كان ذلك قبل سقوط الثلوج، قبل ان تقوم العاصفة الشتوية التي حطمت الأرقام القياسية بتغطية منطقتنا بالكامل بالجليد وذكرتنا، من القدس إلى رام الله إلى خيام مخيم للاجئين السوريين، أن هناك قوى في الكون لا تزال أقوى من لهب الصراع بين البشر.

طوال اليوم في المفرق، وهو ركن فقير في الأردن تدفق إليه اللاجئين السوريين، قامت النساء بأخذي جانبا وبإعطائي عبائاتهم الخاصة. لقد لاحظن وجودي وسط عمال الاغاثة الذكور، وأمسكن بيدي وقاموا بأخذي جانبا للكشف عن الندبات على أعناقهن وبطونهن ومفاصلهن.

قمت بعبور الحدود الأردنية من اسرائيل في وقت سابق من صباح ذلك اليوم، في مهمة لتقديم تقرير عن المساعدات الإسرائيلية للاجئين السوريين. وكنت على استعداد لرؤية الجوع والتشرد، ولكن لم أكن أتوقع رؤية هذة الكمية من اللحم.

قامت امرأة سورية تدعى أسماء بالكشف عن شرخ على طول بطنها أعتقد بأنه كان ندبة من عملية قيصرية. “بيبي؟” سألتها، وقمت بطوي ذراعي لأبين لها صورة مهد خيالية للتعويض عن جهلي للغة العربية.

فقالت، “لا، ليس طفلاً”، ثم لوح أصابعها بشدة وقامت رفع ذراعيها فوق رأسها وقالت “بوم!”. وقالت بإخراج هاتف خليوي رخيص وأظهرت لي شريطً فيديو مؤثر يظهر فيه زوجها المتوفى يتلوى على الشارع في سوريا. لقد كانت واضحة تمامًا.

في مخيم صحراوي للاجئين السوريين الذين فروا من الزحام والمرض في خيم أكبر في الزعاتري ومريجب الفهود قامت فتاة في سن المراهقة تُدعى فردوس بجري إلى ركن شبه شخصي وراء شاحنة صغيرة وقامت بحذر بخلع حجابها. و اظهرت لي القليل من الكدمات الأرجوانية السميكة على صدرها. بدت هذه الكدمات كالتوت، من النوع الذي يسيل في الفطائر ويحول الخليط إلى اللون الأزرق، ولكنها كانت انفجارًا للأوعية الدموية. قلت لها في اللغة الإنجليزية أنني أود مساعدتها في العثور على طبيب، مع العلم أنها لا يمكن أن تفهمني، وذلك أعطاني ذريعة للكذب.

تم احتجاز المترجم الخاص بنا على الجانب الإسرائيلي من الحدود، والسبب فاتورة هاتف خليوي غير مدفوعة، وهذا شيء كاف في هذه الأجزاء لتجميد جواز سفرك. تعرض عمال الإغاثة الإسرائيليون للضغط نتيجة الوقت ومشيهم على خط رفيع في تعاملهم مع المجموعات الاردنية على الأرض . كنت شاهدة غير مختصة لمجمع نفاية من العدس المجفف ومنظفات الغسيل، مع عدم وجود المهارات الطبية والقليل من المفردات العربية. كل ما يمكن القيام به لهؤلاء النساء هو أن أكون شاهدة على جراحهن.

بعد ساعات، عندما كنت مرة أخرى في الجانب الآخر من الحدود في شقتي النظيفة والمضيئة في تل أبيب، بينما كنت أتناول الطعام الصيني على الأريكة ومشاهدة مسلسل “هوملاند” مع زوجي، بدأت بالتفكير بأجسام هؤلاء النسوة. كانت مهمتي اليوم الكتابة عن طرود الغذائية التي يتلقاها اللاجئون من إسرائيل، وقد قمت بجمع ما يكفي من المعلومات للقيام بذلك. ولكن هذا العري كان جامحًا، والأسوأ من ذلك كله، كان من السهل جدا تركه ورائي.

من السهل في اسرائيل الدخول الى السيارة وعبور الحدود، وفي غضون دقائق تجد نفسك في عالم بديل. بالنسبة للأميركيين، صدمة ثقافية مثل هذه عادة ما تستغرق الكثير من الوقت لاستيعابها. هنا، حيث يتم تدور الصراعات وتوضع الحدود فإن عناوين الأخبار في العالم موجودة على بعد مجرد مسافة قصيرة بالسيارة.

وسنحت لي الفرصة بالذهاب مباشرة إلى هناك. تم أخذي في إسرائيل في الساعة 6 صباحا في سيارة تابعة لعمال الإغاثة، وفي التاسعة صباحًا وصلنا إلى معبر بيت شان، تم التدقيق في جوازات سفرنا من قبل ضابط جمارك أردني بوجه عابس. ولم يكن وقت الغداء قد حان عندما قامت أسماء بفتح أزرار ردائها ، ورفعت قميصها لتريني بطنها. عند العشاء ، قد لا تزال فردوس وعائلتها قابعين في خيمتهم في رقعة في الصحراء الأردنية لا تظهر على الخارطة، يصرون بأسنانهم بسبب العاصفة الرملية في عصر ذلك اليوم، بينما كنت أنا في تل أبيب التهم حساء وونتون الصيني.

في أوائل أكتوبر، في حين تردد الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول ما إذا كان ينوي الانتقام من الرئيس السوري بشار الاسد لاستعماله الاسلحة الكيماوية ضد شعبه، جهزت تل أبيب نفسها. نحن نعرف أننا قريبون بما فيه الكفاية الأول من أننا سنكون الخط الأول للهجوم. فنحن جيب غربي في منطقة تتحول شيئًا فشيئًا إلى أكثر شرقية؛ كبش فداء في عرين ذئاب أثاره الربيع العربي. أنا أحب تل أبيب بمثابة دولة بحد ذاتها؛ مدينة من الشواطئ والبوهيميين والحانات غير-كوشير وهي ملاذي الخاص من الصداع الإسرائيلي والتي تدعوك إليها في اللحظة التي تصل ضواحيها.

لذا كان من المنطقي أن آخذ معي توتر الصراع السوري في الاردن إلى بيتي في واحة تل أبيب لعدد من الساعات. فهذه هي سخرية القدر هنا؛ لكي تعيش في تل أبيب، على المرء أن يطور جهله المتعمد من قبح في الشرق الأوسط. ولكن هذا ملاذ وهمي. بعد أن نظفت نفسي من قذارة هذا اليوم وانضممت إلى زوجي على الأريكة في تلك الليلة، ألقيت نظرة على الصناديق التي تحتوي على الأقنعة الواقية من الغازات في زاوية البيت.

لن نكون مضطرين لفتحها أبدًا، أكد لي عندما أحضرهم للمنزل بعد ساعات من الانتظار في طابور في مركز التوزيع. ويمكننا دائما أن نركض إلى الملجأ.

درهم وقاية خير من قنطار علاج، قلت له، لأن هناك راحة غريبة في الأمثال.

مع ذلك بدا لي عند عودتي إلى المنزل من الأردن أن صناديق الورق المقوى تلك تسخر مني. ظلت تل أبيب آمنة، وأقنعة الغاز لدينا مجرد كدعائم في حرب شخص آخر. وبقيت أنا مع الإدراك بأنني ذهبت إلى أن مخيم اللاجئين لأحضر معي قصة، ولكنني عدت بخفي حنين.

ربما كان السبب في ذلك هو خجلي من استلقائي في السرير في تلك الليلة، ومحاولتي جاهدة سماع صفارات الانذار من الغارات الجوية. من السهل أن أقول أنني كنت ببساطة قلقة بعد يوم طويل، ولكن أعتقد أن جزءًا صغيًرا مني كان يأمل في سماع ذلك. فصوت الجلجلة سيكسر صمت الليل مثل وجود شرخ في جميع أنحاء الجلد البشري.

ولكن بقيت الليلية هادئة فغطيت نفسي بالملاءات النظيفة وانتظرت النوم متمنية الغفران.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.