لستُ أتحدث هُنا عن العربية أي السيارة.
لستُ أتحدث هُنا عن العربية أي اللُغة العربية.
ولكن ساأتحدث هُنا عن ..

كُنتُ في جلسة بأحد المقاهي، مع مجموعة مِنْ الأصدقاء، خليط بين العرب والأجانب.

حضرت رغدة، أخت حبيبة مِنْ لُبنان لتُشاركنا الجلسة، ومُجرد ما إنتهت مِنْ تعريف نفسها وأنها لبُنانية، نطق ستيف الإيطالي الجنسية وقال لها: “يعني عربية أيضًا!”.

تَلًون وجه رغدة الأشقر بالحُمرة، واحتدت في لهجتها قائلة: “اللبنانيين ليسوا عربًا!”.
وتَشَجع سَرمَد وقال: “والعراقيين ليسوا عربًا!”.
وقالت ميريت: “والسوريين ليسوا عربًا!”.
وضحكت أنا وقلت: “والمصريين ليسوا عربًا!”.

هب ستيف واقِفًا يدُق المنضدة بيده قائلاً: “لما أنتُم كُلكُم لستُم عربًا، يبقي أنا اللي عربي!”.
طيب وإنت يا ست ليديا، لما اسم بلدك “جمهورية مصر العربية”، تبقي عربية ولا .. لا، يا متعلمة يا بتاعة المدارس!

ضجت المجموعة بالضحك ولكن ستيف لم يتنازل عن حقه في معرفة هذه المُعضلة!

قال جميع الحضور: نحن مشرقيون، نحن روميون وسريان وكلدانين وأشوريين وأقباط، نحن أهل المشرق سُكانه الأصليين، نحن لسنا عربًا، وكفي إغتصابًا وتزويرًا للتاريخ.

لستُ أدري ما الحِكمة في أن تكون أسماء بعض دول الشرق الأوسط مُذيلة بكلمة “العربية”؟!

فالهوية ليست لها علاقة باللُغة، وليست لها علاقة بالعقيدة، وأيضًا ليست لها علاقة بالإستعمار والغزوات أو الفتوحات!

الشعب الأمريكي يتحدث الإنجليزية، واسم بلدهم الولايات المُتحدة الأمريكية وليس الولايات المتحدة الأنجليزية.
وأيضًا كل الدول الناطقة بالإنجليزية لا تذيل أسماء بلادهم بكلمة “الإنجليزية”!

تركيا وإيران وأفغانستان وباكستان يُعتبرون دولاً إسلامية، والعربية لغة القرآن الذي يؤمن به المسلمون، وبالرغم من ذلك لم تُذيل أسماء بلادهم بكلمة “العربية”!

قامت دول علي دول، وأحتلت دول دولًا أخري، واستعمرت شعوب شعوبًا أخري، ولكن بقيت أسماء الدول التي تم إستعمارها كما هي ولم تُذيل باسم الدولة المُستعمرة.
إحتلت فرنسا مصر في فترة من الفترات، ولم تُسمي مصر بإسم “مصر الفرنسية”، لأن الهوية ليس لها علاقة بهوية البلد التي قامت بالإحتلال!

ولكن بنسبة كبيرة جدًا مُعظم دول العالم، تتحدد هويتهُم بالنسبة للأرض التي يقطُنون عليها، فمثلاً النمساويين نسبة إلي النمسا، والهولنديين إلي هولندا، والفرنسيين إلي فرنسا، والمصريين إلي مصر.

ما يُهمني هُنا ..
لماذا أُطلق علي مصر إسم “مصر العربية”؟
ومتي أُطلق علي مصر إسم “مصر العربية”؟
ومَنْ الذي سَيقوم بإتخاذ القرار الجرئ بإزالة كلمة “العربية” ووضع الإسم الصحيح ل”مصر”؟

أنه لعار علينا كمصريين، أن نقبل المهانة علي بلدنا ومصريتنا، بأن نلتحف بكلمة “العربية” التي ضرها أكثر مِنْ نفعها.
مصر الحضارة، مصر التاريخ، مصر الفرعونية، كلها كلمات مُضيئة، وليست اسماء تطلق علي دولة مصر، كلها كلمات تدعو للفخر لأنها تتحدث عن قيمة حقيقية قد يفهمها العالم ويحسها .. ولكن ما القيمة من إضافة كلمة “العربية” لإسم مصر؟!

مصر دولة عابرة للقارات، يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، يحدها شرقاً البحر الأحمر، يحدها في الشمال الشرقي منطقة فلسطين (إسرائيل وقطاع غزة)، يحدها من الغرب ليبيا، ويحدها من الجنوب السودان.

مصر بها أقدم الحضارات علي وجه الأرض، وقد شهدت مصر القديمة تطورًا في مُعظم المجالات وعلي الأخص في الطب والفلك والهندسة، وبها حوالي ثُلث آثار العالم.

مصر أم الدنيا، وكما يؤكد الرئيس السيسي وحتبقي قد الدنيا، هل يجوز أن نَحِدْ مِنْ عالميتها ونحصُرها في كلمة “العربية” التي لا تُساوي بالنسبة للعالم الخارجي أكثر مِنْ الجِمْال والإبل والصحراء والجِلباب والعُقال!

تَمْ ذِكر إسم “مصر” في الديانات الإبراهيمية الثلاثة، ولم تُذكر مُذيلة بكلمة “العربية” لأن مصر ليست “عربية”.

لقد عرف العرب “مصر” بإسم “مصر”.
أما الفراعنة عرفوا “مصر” بإسم “كيمت” وتعني الأرض السوداء، كناية عن أرض وادي النيل السوداء.
وفي العهد القديم (التوراة) أعطي ل”مصر” الإسم العبري “مِصرايم”.
وقد عرفت “مصر” بين اللغات الأوربية بإسم “إيجيبتوس” المُشتق مِنْ اللغة اللآتينية.

قد يتمسك بعض المُتشددين إسلاميًا بكلمة “العربية” إعتقادا مِنهُم بأن هذا دليل علي أنها دولة إسلامية، وهذا ليس صحيحًا لأن هُناك العديد مِنْ الدول الإسلامية وليس مُذيلًا باسم الدولة كلمة “العربية”!

في ظل الحماية البريطانية علي مصر، أطلق علي “مصر” اسم “السلطنة المصرية”، وكان أول السلاطين هو السلطان حسين كامل، وأعلنوا مصر محمية بريطانية في سنة 1914 في بداية الحرب العالمية الأولي.
ويلاحظ أن لقب “سلطان” هو نفس اللقب لرأس الدولة العثمانية، ثم تولي بعده فؤاد الأول الذي لقب ب”سلطان مصر” حتي عام 1922 وتغير لقبه إلي ملك “المملكة المصرية”.

قام ضُباط الجيش في عام 1952 علي الملك فاروق الأول وكان لقبه في ذلك الوقت “ملك مصر والسودان” وأجبروه علي التنازُل لإبنه الرضيع أحمد فؤاد، ثم أعلنت الجمهورية في يوم 18/6/1953.

ثم حاول الرئيس عبد الناصر، أن يُحقق حلمه بأن يكون زعيمًا للأُمة العربية، وبعد أن توحدت مصر وسورية تغير إسم مصر إلي “الجُمهورية العربية المُتحدة”.
إنتهت الوحدة في عام 1961 وتغير اسم مصر فيما بعد إلي “جمهورية مصر العربية” ومازلنا إلي هذا اليوم نلتحف بهذا الإسم الذي يسلبنا هويتنا الحقيقية ويضعنا في مكانة لا تليق بنا كشعب حضاري له استقلاليته ومكانته في وسط العالم.

هل يا سيادة الرئيس السيسي سيادتكُم تحلم أيضًا، مثل عبد الناصر بأن تكون زعيمًا للأُمة العربية؟!
سيدي الرئيس، في إعتقادي أن سيادتكُم عبرت حدود الأمة العربية، وترأست علي القارة الأفريقية، وانطلقت للعالم الخارجي، شمالًا جنوبًا وشرقًا غربًا، ووعدت ومازلت عند وعدك بأن تًصبح أم الدنيا قد الدنيا!
سيادة الرئيس، لكي تًصبح أم الدنيا قد الدنيا، يجب أن تستعيد مصر هويتها الصحيحة، بأن تمحو كلمة “العربية” من اسم مصرنا الحبيبة.
وياحبذا، لو أصبحت “مصر” فقط، وليس “جمهورية مصر” كما العديد من الدول، فرنسا والنمسا وهولندا والمانيا وغيرهم.
سيادة الرئيس، علي ما أعتقد أنه مطلب الكثيرين، والغالبية العُظمي من المصريين، أن يكون اسم بلدهم “مصر”!

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.