نفذت القوات الخاصة الأمريكية عملية عسكرية رفيعة المستوى في سوريا ضد أبو بكر البغدادي، مما أدى إلى مقتل الزعيم المرواغ لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش). إن اغتيال البغدادي يمثل ضربة رمزية كبيرة للتنظيم وكل ما يمثله، لكن لا يجب المبالغة في تقدير تأثيره. موته لا يعني نهاية داعش.

لن تتغير طريقة عمل التنظيم بشكل كبير، وستكون عملياته على الأرجح مقيدة بمشاكل عسكرية ومالية أكبر من موت رجل واحد. الآن، بعد تفكك إمبراطوريته الإقليمية، أصبح تنظيم داعش بالفعل فكرة أكثر من كونه حقيقة ملموسة، وبالتالي، فمن المتوقع أن يستمر في كونه، بشكل متغير، ابتلاء للغرب لسنوات قادمة.

السؤال الكبير الذي يجب طرحه في الوقت الحالي هو ما الذي سيحدث للفكرة الأكبر للجهاد السلفي؟ بعد وفاة أسامة بن لادن، ملأ تنظيم داعش فراغ القيادة الجهادية الذي نشأ حديثا. صعدت المنظمة إلى مستويات جديدة من الوحشية التي تجاوزت، من نواح كثيرة، التكتيكات التي استخدمها تنظيم “القاعدة” سيء السمعة.

لا يزال هناك العديد من الجماعات الجهادية المتنافسة الأخرى، مثل “تحرير الشام”، الناشطة في محافظة إدلب السورية، حيث قُتل البغدادي. وبسبب الضربات الجوية السورية والروسية، فإن قدراتهم محدودة، والأرجح أننا سنرى صعود منظمة أخرى، تقودها شخصية لا تقل كاريزماتية عن البغدادي، والتي من شأنها أن تدفع بأجندة متطرفة، قد تكون أكثر تطرفا من داعش، إذا كان هذا الأمر ممكنا حتى.

مقاتل من ’قوات سوريا الديمقراطية’ المدعومة من الولايات المتحدة يردد شعارات قبل التوجه إلى خطة الجبهة لمحاربة مقاتلين من تنظيم ’الدولة الإسلامية’ في معقل التنظيم في باغوز، سوريا، 14 مارس، 2019. (AP Photo/Maya Alleruzzo)

مع مكافأة قدرها 25 مليون دولار وضعتها الولايات المتحدة لكل من يدلي بمعلومات تقود إليه، كان البغدادي أكثر الرجال المطلوبين في العالم، وهو المسؤول عن قيادة تنظيمه العنيف على نحو مرعب نحو مذابح جماعيه للمعارضين، وتوجيه وإلهام هجمات إرهابية عبر القارات وفي قلب أوروبا.

في التحول عن أسلوب اختطاف طائرات وغيرها من الهجمات التي توقع إصابات جماعية والتي عرّفت تنظيم القاعدة، دعم البغدادي والقادة الآخرون في داعش أعمال عنف على نطاق أصغر يكون من الصعب على أجهزة إنفاذ القانون الاستعداد لها ومنعها.

لقد شجعوا الجهاديين الذين لم يتمكنوا من السفر إلى دولة “الخلافة” على القتل أينما كانوا، بأي سلاح كان بحوزتهم. في الولايات المتحدة، أعلن العديد من المتطرفين الولاء للبغدادي على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك امرأة ارتكبت مع زوجها مذبحة عام 2015 في حفلة بمناسبة موسم الأعياد في سان برناردينو بولاية كاليفورنيا.

على الرغم من أنه يُعتبر الى حد كبير شخصية رمزية لشبكة الإرهاب الدولي – متحدث باسم التحالف وصفه في عام 2017 بأنه أصبح شخصية “غير مهمة منذ مدة طويلة” – فإن القبض على البغدادي أو مقتله يُعتبر جائزة أرادتها مختلف الجهات الفاعلة في سوريا والعراق.

مقاتل من المعارضة السورية يقف عند حاجز في مدينة إدلب، شمال غرب سوريا، 13 أكتوبر، 2018. (Ugur Can/DHA via AP)

وُلد البغدادي، واسمه الأصلي إبراهيم عواد ابراهيم علي البدري السامرائي في عام 1971 في مدينة سامراء العراقية، واعتمد اسمه الحركي في وقت مبكر. بسبب نشاطه المناهض للولايات المتحدة، اعتقلته القوات الأمريكية في العراق وأرسلته الى سجن بوكا في فبراير 2004، بحسب مواقع إلكترونية تابعة لداعش.

تم إطلاق سراحه بعد 10 أشهر، انضم بعدها الى فرع تنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي. في وقت لاحق تولى السيطرة على التنظيم.

بعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في عام 2011، أطلق البغدادي خطة لإنشاء دولة خلافة إسلامية على طراز العصور الوسطى.

وقام بدمج مجموعة تُعرف باسم “جبهة النصرة”، والتي رحبت بداية بمقاتلين سنة معتدلين، الذين كانوا جزءا من الثورة المناهضة للرئيس السوري بشار الأسد، مع تنظيمه، الذي كان يُعرف بإسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، ورفضت القيادة المركزية لتنظيم القاعدة الاعتراف بالإستيلاء وانفصلت عن البغدادي.

استولى مقاتلو البغدادي على مساحات متواصلة من الأراضي في العراق وسوريا، بما في ذلك مدن رئيسية، وفي يونيو 2014، أعلن التنظيم عن تأسيس الدولة الخاصة به – أو “الخلافة”. أصبح البغدادي الخليفة المعلن للتنظيم الذي تم تغيير اسمه ليصبح تنظيم “الدولة الإسلامية”. تحت قيادته، أصبح التنظيم معروفا بارتكابه لمجازر مروعة وعمليات قطع رؤوس – قام عادة بنشرها على مواقع إلكترونية جهادية – وبالتزامه الصارم بتفسير متطرف للشريعة الإسلامية.

توغلات داعش أعطت التنظيم هالة لتنظيم لا يُقهر مكنته من تجنيد متطوعين من أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة وحتى إسرائيل. حتى قبل صعود إدارة ترامب إلى السلطة، كان من الواضح أن العثور على البغدادي هو مسألة وقت فقط، حيث عمل ممثلو قوى إقليمية ودولية جاهدين لتعقبه.

مقطع فيديو يُزعم أنه لإرهابي من تنظيم ’الدولة الإسلامية’ الذي قتل خمس مصلين خارج كنيسة روسية في 18 فبراير، 2018. (Screen capture: Twitter video)

على الرغم من أن البغدادي درس الإسلام في الجامعة الإسلامية في بغداد، إلا أنه لم يكن سلطة دينية معروفة. لقد قدم ببساطة نفسه كـ”خليفة” وطلب من المسلمين في جميع أنحاء العالم الإصغاء إليه.

وفقا ليورام شفيتسر، وهو باحث متخصص في المنظمات الجهادية في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، فإن “البغدادي قام بحسب تقارير بتعيين وريثا له، ولكن من الواضح أن لقب الخليفة الذي أخذه لنفسه (وهو ما رفضه خصومه في تنظيم القاعدة) لن ينتقل بالوراثة”.

وأوضح شفيتسر أن تخصيص البغدادي لقب “خليفة” لنفسه قوبل بالمعارضة بين جميع علماء الشريعة البارزين في حركة الجهاد السلفية، وأنه “حتى لو حاولوا تتويج خليفة جديد في داعش، فهذا لن يعني الكثير”.

إن معنى مصطلح “الخليفة” محدود للغاية هذه الأيام أيضا، بالنظر إلى إفلاس فكرة “الدولة”. يركز داعش في الأساس على البقاء وعلى تنفيذ هجمات إرهابية، لكن الدولة الإسلامية لم تعد موجودة وعلى أي حال، فإن وضع زعيمها أصبح أقل أهمية مما كان عليه الحال من قبل.

ساهمت في هذا التقرير وكالات.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.