آخر ما يريده نتنياهو هو الانتخابات. ولهذا السبب بالتحديد هو يهدد بتفكيك الحكومة بسبب المعركة على البث العام والتوجه بالإسرائيليين إلى صناديق الإقتراع بعد عامين فقط من الانتخابات الأخيرة. الغرض من هذه المناورة السياسية الأخيرة لرئيس الوزراء هو واضح وحقيقي: كسب بعض الوقت في منصبه بمساعدة أشد خصومه. في الوقت الحالي، يبدو أن نتنياهو، وهو من أسياد التلاعب السياسي، سينجح مرة أخرى – ما لم يكن بالطبع هناك شخص يملك الشجاعة الكافية لتحدي مناورته الأخيرة.

الأزمة الحالية تدور ظاهريا حول تصميم رئيس الوزراء على التراجع عن قراره (الذي دفع إليه نتنياهو بنفسه في ذلك الوقت) لتفكيك سلطة البث الإسرائيلية المتضخمة وغير الفعالة واستبدالها بهيئة بث عامة جديدة مبسطة ومستقلة. وزير المالية، موشيه كحلون – الذي لم يكن جزءا من الإئتلاف الحكومي عند وضع السياسة الأصلية وهو الآن المسؤول عن تنفيذها – يصر على افتتاح هيئة البث الجديدة في موعدها المحدد في 30 أبريل، وهو ما سيؤدي إلى الخروج القصري للتقاعد لمئات الموظفين أو فصلهم. نتنياهو يقدم نفسه الآن على أنه نصير سلطة البث القديمة – إلى درجة أنه على استعداد لتفكيك حكومته إذا لم يحصل على مبتغاه.

اكتسبت هذه الحملة مصداقية على الساحة العامة لإن رئيس الوزراء معروف بهوسه بالإعلام ورغبته في السيطرة على الطريقة التي يتم تصويره بها في وسائل الإعلام المختلفة (بالنظر إلى دفاعه المسجل باسمه عن صحيفته الممولة من رجل الأعمال شيلدون أديلسون، “يسرائيل هيوم”، والتحقيق الحالي الجاري ضده حول شبهات في عقد صفقة مع الناشر لمنافستها الرئيسية، يديعوت أحرونوت، في القضية التي تُعرف ب”القضية 2000”). وبالفعل، الكثير من المراقبين، الذين يشعرون بالحيرة من تصميمه على التضحية بكل شيء من أجل منع إطلاق بث الهيئة الجديدة، يعزون هذا العداء إلى هوسه في هذا الصدد.

لكن ما يتجاهلونه هو الطبيعة المصطنعة لهذا الصراع السياسي، الذي ما هو إلا سحابة دخان تناسب رغبة نتنياهو الجامحة في البقاء في السلطة. التركيز على الإعلام بخدم هذا الهدف في عدة نواح رئيسية. أولا، هو يقوض بذلك مكانة وزير المالية كحلون السياسية، الذي شكلت إستقلاليته وشعبيته شوكة في حلق نتنياهو منذ مدة طويلة. ثانيا، يمكنه ذلك من تحقيق ما ينتظره منذ فترة طويلة: إشراف مباشر على جميع وسائل الإعلام (وليس فقط نظام البث العام) من خلال تشريع جديد. وثالثا، التهديد بالإنتخابات بسبب ما يعتبره الكثيرون مسألة فرعية يقلل من احتمال إجراءها في المستقبل القريب.

لهذا السبب يفسر بعض المراقبين الأزمة الأخيرة على أنها وسيلة لتشتيت الإنتباه من التحقيقات التي تجري حاليا ضد رئيس الوزراء. بحسب هذا الرأي، تم تصميم حيلة نتنياهو الأخيرة هذه للتخفيف من انشغال الرأي العام المستمر في قضايا عدة متورط هو فيها – من ضمنها تلك المتعلقة بشبهات بخيانة الأمانة العامة (القضية 1000)، وسلسلة من القضايا المتعلقة ببعض صفقات الشراء المتعلقة بالبحرية الإسرائيلية من قبل بعض المقربين منه (القضية 3000). هذه النظرية قد تكون صحيحة بعض الشيء: التركيز على مستقبل البث العام نجح مؤقتا في إبعاد التحقيقات ضد رئيس الوزراء عن العناوين، لكنه لم يبعد هذه القضايا تماما عن اهتمام الرأي العام – ولم يمنع، لهذا الغرض، المزيد من الكشف عن أمور متعلقه بها. بما أن الانتخابات لن تجعل الشرطة توقف أنشطتها المختلفة في هذه القضايا، فإن ما نجح هذا التكتيك هو إعطاء نتنياهو ما يرغب به بشدة: بعض الوقت.

التهديد بالإنتخابات للتقليل من احتمال إجرائها في المستقبل القريب قد يكون بالتالي يدل على بذل مجهود مدروس أكثر من قبل رئيس الوزراء لربط استمرار بقائه في المنصب بالعلاقات التي تزداد تعقيدا بين إسرائيل وإدارة ترامب الجديدة في واشنطن. الآمال بالعمل مع رئيس أمريكي يظهر ودا خاصا للحكومة الحالية (لدرجة دعم أكثر نزواتها جنونا) تبددت بسرعة، حيث علق نتنياهو بين المطرقة والسندان. فمن جهة، تتم ممارسة ضغوط شديدة عليه من البيت الأبيض للإمتثال لطلب الإدارة الأمريكية بتجميد الإستيطان إلى الحد الأدنى لتشجيع استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين. من جهة أخرى، شركاؤه الرئيسيون في التحالف (وبالأخص نفتالي بينيت) يدعون إلى ضم كامل للضفة الغربية.
بالتالي، فإن التهديد بإجراء انتخابات جديدة يخدم مصالح نتنياهو المتعلقة بالسلطة جيدا. بالنسبة لخصومه في الإئتلاف الحاكم وفي حزبه، فكرة التوجه إلى انتخابات مع نتائج غير معروفة هو أمر يثير مخاوفهم أكثر من استمرار الوضع الراهن الغير مستقر تحت رعايته. من خلال حبسهم في الإئتلاف الحالي، يكسب نتنياهو بعض الوقت في واشنطن أيضا: هو يدرك جيدا أن أفضل طريقة لوقف المزيد من المطالب الأمريكية هو إثبات أنه غير قادر على اتخاذ أي قرارات ملزمة في هذه المرحلة بسبب القيود في السياسة الداخلية. بهذه الطريقة هو يربط الفشل في أهم قضية متعلقة بمستقبل إسرائيل ببقائه في السلطة – مدعوما بتأييد أكبر بكثير من الذي استطاع حشده في الأشهر الأخيرة.

من نواح كثيرة إذا، فإن أحدث المجازفات السياسية التي يقوم بها نتنياهو تخدم مصالحة الذاتية. فمن المتوقع أن يتمتع بنفوذ متزايد على وسائل الإعلام، وإضعاف منافسيه السياسيين، وكسب بعض الوقت مع تجنب النقاش العام بشأن اتهامات بارتكابه عدة مخالفات وهو في منصبه، وفي الوقت نفسه التأكيد على مركزيته كوسيط لا بديل عنه بين اليمين في إسرائيل وأهم داعم دولي لها، الولايات المتحدة، طالما أنه استمر في منصبه. وأفضل طريقة لفعل ذلك هي استدعاء شبح الانتخابات قبل المشككين فيه من داخل وخارج حكومته.

في هذه المقامرة ذات المخاطر العالية المخاطر والمكاسب العالية، من المتوقع أن يحقق نتنياهو مكسبا كبيرا. فقد نجح في إنتزاع التصريحات المعارضة لإنتخابات جديدة (الملفوفة بشكل مخادع بالمخاوف من تكلفتها الباهظة) من جميع الأحزاب السياسية تقريبا بإستثناء ملحوظ لحزب يائير لابيد “يش عتيد” – المستفيد المتوقع من العودة المبكرة إلى صناديق الإقتراع.

بحسب جميع إستطلاعات الرأي الأخيرة، من المتوقع أن يخسر حزب “المعسكر الصهيوني” أكثر من 60% من قوته إذا تم إجراء انتخابات قريبا – ومن هنا ينبع زحف يتسحاق هرتسوغ المحكوم عليه بالفشل إلى تشكيل حكومة بديلة في الكنيست الحالية. الأحزاب المتدينة تخشى من هذا الاحتمال: فهم سيفقدون ما تُعتبر بالنسبة إليهم حكومة الأحلام. حزبا “ميرتس” و”القائمة العربية الموحدة” غير مستعدين لمناوشات إنتخابية في هذا الوقت (على الرغم من أن بإمكانهما العيش مع هذه الفكرة). ليبرمان لا يوجد لديه ما يكسبه؛ كحلون من المتوقع أن يخسر ناخبين؛ وحزب “البيت اليهودي” برئاسة بينيت، الذي سيستفيد على الأرجح من إنتخابات مبكرة، يفضل التوقف في هذه المرحلة بدلا من الدعوة إلى تغيير لما هو بالنسبة إليه إئتلاف يخضع لأجندته الخاصة.

داخل حزب رئيس الوزراء، معظم أعضاء الكنيست الذين في آخر القائمة غير مستعدين لفكرة إجراء انتخابات مبكرة (فهم سيخسرون مقاعدهم) والخلفاء المحتملون ما زالوا يتشاجرون فيما بينهم في السباق ليلحوا محل نتنياهو. بالتالي فإن رئيس الوزراء جازف لتحقيق ما لم يكن قادرا مؤخرا على تحقيقه بأي طريقه أخرى: اعتماد واسع على استمرار فترة ولايته الطويلة أصلا.

في الوقت نفسه، يبدو أن نتنياهو تجنب أكبر كوابيسه: الإضطرار للترشح لإعادة انتخابه في الوقت الذي تكون فيه جميع الرهانات ضد تحقيقه معجزة أخرى في صناديق الإقتراع. بالفعل، أثبت نتنياهو مرة أخرى عبقريته السياسية – في قدرته على إقتراح الغير معقول لترويض معارضته الخاصة والخروج منتصرا من سلسلة من الاضطرابات السياسية التي أثارها بنفسه وصُممت لترسيخ قاعدة سلطته (مؤقتا على الأقل).

قد يخرج نتنياهو منتصرا على المدى القصير. ولكن قد يكون هذا الإنتصار هو القصاص الذي يستحقه. كل يوم آخر له في السلطة يقلل من شعبيته محليا، ويزيد من احتمال عدم قدرته على الصمود لموسم إنتخابي آخر. وكلما استمر أكثر في منصبه، كلما كانت الدولة أقل قدرة على التعامل مع المسائل الجوهرية المتعلقة بوجودها، مما يجعل من إرثه السياسي – الخالي من الرؤية والمضمون – تافها في أحسن الأحوال.

إسرائيل حاليا عالقة في الجو. نجاح نتنياهو الآن سيعني خسارة إسرائيل – ما لم يتغلب حتى أولئك الأكثر تضررا من مقترحاته بالتغلب على مخاوفهم الإستدلالية وتحديه بأن ينفذ تهديده لإثبات خداعه.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.