معبر كيرم شالوم (كرم أبو سالم)، وهو أهم نقطة دخول للسلع التجارية إلى قطاع غزة، كان يعمل بشكل طبيعي يوم الأثنين.

قد لا يبدو ذلك وكأنه دراماتيكيا، ولكن بالنظر إلى الظروف، فهو تطور غير عادي وغير متوقع.

من يوم الأحد، كان مسؤولون غير منتسبين للسلطة الفلسطينية يديرون جانب غزة في المعبر – أي بعبارة أخرى، أعضاء من حركة حماس.

كيف يعقل ذلك؟ منذ متى تتعاون حماس وإسرائيل التي تدير الجانب الإسرائيلي من المعبر بهذه الطريقة؟

هذه ليست المرة الأولى – ولن تكون الأخيرة – التي يتعاون فيها الجانبان المتنازعان من أجل تجنب تدهور الوضع الإنساني في غزة أو الحفاظ على الوضع الراهن.

فلسطينيون يتسلقون السياج الحدودي ​​على طول الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة، خلال اشتباكات شرق مدينة غزة، في 15 فبراير / شباط 2019. (Said Khatib/AFP)

لكن هذه المرة، لا يعود الفضل في التعاون إلى إسرائيل أو حماس، بل إلى أعداء حماس المريرين في السلطة الفلسطينية في رام الله.

بين عام 2007 وحتى نوفمبر 2017، منذ ان سيطرت حماس على غزة من السلطة الفلسطينية في انقلاب عنيف، تم تشغيل معابر القطاع المختلفة مع إسرائيل، بما في ذلك كرم أبو سالم، من قبل موظفي غزة الغير منتسبين للسلطة الفلسطينية، وهذا يعني أنهم تلقوا رواتبهم من حماس.

بعد اتفاق المصالحة الجزئية والمؤقتة بين السلطة الفلسطينية بقيادة فتح وحركة حماس في ذلك الشهر، عاد مسؤولو السلطة الفلسطينية إلى المعابر لإدارة جانب غزة من المعبر.

يوم الأحد، لأسباب لم تتضح بعد، خرج مسؤولو السلطة الفلسطينية من المعبر ولم يعودوا.

تدعي حماس أن الخطوة جزء من جهود السلطة الفلسطينية لمعاقبتها وكان القصد منها إغلاق المعبر الحيوي. في غضون ذلك، يشكو مسؤولو السلطة الفلسطينية من أن موظفيهم “طردوا” من قبل مسؤولي حماس الذين سيطروا على إدارة المعبر.

شاحنات فارغة من غزة تنتظر شحنها محملة بالبضائع (يسارًا) مع مرور شاحنات كاملة باتجاه غزة في الخلفية عند معبر كيرم شالوم بين إسرائيل وغزة في العام الماضي. (Tsafrir Abayov/Flash90)

في كلتا الحالتين، استمر المعبر في العمل بشكل طبيعي، بدون السلطة الفلسطينية كوسيط بين إسرائيل وحماس.

برز قدر كبير من التكهنات حول الأسباب التي دفعت السلطة الفلسطينية إلى ما يعتقد معظم المراقبين أنه قرارها (وليس قرار حماس) بإزالة موظفيها من المعبر. تقول إحدى النظريات إن هذا التحرك يأتي بعد قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي يوم الأحد الماضي بتطبيق قانون وقف تحويل الضرائب الصادرة في يوليو عام 2018 إلى السلطة الفلسطينية، بمبلغ يتوافق مع الذي تنفقه السلطة الفلسطينية على رواتب ومخصصات الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم.

تنظر إسرائيل إلى مثل هذه الخطوة، التي إمتنعت عنها طويلا بسبب مخاوف عدم استقرار محتمل للسلطة الفلسطينية، على أنها عادلة أخلاقيا. في النهاية، هذه الأموال هي بمثابة تعويض مالي مباشر على الهجمات الفلسطينية. لكن ليس من الواضح كيف تظهر وجهة النظر هذه مع سياسة الحكومة الحالية بالسماح بتحويل 15 مليون دولار نقدا من قطر إلى حماس كل شهر من أجل تفادي الهجمات الصاروخية النابعة من غزة – في سياسة دافع عنها المسؤولون على أنها تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار في غزة. أليس ذلك أيضا مكافأة مالية بحكم الواقع للهجمات القادمة من غزة؟ أو لنقول بشكل أوضح، حتى لو كانت تخفيضات التحويل هي سياسة عادلة، فهل هي بالضرورة سياسة حكيمة؟

تبلغ الميزانية السنوية للسلطة الفلسطينية حوالي 18 مليار شيقل (حوالي 5 مليارات دولار). يقل دخلها الضريبي عن 14 مليار شيقل (3.8 مليار دولار). وتبلغ مدفوعات السلطة الفلسطينية للأسرى نحو 500 مليون شيقل (138 مليون دولار) كل عام، أو ما يقرب من 3-4% من دخل الضرائب السنوي. إن خفض هذا المبلغ من دخل الضرائب في السلطة الفلسطينية، الذي تنقله إسرائيل على أقساط شهرية، سيكون له تأثير كبير على اقتصاد الضفة الغربية وعلى السلطة الفلسطينية، التي أصبحت على مر السنين جزءا حيويا من جهود إسرائيل للحفاظ على استقرار الوضع الراهن في الضفة الغربية.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الثاني من اليمين، في اجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني في مدينة رام الله بالضفة الغربية، في 28 أكتوبر 2018.(Abbas Momani/AFP)

حذر مسؤولون بارزون من فتح والسلطة الفلسطينية بالفعل من أن السلطة قد تقرر ببساطة رفض تلقي جميع الأموال من إسرائيل بما في ذلك الضرائب التي تجمعها إسرائيل من الفلسطينيين تحت حكم السلطة الفلسطينية. وقد يعني ذلك مصادرة السلطة الفلسطينية لمئات الملايين من الشواقل كل شهر – أي عدة مليارات سنويا، وربما تصل إلى ثلث الميزانية الإجمالية للسلطة الفلسطينية. قد يعني ذلك، بعبارة أخرى، الانهيار الفعلي للسلطة الفلسطينية.

عندما هددت السلطة الفلسطينية بالقيام بذلك في الماضي، كانت إسرائيل تتخبط في كل مرة، خوفا من حدوث تصاعد في العنف في حالة اختفاء السلطة الفلسطينية. لكن إسرائيل الآن في خضم انتخابات، حيث يمكن أن تجد الحكومة الحالية اليمينية نفسها عاجزة سياسيا عن الظهور وكأنها مهدِدة للتهديد الفلسطيني.

ما الذي يجعل حماس تسيطر على معبر كرم أبو سالم إذا؟ كيف ستؤثر التخفيضات في تمويل السلطة الفلسطينية على يد الحكومة الإسرائيلية وعلى الوظائف الأخرى التي تقوم بها حاليا الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، بما في ذلك التعاون مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية؟ وما هو تأثير خفض الميزانية على الوضع الأمني ​​في الضفة الغربية؟

الإجابات على هذه الأسئلة ليست واضحة بعد. ما إذا كانت السلطة الفلسطينية ستتابع تهديدها أو تعرج ساعية إلى البحث عن مصادر دخل أخرى، وما إذا كانت إسرائيل ستعكس قرارها قبل أو مباشرة بعد انتخابات 9 أبريل، أو سواء قررت أن تجازف مع السلطة الفلسطينية المتعثرة، وما الذي قد بقود إليه الترتيب الجديد من حيث الوضع الأمني، كلها أمور للمستقبل.

أحد المتظاهرين الفلسطينيين يركض بالقرب من الإطارات المحترقة خلال مظاهرة بالقرب من السياج على طول الحدود مع إسرائيل، شرق مدينة غزة، في 15 فبراير، 2019. تظهر سيارة عسكرية إسرائيلية على الجانب الآخر من السياج. (Said Khatib/AFP)

شيء واحد مؤكد، ألا وهو أن المشكلة تتفاقم.

يوم الأحد، عندما تخلى موظفو السلطة الفلسطينية عن المعبر، حولت حماس غضبها إلى إسرائيل، حيث جددت المظاهرات الليلية (بعد أن كانت أسبوعية كل يوم جمعة) والعمليات التي تقودها “الوحدات الليلية” على طول الحدود بين إسرائيل وغزة. في إحتجاج على الحدود، تم قذف عبوة ناسفة على قوات الجيش الإسرائيلي، ما أسفر عن إصابة جندي بجروح متوسطة، بينما أصيب 19 فلسطينيا بنيران الجيش الإسرائيلي. العلاقة الثلاثية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحركة حماس أكثر هشاشة من ذي قبل، ومن المرجح أن تزداد هشاشة في الأسابيع القادمة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.