كنت في الصف التاسع عندما كان الأديب محمد علي طه يتمشى في ساحة المدرسة في الاستراحتين اليوميتين، يلبس جاكيت بنيًا وبيده سيجارة مشتعلة دائمًا، فأقول له قرأت ما كتبت في زاويتك “مناقيش” بالاتحاد، وكان يبدي اهتمامًا برأيي الساذج والحالم. وفي تلك الفترة قرأت له كتبيًا عن قصيديّ الانتفاضة لسميح القاسم ومحمود درويش، وعملّنا أستاذي الذي أحبه جريس خوري قصة “اللجنة” لمحمد علي طه، ومنذ ذلك الحين وأنا أحبّ محمد علي طه إنسانًا وأديبًا، ومتابعًا لكل اعماله.

إتصل بي، قبل يومين، سائلا إذا كان لي مشوار إلى رام الله، وعندما أجبت بالإيجاب، طلب مني أن أجلب له كتابه الأخير الذي طُبع للتوّ من دار الشروق.

جلبت الكتاب، اوّل أمس، وفي طريق عودتي، سحبت كتابًا خاصًا بي، فإذا عنوانه “نوم الغزلان”، وكنت أعرف من أحاديثي مع أبي علي بأنه سينشر سيرة ذاتية وقد حدثني عنها وعن فصولها وشخصياتها بأكثر من لقاء، ولكني لم أعرف أنه اختار لها هذا الإسم الجميل الذي استوحاها من إصابة والده بالشلل نتيجة لمصادرة آخر قطعة أرض بقيت لهم بعد النكبة، فكان ينام بنصف عين، نائمًا يقظًا، وهذا الإسم الجميل للسيرة جماعيٌّ لمسيرة الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم، فلم يعرفوا النوم العميق، فقد حاذروا السلطات في أمور تُدبّر لهم بليْل.

رغم المشاغل الكثيرة كنت أقرأ الكتاب بين اجتماع وآخر بنهم شديد، ومع الانتهاء من كلّ فصل كنت أردّد يجب أن يعلّم هذا الكتاب في كل مدارسنا. لم أقرأ كتابًا أدبيًا يصف نكبة الباقين في وطنهم مثل هذا الكتاب! فمحمد علي طه ليس إبن ميعار المهجّر وحسب، وإنما لأنه أفضل كاتب فلسطيني يصف حياة القرية وأهلها، وقد وصفته، مرة، بالكاتب القروي، كما يُلقّب رشيد سليم الخوري بالشاعر القروي.

في كتب محمد علي طه لا تكون النكبة جماعية كما يقرأ الناس بالكتب وحسب، وإنما هي الإهانة اليومية، هي النوم بين الزيتون في الجليل الأعلى، فالجنوب اللبناني، ومن ثم في كوخ “ريمة المجنونة” المهجّر في سخنين، ثم الكوخ في كابول، وبعد عقدين تشتري العائلة بيتًا سعيدة به رغم أنه بدون بلاط ولا قصارة. النكبة هي فقدان طابته الملوّنة وموت أخته علياء التي لا يُعرف قبرها لأن ” قبور الغرباء وقبور الفقراء وخاصة الصغار تندثر” والنكبة هي الشلل الجسماني لوالده حزنًا على مصادرة آخر قطعة أرض في الوادي.

مقاطع من الكتاب التي ترسم مشهد العلاقات الاجتماعية وقلّة الحيلة تذكّر بـ”يوميات نائب في الأرياف” لتوفيق الحكيم. فمن النكبة والحكم العسكري ينتصب محمد علي طه وشعبه نافخين في رماد النكبة لينيروا طريق الكرامة الشخصية والجماعية والتعلّم والتقدّم بالحياة رغم طبقات الظلم على كاهلهم. ولعلّ قصيدة الحمة لأبي الطيب المتنبي التي حفظها الكاتب في الصف الرابع، تصف هذه الجماهير المتبقي في وطنها والتي عانت الحمّى في العام 1948 وبرايات الحكم العسكري ولكنها:
يقول لي الطبيب أكلت شيئا وداؤك في شرابك والطعام
وما في طبه أني جواد أضر بجسمه طول الجمام
تعود أن يغبر في السرايا ويدخل من قتام في قتام
فإن أمرض فما مرض اصطباري وإن أحمم فما حم اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام
ولا شكّ أنني قرأت الكتاب في مرحلة كنت أتأمّل بها تقدّم المهجرين بالحياة، فقبل أسبوع شارك في عرس المحامي جواد أبو الهيجاء المهجّر من قرية الحدثة، فقلت لصديقيّ سلام وحازم: أُنظرا إلى هذا المشهد، رغم أعداء الحياة فهذا الجمهور الكبير من العمال والأطباء والمحامين وموظفي الهايتك تحيي الأرض أقدامهم بالدبكة الشمالية ويضجّون انتماء وفرحًا وحياة.

محمد علي طه هو المثقف العضويّ، كقول غرامشي، فهو أديب وقارئ نهم، ويخوض غمار الحياة السياسية خطيبًا، مثورًا وحاضًا على النضال، صانعًا ومشاركًا للمناسبات الوطنية، وأذكر اهتمامه البالغ بإنجاح مسيرة العودة الأول قبل عشرين عامًا في صفورية، وهو يهتم بأدق التفاصيل، يقابل كبار الصحفيين الإسرائيليين حول النكبة بصفته رئيس لجنة إحيائها شارحًا بوطنيته الصميمية ومسؤوليته العميقة عن غوْر الجرح وآفاق الالتئام.
أعرف الكثير مما ورد بالكتاب قبل قراءته، نتيجة لجلساتي الطويلة وسفري المتكرر مع أبي علي، وهو المتحدث اللبق الأخّاذ كما هو الأديب، ولكن قراءة الكتاب كاملا تقدّم لوحة تفصيلية وشمولية.

أبو علي منحاز لانتاجه الأدبي ويعتبره سيرته الذاتية الحقيقية، كما ورد في المقدمة، ويعتبر “المقالة زوجتي والقصة عشيقتي” كما جاء عنوان الفصل الأخير، ولكن هذا الكتاب هو أيضًا أدبه، ولكنه أكثر من ذلك فهو مسيرة شعب أصرّ على أن يخبئ الضاد في كيس الطحين حين لاحقوا هويته وانتماءه، وتجاوز هذا الشعب المليون ونصف نسمة يحيون الأرض انتماء ونجاحات.

وينُهي أبو علي سيرته بقولة البسيط والعميق في انتمائه: “أنا واحد منكم وقلمي مسخّر لكم. أنا لكم وأنتم لي فاسمحوا لي أن أقبّل جباهكم وأبوس عيونكم. وتصبحون على خير ومحبة!! وشكرًا لكم”.

أدعو من يقرأ هذا أن يقرأ هذا الكتاب الشخصيّ الجماعي، فبه يقوى الانتماء ويتعزّز التقدير والحب لشعبنا الذي يستحق.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.