20% من سكان الدولة ليسوا يهودا، وديمقراطية إعلان الإستقلال تشملهم

ما لم يعد الكنيست إلى رشده في اللحظة الأخيرة، فإن إسرائيل على وشك التخلي عن مبادئها التأسيسية – ومعها سبب وجودها ذاته. قانون أساس: “إسرائيل: الدولة القومية للشعب اليهودي” المقترح، والذي من المقرر التصويت عليه في قراءة أخيرة هذا الأسبوع، يسعى إلى إعادة تعريف إسرائيل في قالب يهودي عرقي على حساب جميع مواطنيها، وبالتالي إعلان نهاية مبادئ الحرية والعدل والسلام والمساواة التي بشرت بها وثيقتها التأسيسية. لن تساعد أي إعادة صياغة أو مجرد تعديل في إصلاح الضرر الذي سيتسبب به اعتماد هذا القانون، وليس لصورة إسرائيل فحسب، بل لجوهرها ذاته.

لقد تم بذل محاولات لا حصر لها لوضع دستور كامل لدولة إسرائيل منذ تأسيسها قبل 70 عاما. وتعثرت هذه المحاولات في الوقت الذي فشلت فيه مسودات متتالية – وحتى نسخ لديباجة فقط – في حشد الحد الأدنى المطلوب من الإجماع. ومن ثم، لقد تم الاعتماد على سلسلة من قوانين الأساس التي تحدد هياكل وقواعد الدولة باعتبارها الإطار الدستوري الآخذ بالتطور لمواطني إسرائيل، مما يوفر معايير المراجعة القضائية والتشريعات الجارية.

على مدى السنوات الأخيرة الماضية، منذ طرح عضوا الكنيست آفي ديختر وزئيف إلكين لأول مرة مشروع قانون “الدولة القومية للشعب اليهودي” في عام 2011، تمت مناقشة بدائل عدة وتعديلها وفي نهاية المطاف التخلي عنها. لقد كان هدف هذه المسودات المختلفة تدوين الطابع اليهودي لدولة إسرائيل ومنح هذا الصك وزنا دستوريا. الآن يبدو أن رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو – بغض النظر عن الخلاف المستمر حول بنوده والوضع الأمني الغير مستقر – مصر على أن تؤتي هذه الجهود بثمارها هذا الأسبوع. فهو يقوم بممارسة ضغط مفرط على شركائه في الإئتلاف لإيجاد سبل للتوصل إلى تسوية حول الصيغ المتنازع عليها من أجل تبني مجمل قانون الأساس هذا.

إن المشكلة الأساسية في مشروع القانون بمجمله هي أنه لا يتناول سوى الطابع اليهودي للدولة اليهودية: فهو لا يذكر على الإطلاق أي أساس من أسسها الديمقراطية، أو روح المساواة التي أرشدتها منذ تأسيسها، أو خُمس سكانها من غير اليهود. في نهاية العقد الثاني من القرن ال21، يخطط الإئتلاف الحاكم للتراجع عن قيّم مكنت إسرائيل من الحفاظ على تنوعها الاجتماعي وحيويتها السياسية في مواجهة تهديدات مستمرة على أمنها.

ومع ذلك، بصورة تدريجية تم اجتذاب الرأي العام عشية التصويت (حتى في وقت كتابة هذه السطور) بالأساس إلى بعض أكثر البنود فظاعة في النص المقترح الذي ناقشته اللجنة الخاصة التي تم تشكيلها لصياغة النسخة النهائية من القانون. وتركز هذه البنود على عدة قضايا رئيسية، أبرزها الإذن الممنوح في صياغة الفقرة قبل الأخيرة من البند 7(ب) “للسماح لمجتمع، بما في ذلك مجتمع مؤلف من دين واحد أو قومية واحدة، بإنشاء مستوطنة مجتمعية منفصلة خاصة به”، وهو ما سيشرعن استبعاد المواطنين العرب في البلاد – الذين يشكلون 20% من مواطني الدولة ويملكون فقط 2.1% من أراضيها، من مئات المستوطنات المجتمعية اليهودية في تحد مباشر لأحكام مؤثرة للمحكمة العليا. وقد تعاني مجموعات أخرى من التمييز نفسه.

إن الصياغة المتقلبة لهذا البند، التي تم الاتفاق عليها في الأمس في مفاوضات بين نفتالي بينيت وبينيامين نتنياهو، ستجعل من الاستيطان اليهودي في الأرض قيمة قومية: “ترى الدولة في تنمية الاستيطان اليهودي مصلحة قومية وستتخذ خطوات لتشجيع وتعزيز وتنفيذ هذه المصلحة”. هذا التعديل اللفظي، الموجّه الآن بشكل أكثر وضوحا ضد العرب، يواصل صفعة من التعصب ويبقي على رائحة من العنصرية سيكون من الصعب التخلص منها.

هناك مشكلة مماثلة موجودة في الفقرة 7(ا) من مسودة القانون، التي تمكّن “كل مقيم في إسرائيل، بغض النظر عن الدين أو القومية، الحفاظ على ثقافته وتربيته ولغته وهويته”. وراء هذه اللغة المحايدة ظاهريا هناك احتمال حقيقي أن تمتنع مجموعات معينة (الحريديم على سبيل المثال) عن نقل التعليم الأساسي لأطفالها، وتواصل الممارسات الضارة تجاه النساء وغير المؤمنين، أو استبعاد اليهود السود أو الشرقيين والإفلات من العقاب. بالتالي فإن التعددية المجردة من التسامح والاحترام المتبادل قد تُمنح بسهولة حماية دستورية.

مشكلة أخرى تتعلق بخفض المكانة الرسمية للغة العربية – المحمية بموجب القانون منذ أيام الانتداب البريطاني. في النسخة الأخيرة من الفقرة 4 من “إسرائيل: الدولة القومية للشعب اليهودي”، ستُمنح العربية مكانة خاصة – ولكن فقط فيما يتعلق بالخدمات الحكومية. من الواضح أن ذلك لا يُعد ابتعادا عن الوضع الراهن فحسب، وإنما أيضا إهانة مباشرة لهوية وثقافة وتراث أكبر أقلية قومية في إسرائيل.

وهناك العديد من البنود الأخرى التي هي أيضا محل نزاع، من بينها المحاولة لإضافة عبارة “ديني” للفقرة المصيرية 1(ب) والتي تنص حاليا على أن “دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، والتي يحقق فيها حقه الطبيعي والثقافي والتاريخي في تحديد المصير”. غني عن القول أن العديد من الإسرائيليين العلمانيين يجدون صعوبة مع هذا التفسير، الذي يختلف عن الحقوق “الطبيعية والتاريخية” المنصوص عليها في إعلان الإستقلال. آخرون أعربوا عن تحفظاتهم بشأن الفقرة 3، التي تنص على أن القدس “الكاملة والموحدة” هي العاصمة لإسرائيل. وهناك المزيد من التحفظات التي ظهرت أيضا عند قراءة الفقرة 6، التي تسعى إلى تفصيل علاقة إسرائيل بيهود العالم (ولكن بإصرار من الأحزاب المتدينة، تستثني عمليا الغالبية العظمي من يهود الشتات، الذين يتبعون تيارات ليبرالية، من الحصول على مكانة رسمية داخل الدولة).

في الواقع، إن نظرة فاحصة على كل جملة من صيغة التشريع تثير انزعاجا – إن لم يكن خلافا تاما – لدى هذه الشريحة أو تلك في المجتمع الأسرائيلي. خلال الأسابيع القليلة الماضية فقط أعرب عرب ويهود، علمانيون ومتدينون، قادمون جدد ومواطنون قدامى، نساء ومستضعفون، يهود في إسرائيل والشتات، أشكناز وشرقيون، عن استيائهم من بعض بنوده.

وقد أعربت شخصيات عامة بارزة عن اعتراضها على مشروع القانون: من بيني بيغين وتسيبي ليفني ودان ميريدور (جميعهم أبناء لمؤسسي الليكود) وصولا إلى نتان شارانسكي ورئيس الدولة رؤوفين ريفلين اللذين يشاركان التوجه القومي نفسه (ولكن ليس الانحرافات المتطرفة فيه). وشكك حقوقيون في دستوريته وفي تداعياته ايضا. زعماء اليهود في العالم مارسوا ضغوطا ضد بعض بنوده. وأعرب الآلاف من منظمات المجتمع المدني والمواطنين عن استيائهم الشديد منه – حتى أنهم خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن استيائهم. وعلى الرغم من الغضب الذي أثاروه في الدوائر الحكومية، حذر قادة ديمقراطيون في أوروبا وأمريكا الشمالية بشدة ضد الخطوة، مشيرين إلى الضرر الذي لا يوصف لمكانة إسرائيل في العالم الديمقراطي.

إن قانون الأساس المقترح معيب ليس فقط في تفاصيله ولكن في مفهومه العام أيضا: إنه يمثل صورة ضيقة واستبطانية وإقصائية لإسرائيل تتعارض مع الرؤية المنفتحة للبلاد وتطلعاتها التي عبّر عنها مؤسسوها قبل 70 عاما. إن هذا تشريع متواضع ومشوش ومثير للانقسام بشكل استثنائي، بل ومدمر ذاتيا، سيضع على جبين إسرائيل وصمة عار سيكون من الصعب – إن لم يكن من المستحيل – التخلص منها في المستقبل المنظور. لا يمكن لأي قدر من الخوف أو الانتهازية السياسية أو التلاعب في مجريات الأمور أو انعدام الأمن تبرير فرض هذا القانون – تحت الإكراه الشديد – ضد رغبات أجزاء كبيرة من سكان إسرائيل وفي تحد لأسسها الديمقراطية.

لا يمكن بناء الهوية الإسرائيلية من خلال هذا التشريع المثير للجدل. فهي يجب أن تكون نتيجة جماعية للجهود المشتركة لمواطنيها. منذ عام 1948 حقق إعلان استقلال دولة إسرائيل، ذروة الحلم الصهيوني، هذا الهدف (على الرغم من أن الجهود المتكررة لترسيخه في القانون قد فشلت فشلا ذريعا). إن مشروع قانون “الدولة القومية للشعب اليهودي” ينتقص من هذا النص التأسيسي ومن أسسه الأيديولوجية. إنه يغير معالم إسرائيل ويقوض ديمقراطيتها – مصدر قوتها الرئيسي على مر السنين – ويفند مستقبلها. من أجل أن تبقى إسرائيل، في الواقع وفي الروح، وطنا قوميا للشعب اليهودي عليها السعي بكل طريقة ممكنة وبكلمات مؤسسيها إلى ضمان “المساواة الكاملة في الحقوق الاجتماعية والسياسية لجميع سكانها بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس” لأجيال قادمة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.