إنتهت الحرب. على الأقل في الوقت الحالي، سيستغرق الألم الجماعي والفردي والألم في القلب لمئات العائلات الإسرائيلية وقتاً حتى يمتثل للشفاء. من دون إعتدال أكبر في صفوف قيادة حماس، لا أعرف ما الذي يستطيع الإسرائيليون القيام به لتحسين الحصيلة المروعة في غزة، ولكن ما هو مؤكد أن من مسؤوليتنا كمجتمع تسريع الشفاء على جانبنا من الحدود. للأسف، القليلون هم الذين يتحدثون عن الضحايا الأقل حظاً خلال الأسابيع الستة المنصرمة، والشعور بالأمان والإنتماء بين المواطنين العرب في إسرائيل، قد عانى من ضرر هائل خلال الشهرين المنصرمين.
مع إقراب عملية “الجرف الصامد” من نهايتها، وبداية عطلة عيد الفطر، بدأت بزيارة أصدقاء عرب عبر إسرائيل والتحدث معهم، بدا أن الغالبية المتعقلة والمعتدلة على الطرفين أكدت إلتزامنا بالعيش معاً، توقعت سماع إنتقادات غاضبة حول الحصيلة الإنسانية في غزة، وغياب المبادرة الدبلوماسية أو الرؤية من قبل حكومة إسرائيل. كانت الرسالة الرئيسية التي تلقيتها مع ذلك، مختلفة تماما. قال لي أصدقائي ببساطة: “لم يسبق لنا أن كنا أكثر قلقاً من العيش في إسرائيل كما هو الحال اليوم”.
قلق اليوم لا يتعلق بالشرطة الإسرائيلية أو الجيش، لقد تم تعلم الدرس من الأيام العنيفة في اكتوبر 2000، عندما قُتل 12 عربياً من مواطني إسرائيل في مواجهات مع الشرطة، وأثبت ذلك في الإدارة الفعالة والمعتدلة للموجة الأخيرة من الإحتجاجات، لا يتجاهل العرب الإسرائيليون هذا التقدم الباهر، بل خوفهم هو من اليهود الإسرائيليين العاديين، الذين يزداد عنفهم وعنصريتهم في تفاعلهم مع المواطنين العرب.
سيكون من الرائع لو تمكنا من اعتبار الخوف الذي لا يمكن تصوره، والمعاناة التي مر بها “محمد أو خضير” ابن ال-16 عاما، على أيدي قتلة يهود أصحاب دوافع أيديولوجية كحادث معزول، ولكن ظاهرة “القوزاق” اليهود بدأت قبل شهر يونيو مع إعتداءات “دفع الثمن” التخريبية.
خلال الحرب، تصاعدت هذه الكراهية إلى مستويات جديدة من الإعتداء الجسدي على المواطنين العرب، حيث تراوحت قصص لا حصر لها بين أعمال إساءة صغيرة، مثل البصق والتدافع البدني على نساء عربيات في الحافلات في حيفا، إلى المحنة التي مر بها “أمير شويكي” و”سامر محفوظ” من بيت حنينا، بضرب هذين الشابين اللذين يبلغان من العمر20 عاما حتى فقدا الوعي بقضبان حديد وهراوات بيسبول من قاطعي طرق يهود، عندما كانا ينتظران القطار الخفيف في القدس.
قال لي أحد الأصدقاء من الجليل أنه كان عليه أخذ زوجته وطفليه في اليوم التالي إلى طبريا، ولكنه قال بصراحة أنه للمرة الأولى بحياته، شعر بالخوف على سلامتهم. إنه لأمر مأساوي أن مخاوفه ليست بأمر غير عقلاني، فالكم الهائل من التهديدات السامة واللاذعة، التي تناقلها إسرائيليون عنصريون عبر وسائل التواصل الإجتماعي كافية لإثارة الرعب في نفس أي شخص يحب أطفاله.
في إستعادة للأحداث، ليس من المفترض أن أتفاجأ من الخوف الجماعي للأقلية العربية في إسرائيل. عندي طالبة مسلمة من الضفة الغربية التي لم تستجب لتوسلات والديها بالعودة إلى المنزل قبل إنتهاء فترة الإمتحانات، لقد شعروا بالقلق الشديد على سلامتها، معتقدين أن لباسها التقليدي يجعل منها هدفاً واضحاً، وفي نهاية المطاف اطمأنوا عندما علموا أنني سأوصلها من حرم جماعة بن غوريون الآمن مباشرة إلى منزلها في بيت جالا، لتجتب حاجتها إلى العبور من خلال محطة الحافلات المركزية في بئر السبع، على الرغم من أن رحلتنا مرت بمحادثة لطيفة، في إستعادة للأحداث، كانت هذه من أكثر اللحظات المخجلة بالنسبة لي كمواطن إسرائيلي.
ما الذي حدث لدولتنا اليهودية؟ كيف وصلنا إلى وضع نتسامح فيه مع معايير جديدة مشينة إتجاه الأقليات – كان معظمهم مخلصين بصورة مدهشة للدولة منذ قيامها، إن هذه الظاهرة مثيرة للسخرية بشكل خاص على ضوء الذعر من مستويات معاداة السامية في فرنسا، والقلق المتزايد في صفوف اليهود في أوروبا على سلامتهم، كم من السهل توجيه الإنتقادات الشديدة لفرنسا على لا مبالاتها في مواجهة إجحاف كهذا، ولكن كيف يختلف الوضع بالنسبة لنا نحن الإسرائيليين عندما يواجه مواطنينا العرب واقع لا يحتمل كهذا؟
كان لدينا في المجتمع اليهودي متعصبين ومجانين دائماً، ولكن تم حظر “مئير كهانا” من العمل في الكنيست، ورئيس الوزراء “يتسحاق رابين” وقف من على منصة الكنيست وقال للعالم: أنه كيهودي وكإنسان يشعر بالخجل من الإعتداء المشين الذي إرتكبه “باروخ غولدشتاين”. هل نقوم بما يكفي اليوم؟
من الحقائق الغير مريحة، والتي يجب أن تقال أن معظم أعمال الكراهية هذه – صغيرة كانت أم كبيرة – تأتي من أشخاص مرتبطين بمعسكر اليمين وعلى نحو غير متزن في اليمين المتدين، ومن الخطأ تماماً وصم قطاع بأكمله، ولكن ما هو صحيح أيضاً أن القيادة الدينية لم تفعل شيئاً يذكر لكبح جماح “الأعشاب الضالة” عندها، وعلى رأسهم القيادة الشابة والعنصرية.
تحت الضغط، إعتذر “نوعام بيريل”، الأمين العام ل”بني عاكيفا العالمية” عما نشره عبر صفحته على الفيسبوك: “أمة كاملة وآلاف السنوات من التاريخ يطلبون الإنتقام”. جاءت هذه الدعوة للإنتقام قبل أيام من جريمة قتل محمد أبو خضير، ويدعي بيريل أنه أسيء فهمه وأنه تراجع في نهاية المطاف، ولكن على كل الصهاينة أن يتساءلوا أي نوع من الصهيونية تقوم “بن عاكيفا” بتعليمها للجيل الجديد اليوم؟ حقيقة أن الكثيرين في القيادة القومية خرجوا للدفاع عنه، و”رص الصفوف”، ورفض الإنتقادات في الرأي العام بوصفها مبالغ فيها، ولا تشجع على المساءلة التي يجب على حركات الشبيبة غرسها في القيادة الشابة.
إحدى الوصايا الأكثر شيوعاً في الكتاب المقدس، والتي تظهر 36 مرة، هي إحترام المحرومين – وغير اليهود في وسطنا، للأسف لم تحصل ترجمة ذلك إلى إلتزام ذاتي، وعلى الكثير من الإنتباه في التربية الرسمية وغير الرسمية في إسرائيل. هذا مؤسف، لأنه يمكن لذلك أن يكون مختلفاً، وأظهر الوزير من “البيت اليهودي”، “نفتالي بينيت”: أن بإمكان الصهيونية اليهودية أن تكون مختلفة، حيث قام بجهود غير عادية في وزارته لتمكين النساء العربيات ودمجهن في سوق الوظائف، ولكن يفضل الكثير من الزعماء المتدينين التركيز على تفسيرات للشريعة اليهودية تشير إلى أن عرب إسرائيل لا يستحقون الحماية المتساوية.
إن الإساءة وإبعاد العرب الإسرائيليين ليست مشكلة قطاع واحد فقط، كل الإسرائيليين، وكلنا نتحمل مسؤولية تدهور الأحداث القبيحة في مجتمعنا، لأن الموجة الأخيرة من الشراسة هي ليست في الواقع نتيجة سياسة عامة، ولكنها من أفراد إسرائيليين بغيضين، ومهمة معالجة ذلك لا تقع فقط على صناع السياسية، فهي مهمتنا نحن جميعاً كذلك.
الشيء الأول الذي يتعين علينا القيام به هو تغيير الخطاب المحلي حول المواطنين العرب، لا ينبغي أن يكون هناك أي تسامح مع بيانات عنصرية فظة، وعلى اليهود التحدث ضد الأشخاص الذين يحرضون على الكراهية وضد الغوغاء – الذين يهتفون بشكل متواصل “الموت للعرب”، وتقديم شكوى في الشرطة ضد ظاهرة كهذه هو ليس مجرد مواطنة صالحة، بل هو “ميتسفاه” أيضاً- واجب ديني يهودي.
بإمكانكم أيضا التواصل على المستوى الفردي، إذا كان لديكم معارف عرب قوموا بزيارتهم، وقولوا لهم أن غالبية اليهود الإسرائيليين لا يدعون إلى الإنتقام، ولكن إلى المصالحة… نعم، إذهبوا للتسوق في سديروت، ولكن تمتعوا أيضاً بالأسعار المنخفضة في بلدة عربية، تعرض آلاف الأماكن العامة التي يلتقي فيها اليهود والعرب فرصاً لا تحصى للقيام بلفتات بسيطة.
وصحيح – بإمكان الحكومة القيام بالمزيد وعليها فعل ذلك، وينبغي أن يكون تنفيذ القانون ضد أصوات التحريض صارماً أكثر، وعلى القادة الإسرائيليين ألا يزورا فقط أسر الجنود القتلى، ولكن تخصيص الوقت أيضا للتشاور مع القيادة العربية الإسرائيلية. معا علينا التفكير بكيفية العمل بطريقة أفضل على إحتضان المواطنين العرب، وجعلهم يعرفون أن لديهم مكان في دولة إسرائيل.


,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.