يحيط الكثيرُ من النقد حماسةَ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لبناء عاصمة إدارية جديدة (القاهرة الجديدة)، إذ تميل الانتقادات الفكرية والسياسية إلى تبني مواقف لا لُبس فيها: أنّ العاصمة الإدارية الجديدة ستوّلد عمراناً فوضوياً غير منضبِط؛ بادعاء أن فشل سياسات اقتصاد السوق التي اتبعها نظام مبارك، وتشكُّل المناطق العشوائية واسعة النطاق (وما صاحبها من مشاكل اجتماعية)، ما هي إلا دلائل على عدم الجدوى من العاصمة الجديدة. فلا حلّ، بالنسبة للنّقاد، إلا من خلال التدخل الحكومي المباشر والتخطيط الحضري “المنظَّم” للقاهرة القديمة، معتمِدين في ذلك على أمثلةٍ كثيرة من تجارب “فاشلة” في إنشاء عواصم جديدة (أمثال المكسيك، والبرازيل، وأجزاء من آسيا).

دعونا نفهم، بدايةً، مصطلح “المُدُن”، ونعطي تصوراً عن مستقبلها والدّور المحتمل للحكومات في تولّي شؤونها من عدمِه. فالمدينة سمةٌ أساسية من سمات الحضارة الإنسانية. وفي الواقع، فإن تعبير “الحضارة” يعني ضمناً: فن العيش في المدن؛ لا في أية أشكالٍ أخرى من المستوطنات البشرية (كالقرى أو البوادي). وقد ظهرت أولى المدن في منطقة الهلال الخصيب، قبل نحو 8000 سنة، وفي وقتٍ لاحق، برزت مدن أخرى في وادي السند وشمال الصين. ومن هنا، كان لظهور ونمو المدن دوراً مركزياً لدراسة قصص التنمية الاقتصادية، والثقافية، والبشرية.

تاريخياً، كانت الوحدة الأساسية للتحليل الاقتصادي المدن وما يحيطها، وليس “الأمة” ككل، والدليل أن الاقتصاد العالمي قد تبلور عبر نمو العلاقات التجارية بين هذه المدن. وقد لا يتفق معي معظم القراء في تحليلي الشخصي لنمو المدن ودورها التنموي، إذ أنني أخالفُ الرأيَ السائد بأن بروز المدن هي نتيجة طبيعية لتطوّر الزراعة (أي أن المراكز الحضرية لا يمكن أن تتواجد إلا إذا كان هنالك فائضٌ من الغذاء، القابل للتخزين، والذي تُنتجه الزراعة). وعندما نتعمق في اقتصاديات المدن، سنجد أنها سبقت الزراعة، من حيث التسلسل الزمني، وليس العكس! وقد تطورت الزراعة في التجمعات الحضرية، ومن ثم تم تصديرها إلى المناطق الريفية المحيطة بها. ونتيجة لذلك، سبقت التجارة النشاطَ الزراعي، وأدى هذا إلى ظهور مستوطناتٍ بشرية كبيرة؛ هي بدورها شجّعت على ظهور الزراعة (مع ملاحظة أن الدراسات والبحوث الأثرية في العديد من مدن العالم القديم تميل إلى تأكيد هكذا استنتاجات).

ستبقى نظرتي أعلاه (ظهور المدن قبل الزراعة) مثيرة للجدل، بلا أدنى شك، إلا أن الحقائق التاريخية ودور المدن في تبلور الاقتصاد العالمي، تدعم طريقة التفكير والبحث الجاد حول الاقتصاد العالمي، القديم منه والحديث. ومن هنا، لم أتفاجأ من طريقة تفكير الرئاسة المصرية حول “القاهرة الجديدة” والاقتصاد المصري ككل: فكرٌ ينظر إلى الاقتصاد القومي مكوَّناً من بعض الاقتصادات (أي مدن ضخمة لها صلات تجارية واقتصادية وثيقة مع أجزاء أخرى من العالم، أكثر مما هي عليه مع بقية أجزاء مصر نفسها، بسبب السّمات الأساسية للحياة المدنية والتجمعات التجارية الكبرى).

إن بناء عاصمة إدارية جديدة حول القاهرة، وأخرى تجارية عالمية حول السويس، وثالثة للأمن الغذائي العالمي في دمياط، لهو فكرٌ عمرانيّ يستحق المتابعة من محللي السياسات العامة؛ فكرٌ يرتبط بنظرة صانع القرار بالظواهر المدنية، من أساليب حكمٍ وإدارة، وتنوّع، وتعددية مجتمعية، والنابعة من صميم الحياة المدنية المتحضّرة، والداعمة للدخول في تجارب جديدة من أنماط حياة سياسية، واقتصادية، واجتماعية؛ إذ أن تجارب المدن المؤثرة، مثل اليونانية والصينية القديمة؛ والأموية الشرق أوسطية؛ والإيطالية إبّان العصور الوسطى وعصر النهضة؛ والهولندية في القرن السابع عشر؛ والبريطانية في القرن التاسع عشر، تعتبر كلها أدلة على مصطلح “المدينة الحيوية”: مدن تشكّل مراكزَ للتجارة، والتنوّع، والتفاعل البشري (هكذا، بالفعل، كانت مدن القسطنطينية، ولندن، وبغداد، ولاحقاً، الإسكندرية، والبندقية، وأمستردام، ونيويورك، وشنغهاي، وشيكاغو، وطوكيو، ومومباي، وسنغافورة، وهونغ كونغ، وتل أبيب، ودبي).

ما الذي ميّز المدن الحيوية أعلاه عبر الأزمنة؟ لقد كانت من أفضل أنواع التنظيم المجتمعي، متفوقةً بوضوح على المدينة-الدولة الإقليمية أو الإمبراطورية التوجُّه، كما أنها عكست واقع التفاعل البشري والبيئات التي تشجع على مجموعة متنوعة من التفاعلات الطوعية بين البشر وعالمهم الخارجي.

ماذا عن المدن المعاصرة، وإلى أين يسير بها المستقبل؟ المستقبل سائر، وعلى نحو متزايد، نحو تجمعات خاصة من المدن، تتمتع بحكم ذاتي، كوحداتٍ لها “حياتها” الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الخاصة. ومن هنا، ينبغي أن نولي اهتماماتنا لظاهرة بدأت تتشكل في الولايات المتحدة، وأستراليا، وإسرائيل، وأجزاء من أوروبا وأمريكا اللاتينية: نمو مجتمعاتٍ تدار من القطاع الخاص وشركات التأمين، ومن جمعياتٍ مشتركة. هذه الجماعات ستشكل الغالبية العظمى من المساكن الجديدة لمدن المستقبل؛ مما يجعلنا نتنبأ بمستقبلٍ تتخذ فيه هذه الكيانات الخاصة دورَ معظم وظائف الحكومات.

هذا النوع من المجتمعات سيختار بنفسه حكومته المحلية، عن طريق شركة مطوِّرة تقدم عروضاً للسكان حول سبل العيش، لا بل ستسألهم عن نسب الضرائب المتوخاة، وحال البيئة، لا بل ومعدلات الجريمة الأدنى! وإن فشلت الشركة في عملها، ستكون مضطرةً للرحيل، وبطلبٍ من سكان هذه التجمعات.

ولكن، ماذا سيتبقى للحكومات المركزية، من وظائف وأدوار، في مدن المستقبل؟ أعتقد بأنه سيكون هنالك وظيفتان أو ثلاث، لا أكثر: الدفاع، وإعادة التوزيع (مثل الرعاية الصحية)، والعلاقات الدبلوماسية الخارجية. حتى أن بعضاً من الشؤون القضائية والقانونية، كفضّ النزاعات بين ساكني مدن المستقبل (لا بل وإدارة السجون!)، سيتولاها على الأغلب القطاع الخاص.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.