ملوك أفريقيا.”
من أفعاله الغير مألوفة والغير مقبولة، خروجه ليلقي كلمة أثناء إندلاع الثورة الليبية من ال”توك توك.”
وإرتداؤه ملابس غير مألوفة في المناسبات الرسمية وكأنه سيؤدي فقرة فلكولورية بأحد الأعمال الفنية.
أيضاً عند لقاؤه بالملوك والرؤساء في المؤتمرات والزيارات الدولية كان لا ينزل بالفنادق بل يقوم أتباعه وحاشيته بنصب خيمة لإقامته.
ومن أفعاله التي تعرضت للإنتقادات الشديدة هو إستخدامه فرقة نسائية لحمايته.
نعم أنه معمر القذافي وبالرغم من جنونه فلقد حكم ليبيا 42 عاماً أي أطول فترة لحاكم غير ملكي في التاريخ!

الفنان الرسام الهولندي العالمي المشهور فينسنت فان جوخ يُعتبر من أشهر فنانين ورسامين القرن التاسع عشر، وتُعتبر لوحاته من أغلي اللوحات في العالم، والجدير بالذكر أنه بعد مماته مُباشرة تم بيع لوحة “بورتريه الدكتور غاشيه” بمبلغ 82 مليون دولار أمريكي.
في حين أنه علي مدي حياته كلها لم يتمكن من بيع إلا لوحة واحدة فقط هي “الكرم الأحمر” مُقابل 400 فرنك سويسري أي ما يعادل ألف دولار أمريكي.

في الأيام الأخيرة من حياته قطع جزء من أذنه الشمال لكي يقدمه لحبيبته، ربما لأنه كان لا يملك أن يشتري لها هدية، وبعد ذلك بدأ يُعاني من مرض نفسي مما أدي به إلي دخول مستشفي للأمراض العقلية، وهناك رسم لوحته الأخيرة، “قيامة لعازر.”
أثناء تواجده بالمستشفي ربما إستبد به إحساس بعدم الجدوي من حياته فأنهي حياته بطلقة مسدس عام 1895 عن عمر 37 عاماً، وغُطي قبره بزهور عباد الشمس الحبيبة إلي قلبه.
هذا الفنان الذي يعتبره البعض مجنوناً رسم ما يزيد عن 2000 لوحة عالمية أشهرهم عباد الشمس، وتباع لوحاتة بملايين الدولارات، وأكبر مجموعة من لوحاته موجودة بمتحف يحمل إسمه في أمستردام بهولندا… ياتري مين المجنون؟

نيرون جلس في برج عالي يتسلي بمنظر حرق روما الذي خلب عقله فأمسك بآلة طرب ينشد عليها أشعار هوميروس التي يصف فيها حريق طرواده.
نيرون هو الأمبراطور الخامس من الأمبراطورية الرومانية، ذهب به خياله في أن يُعيد بناء روما، فكانت جريمته البشعه حرق روما سنة 64، نشبت النيران في قاعدة السيرك الخشبية، انتشر اللهب واستمر لمدة أسبوع، إلتهم عشرة أحياء من الأربعة عشر، النيران ترتفع وتتصاعد علي صراخ الأجساد وتفحم المنشآت ونيرون مستمتع … ياتري مين المجنون؟

منذ بدء التاريخ والتاريخ يُسجل حكايات، أشخاص كان لهم دور بارز في التاريخ، هُم في نظر أنفُسهم عظماء و أقوياء وعقلاء ولكنهم ينظرون للآخرين علي أنهم مجانين، أشخاص يُعانون من خلل عقلي وأمراض نفسية، مثل جنون العظمة والسادية ، أشخاص مجانين بالفعل نظراً لأعمالهم التي ضروا بها أنفسهم والعالم من حولهم، وعلي الجانب الآخر نجد الآخرين ومن وجهة النظر الإنسانية يصنفون هؤلاء الأشخاص كما الحال مع نيرون وموسوليني وهتلر وغيرهم علي أنهم مجانين … ياتري مين المجنون؟

في أيامنا هذه زادت حدة الجنون وأنتشرت عدوي الخلل النفسي والعقلي فأصابت الجموع وليس الأفراد فقط، فتجد مجموعات الدواعش والبوكو والأجناد والتررلي وغيرهم كثيراً، عقولهم محشية إرهاصات وخزعبلات فأصابتهم بالهوس والجنون مُعتقدين أنهم يفعلون الخير لأنفسهم ولإلههم، فأطلقوا ممارساتهم الجنونية في تكفيرهم للناس، والتفنُن في قتلهم وتعذيبهم، وإعتبارهم مجانين لأنهم لا يؤمنون بما هم يؤمنون، ولا يُفكرون كما هم يُفكرون!

هذه المجموعات تتلذذ بنشر الخراب علي وجه المسكونة، تتلذذ بتعذيب الناس وحرقهم أحياء وذبحهم وسحلهم وإغتصابهم وتشريدهم وتجويعهم بلا رحمة، لا فرق بين طفل أو شيخ إمرأة أو رجل، أنهم مجانين الهوس الديني والسياسي ويعتقدون أنه يجب التخلص من هؤلاء المجانين الذين لا يؤمنون بأفكارهم وأفعالهم … ياتري مين المجنون؟

أخي في الإنسانية كن حذراً، ربما تكون أنت المجنون وليس الآخر!
فلا تدين الآخرين بالجنون لأنك قد لا تعلم … مين المجنون؟

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.