بعيداً عن لغة التجريح والنّقد الهدّام ، ومن منطلق الإيمان بأنّ الحوار الإيجابيّ البنّاء هو الأسلوب الأفضل للسّير بنا قدمًا، يسلّط هذا المقال الأضواء على الأبعاد الثّقافيّة، الاجتماعيّة والسّياسيّة لما حدث في ساحة مقام النّبي شُعيب عليه السّلام في الأسبوع الماضي، بهدف تقديم وجهة نظر صريحة للقيّمين على المقام، وإطلاعهم على التّغيّرات الّتي حدثت في السّنوات الماضية في داخل الطائفة، تحديدًا في حال كانت لديهم نوايا مستقبليّة للسّماح بقيام فعاليات من هذا النّوع.

لعرض العسكريّ الّذي أُقيم في ساحة مقام النّبي شعيب عليه السّلام في الأسبوع الماضي هو بمثابة عمل غير محبّذ تتوجب إعادة النّظر في أبعاده السّلبيّة. فالعرض،وقبل كلّ شيء،يتناقض بشكل كلّيّ مع المساعي المحمودة الّتي شهدتها الأماكن المقدّسة بشكل عام، ومقام النّبي شعيب بشكل خاص في السّنوات الأخيرة، من مستوى إعماريّ لائق، وساعات زيارة منظّمة، والمحافظة على الهدوء والنّظافة، وزيارة الضّريح بلباس محتشم. وبهذه المناسبة لا يسعنا إلّا أن نشكر العاملين على تقديم هذه الخدمات في مقاماتنا المقدّسة، والقائمين على تقديم الدّعم، وعلى رأسهم أعضاء المجلس الدّينيّ ورئيسه الشّيخ موفّق طريف، وهو الّذي شهد عهده موجة إعمار باهرة جعلتنا جميعاً فخورين بهذه الأماكن وبالانتماء إليها.

العرض العسكريّ يتناقض مع الأجواء الرّوحانيّة الّتي يجب على المقام أن يومّنها للمشايخ الزّائرين والّذين حضروا للاختلاء وتلاوة الصّلوات والتبرُّك.كما أنّ مثل هذه العروض تتناقض مع الأجواء النّفسيّة المريحة الّتي يجب أن تومَّن للزّائرين الهاربين من مشاكل الحياة ومصاعبها ومن شتّى الأوضاع السّياسيَّة، وحضروا بعائلاتهم إلى هذا المكان الجميل لقضاء ساعات بأجواء مريحة .

هذا العرض العسكريّ هو بمثابة خرق لاتفاقيّة لربّما غير مصادق عليها بين موالين ومعارضين لمظاهر عسكريّة في المقامات الدّينيّة.فقد وافق المعارضون للعروض العسكريّة عليها طالما أنّ الأمر كان بمثابة احتفلات رمزية تعرف بمناسبة “حلفان اليمين”،ولكنّها في الحقيقة ليست بأكثر من لقاء للجنود مع الأقارب، وتمنيّات روحانيّة لإنهاء فترة خدمتهم العسكريّة بسلام.

العرض العسكري الّذي شهده المقام يضع أبناء الطّائفة عبر الحدود في مواجهة اتّهامات خطيرة هم في الغنى عنها في ظلّ ” الخريف العربي” الّذي تحوّل إلى معارك دينيّة دمويّة وتحديدًا في سوريا وأين يقطن الآلاف من أبناء طائفتنا. ناهيك عن معرفتنا بأنّ هنالك أوساطًا واسعة مهتمّة بنقل صورة غير صحيحة عن دورنا المسالم، ووضعنا في مقدّمة الصّراع الإسرائيليّ العربيّ.

جميع هذه الادعاءات قد تبدو هامشية حتّى قبل بضع سنوات،وعلى الأرجح كانت ستتم مناقشتها بشكل مُختلف، في عهد كان الصغير يحترم فيه الكبير والجاهل يعترف بمنزلة أهل الدين، حيث لا يُسمح بالتطاول على قيادتنا الدينية حتى في حالة اختلاف وجهات النظر، باعتبارها المرجع الأول والممثل الشّرعي، وأي تطاول عليها هو بمثابة تطاول على كل فرد في المجموعة.

وتحديدًا قبل ظهور مواقع الأخبار الإلكترونية والتي يتعامل الجزء الأكبر منها مع قضايانا الملحة بشكل غير موضوعي، تقودها نخبة من الصحافي ينغير الموضوعين، تتحلى كتاباتهم بتقييم ضيق لهذه القضايا بأسلوب تغلب عليه الذاتية والتهجم الشخصي من منطلق النفعية والمادية، حيث يقود ذلك لإحباط الكثيرمن العاملين على رفع المستوى الاجتماعي الثقافي والإنساني.
والمثير أن هذه المواقع والشبكات الاجتماعية أصبحت منصة لأفراد ومجموعات، أخذت من النّقد الهدّام والتّعامل المستمر مع النّواقص الموجودة بيننا مرجعيّة ومصداقيّة لوجودها، وذلك بالرّغم من غيابها عن تقديم أيّ خدمة للمجتمع سوى معاتبة العاملين على تقديم الخدمات له، متناسية للحظة بانّه لا يوجد أي عمل جماهيري خال من النواقص، وأن كل عمل يحمل في طياته أبعادا ايجابية وسلبية فالكمال لله وحده عزل وجل.
هذه التطورات تحتم علينا التعامل بشكل حذر مع مؤساستنا الرسمية كالمجلس الديني، المحاكم الدينية وتحديداً المقامات وابقائهم خارج دائرة الصراعات السياسية، ليبقوا مرجعية مقبولة لجميع الاطراف، الأمر الذي يزداد أهميّة في ظلّ التّعدّديّة السّياسيّة الّتي أصبحت تميّز أبناء الطّائفة الدّرزية في السّنوات الأخيرة. وهو ما ينعكس في مواقف ووجهات نظر مختلفة اتّجاه مواضيع سياسيّة مركزيّة في حياة المجموعة، من بينها علاقة الطّائفة مع مؤسّسات الدّولة،الصّراع الإسرائيليّ العربيّ وموقف مجموعات مختلفة اتجاه التحولات الأخيرة على الساحة السياسية في المنطقة، وفي حين نجد قوى سياسيّة متعاطفة مع أراء سياسيّة من أقصى اليمين، نجد في المقابل قوى سياسيّة في أقصى الشّمال.

وأخيرًا اسمحوا لي أن أتقدّم باسمكم جميعًا بالشّكر والتّقدير للقيّمين على مقاماتنا المقدّسة وعلى كلّ ما يقدّمونه من ساعات عمل وتضحية من أجل الحفاظ على النّظافة والهدوء للزّائرين من بيننا، والّذين جعلوا من هذه الأماكن مراكز نفتخر بها. والأهم من ذلك النّهج الحضاريّ الذي أدخلوه في التّعامل مع هذه الأماكن من خلال قواعد وتوجّه حضاريّ.
المقالة مهداة لذكرى المرحوم الشيخ أبو منصورحسن طافش صاحب الملقى الطيب والكرم وقيم مقام النبي الشعيب على مدار ما يقارب ثلث عقود وحتى وافتة المنية عام 1997.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.