بمجرد الإعلان عن توليه رئاسة شبكة الشرق الأوسط للبث MBN التي تضم قنوات الحرة وراديو سوا، وحتى قبل أن يتسلم رسمياً منصبه، انطلقت ضده العديد من الحملات المضادة والممنهجة التي تهدف إلى النيل منه وشيطنة صورته في العالم العربي والشرق الأوسط وكأنه شخصية غير معروفة في تلك المنطقة من العالم.

ولكن الحقيقة أن البرتو فيرنانديز الدبلوماسي الأمريكي السابق الذى عمل لفترة طويلة في بلدان مختلفة في ربوع العالم العربي والإسلامي بالإضافة إلى تحدثه العربية بطلاقة والمامه بآدابها وجمالياتها، كل هذه العناصر والعوامل جعلت من الرجل خبير محنك يمتلك خبرة نادرة عن المنطقة وظروفها ومكوناتها المختلفة؛ وهذا جعل منه ضيف دائم على كبرى الشاشات والصحف والمواقع العربية كهمزة وصل بين المنطقة العربية والولايات المتحدة، وجعلت منه شخص معروف لدى المشاهد العربي الذى تقابل معه عبر الشاشات والصحف وأستمع اليه من قبل العديد من المرات.

ولذا فالأمور والعوامل سابقة الذكر ستجعل من عملية شيطنته عملية ليست سهلة، ولذا كان يجب الدخول من مداخل وزوايا تتمتع بالقبول لدى المشاهد والمتابع في الوطن العربي، وفى ظل انتشار الأيمان بنظرية المؤامرة في الأوساط العربية، وجدت التيارات الظلامية من أنصار الإسلام السياسي والجماعات الإرهابية المارقة كحزب الله وجماعة الإخوان والتيارات الراديكالية الأخرى ضالته في ذلك المدخل واخذت تروج بأن فيرنانديز عدو للعرب والمسلمين وبانه في مهمة لتوجيه قناة الحرة للهجوم على الدين الإسلامي، وهذا كلام عار تماماً من الصحة فالرجل في مهمة يمكن وصفها بالمهمة الانتحارية لأنه ترأس قناة أخباريه كبيرة كان مقدر لها منذ إطلاقها في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ أن تصبح منارة ومنبر إعلامي متميز يقاوم حالة الاحتقان والتطرف التي بدأت في الانتشار في أوساط الشباب العربي نتيجة لغياب الممارسات الديمقراطية في بلدانهم واستغلال تيارات الإسلام السياسي الظلامية لتلك الأوضاع لنشر مزيد من التطرف والعنف الأمر الذى قاد العالم العربي إلى المشاهد المأساوية التي رأينها على مدى السنوات الماضية منذ اندلاع ثورات الربيع العربي الذى تحولت إلى حروب أهلية في بعض البلدان، وظهور تنظيم داعش، كل هذا كان نتيجة لغياب قيم الديمقراطية ووجود حالة من الشحن الإعلامي من قبل بعض القنوات والمنابر التي تبنت الجماعات الإسلامية المتطرفة من قنوات الإخوان إلى قنوات حزب الله وحماس.

وطيلة كل هذه السنوات الماضية كانت “الحرة” تغط فيما يخص ذلك المضمار في سبات عميق وشئياً فشئياً فقدت القناة بريقها وانخفضت نسبة مشاهدتها بالرغم من الإمكانيات الهائلة التي كانت متوفرة لها، ووسط حالة الاستقطاب الإعلامي في المشهد الحالي جاء الرئيس الجديد للحرة ليعلن انه بصدد إحياء الرسالة التي تأسست من أجلها القناة كمنافس قوى في المشهد الإعلامي العربي، في وسط حالة قوية من الاحتياج إلى مواجهة الفكر والإيدلوجية المتطرفة التي دمرت المنطقة وأمتد تأثيرها إلى العالم كله، بفكر منفتح وليبرالي لان الحرب على الأفكار والأيديولوجية المتطرفة يكون بتقديم الأفكار والإيديولوجية البديلة، عن طريق تبنى الأصوات المعتدلة والصحيحة لكشف الحقائق وتوجيه الضوء لكثير من المناطق المظلمة التي يعشش وينبت فيه التطرف والإرهاب، وأظهرت الحرب على الإرهاب بعد كل هذه السنوات أن الشق العسكري فيها ليس هو فقط الشق القادر على حسم هذه الحرب، بل هناك حاجة إلى الإعلام وصناعة الأفكار في ظل الدور الكبير الذى صارت تلعبه وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي تحديدا وتواجد القنوات عليها بصفحات يصل عدد متابعيها عشرات الملايين، مما دعي إلى الحاجة إلى تقديم محتوى ذو جودة عالية في تلك الوسائل لجذب عدد كبير من المشاهدين. وهذا هو الدور الذي يسعى فرنانديز لتطبيقه بتطوير المحتوى الذي يقدم للمشاهد العربي ليكون هناك مصدر ذو مصداقية وشفافية يمكن للمشهد العربي الحصول منه على معلومة سليمة بعيد عن القنوات الموجهة التي تعمل لحساب اجندات سياسية أو دينية، ولكن هذا ما لا تريده الجماعات الإرهابية والظلامية؛ لأنه سيقوض من تواجدها وسلطاتها التي تستمدها من المتاجرة بعقول الأبرياء المغيبين نتيجة لعملية غسيل الأدمغة التي تشنها عبر شاشتها ليل نهار.

بالرغم من دناءة موقف الإسلاميين هنا ولكن موقفهم مفهوم فهم في حالة من الصراع من أجل البقاء، ولكن غير المفهوم هو الموقف المصري من قناة الحرة بعد وصول فيرنانديز إلى رئاستها، ففي أغسطس من هذا العالم وقبيل ذكرى فض اعتصام رابعة نشر موقع البوابة نيوز الذي يرأسه عبد الرحيم على المقرب من أجهزة المخابرات المصرية، صاحب برنامج الصندوق الأسود. تقرير يفيد بان أمريكا تحرض ضد مصر، وجاء في هذا التقرير كلام أقل ما يوصف بانه من نسج خيال من كتبه، وهو أن الولايات المتحدة عبر قناة الحرة خصصت عشرات الملايين من الجنيهات لتمويل المعارضين في مصر على حد قوله، وأن رئيس القناة الجديد صرح في اجتماع له مع العاملين في القناة بانه يكره مصر والسيسي، وراح التقرير يلمح ويشير أن القناة تسير في نفس اتجاه الإخوان، ولكن أى شخص لديه ذرة من العقل لا يمكن أن يصدق او يتناقل هذا الكلام الكاذب والعاري تماماً من الصحة. مما دفع السفارة الأمريكية في القاهرة بإصدار بيان تنفى فه تلك الادعاءات التي جات في ذلك التقرير.

ولكن مؤخراً وقعت حادثة أخرى تعد غير مفهومة ولا مبررة، عقب نشر جريدة الأهرام الحكومية تقرير بعنوان “الحرة” الأمريكية.. دور مشبوه يستهدف نهضة مصر، ويعد هذا التقرير هذه المرة مؤشر خطير جدا لأنه يعتبر اتهام شبه رسمي من مصر للولايات المتحدة وقناة الحرة بانهما يريدان تقويض مصر والنظام الحالي. وهذا يفتح الباب أمام عدد من التساؤلات، فهل يمثل هذا التقرير المنشور في أكبر الجرائد الحكومية وجهة نظر الإدارة المصرية الحالية التي تعتبر نفسها حليف قوي لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فى حربه ضد الإرهاب والجماعات المتطرفة؟، فالرئيس المصري لا يترك مناسبة الا ويؤكد على أهمية الدور الأمريكي الداعم لمصر في حربها ضد الإرهاب وان العلاقات بين البلدين في هذه الأثناء تعد في أفضل حالاتها.

فاذا كان رأس الدولة يرى ويوصف علاقة مصر بالولايات المتحدة هكذا وأن الولايات المتحدة حسب تصريحات السيسي هي داعم رئيسي لمصر، فكيف تنشر المواقع والصحف المقربة من أجهزة المخابرات والصحف الحكومية مثل ذلك الهجوم على الولايات المتحدة وقناة الحرة متهمةً ايهم بمحاولة تخريب وتقويض مصر ودعم جماعات إرهابية؟، وهل هناك من يريد أن يفسد العلاقة المتميزة بين القاهرة وواشنطن في هذه الأثناء؟، بالطبع هناك الكثير من القوى الداخلية والإقليمية والخارجية التي لا يروقها أن تكون العلاقة بين القاهرة وواشنطن على ما يرام. ولكن لماذا لا نرى أي رد فعل رسمي وحكومي لنفى تلك التقارير والتصريحات التي وصل الحد لنشرها في الصحف الحكومية؟.

في النهاية يجب على مصر الا تسعى لتوتر في علاقاتها مع الولايات المتحدة في هذه الفترة ويجب أن تعلم ان الادارة الأمريكية الحالية وإدارة قناة الحرة الحالية لا يمكن ان يكونوا حلفاء للجماعات الإسلامية والإرهابية، ويجب على مصر ان تسرع بأخذ موقف رسمي لنفى تلك الخرافات التي نشرت على جريدة الأهرام الحكومية، حتى لا يعتبر ذلك موقف رسمي من الدولة المصرية، وحسب حديثي مع مصدر مطلع بواشنطن أن هناك حالة من الغضب في واشنطن نتيجة لتلك التصريحات وفى حالة استمرارها او عدم توضيح الغرض من نشرها في هذا التوقيت سيكون لها رد فعل عكسي. فلذا يجب على القاهرة التعامل باحترافية مع تلك المشكلة وأغلاق الباب أمام كل من يحاول الوقيعة بينها وبين واشنطن عبر بث الأخبار الكاذبة، والحرص على عدم خسارة أهم حلفائها في الحرب ضد الإرهاب، لأن العدو مشترك.

كاتب المقال باحث وكاتب سياسي مصري.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.