من خصائص اللغة العربية إضافة إلى دقة التعبير التي جعلت ألفاظـهــا تعبِّـر عن المطلوب بصورةٍ أدق
من موازين الذهب والفضة ، الجمال اللفظي ، وتجنب الحوشي من الألفاظ ، وتعاور حروف الصفير ،
وعدم اجتماع بعض الحروف مع بعضها في لفظ واحد ، كأحرف الصفير مع الجيم ، والمجاز والكنايات
وقابلية النحت والاشتقاق وانفرادها ببعض الأحرف عن سائر لغات المعمورة ( الضاد والظاء والغين ) ،
وعدم جواز خلوّ جذر رباعي فيها من حرفٍ من حروف الذلاقـة الست ،
وغير ذلك من صفات وسمات راقية أهّـلَـتْـهــا لحمل رسالة الإسلام ، وإضفاء هالةٍ من القداسـة ، ومسحةٍ
من التمجيد عليها ، لغة العلوم والآداب والمشاعر الإنسانية ، لغة الشعر وما عرف العالَـمُ الشِّـعْـر قبلها !
ولسوف أدلف بعد هذا التمهيد البسيط مباشرة إلى عنوان البحث ، فلقد استوقفني خلال بحثي في لهجات
العرب المتباينة شرقا وغربا ، فضل القرآن الكريم على هذه اللهجات إذ لم تتحوَّرْ أو تتحوّل إلى لغاتٍ
مستقِـلّـةٍ كما جرى مع اللهجات اللاتينية ، إذْ تحوّلت إلى لغات مختلفة كَـ(البرتغالية والفرنسية والانجليزية
و …غيرهـا ) . واستوقفني في اللهجات لهجة ” شامية مصرية سودانية ” ، وتقتضي هذه اللهجة إبدال
حرف الثاء المثلثة (ث) سينا ، والذال المنقوطة من فوق (ذ ) زايا ، وأحياناً يبدلون الفاء ثاءً ، او
يقدمون حرفا على آخـر ( حفر \\ فحر ) ، ( عقل \\ قعل )،(ضجع \\ جضع ) …
المدهش كيف تعاملت العربية الفصحـى ( جذوريّـاً ) مع هذا المنطق في اللهجات :
كلنا يعرف اسم ( بثينة) وهي الفتاة البيضاء الجميلة الناعمة الحسناء ، والحنطة أيضا من معانيها ، كذلك
الزبدة والأرض السهلة طيبة الإنبات ، والجذر الثلاثي ( ب ث ن ) هو الأصل طبعا .
في لهجتنا المصرية الشامية المُشار إليها آنفاً ، يلفظون الاسم ( بُسـيـنة ) بالسين والجذر بالتالي يكون (
ب س ن ) ، ولنعد إلى أصل الجذر ( بسن ) نلاحظْ أنه يتماشى مع ( بثن) في معناه العام وهو الحُسْـن .
تقول العرب : أبسنتْ ، أي حسنت ، وبسنت سحنته حسنت !
مثال آخـر : يقولون البذور ( بالذال ) ، ولربما نطقهـا آخرون بالزاي ( بزور) فلدينا الآن جذران اثنان
( ب ذ ر ) و ( ب ز ر ) وانظر إلى المعنيين في المعجم تجدهما متضارعين :
البَذْر ، البَزْر : كل حب يبذر للنبات والجمع ( بذور) ، بالذال وبالزاي سواء .
ومثال ثالث : الفعل ( لثم ) ، قال في لسان العرب ، للِّثامُ رَدُّ المرأَة قِناعَها على أَنفها وردُّ الرجل عمامَته
على أَنفه وقد لَثَمَتْ تَلْثِمُ . تلثمت والتثمت شدت اللثام ، وقيل اللِّثامُ على الأَنف واللِّفامُ ( بالفاء)على الأَرْنبة
قاله أَبو زيد (1)، و تميم تقول تَلَثَّمَت على الفم ( بالثاء) وغيرهم يقول تَلَفَّمَت (بالفاء) ، قال الفراء(2) :
إذا كان على الفم فهو اللِّثام وإِذا كان على الأَنف فهو اللِّفام ،ويقال من اللِّثام لثَمْت أَلْثِمُ فإِذا أَراد التقبيل
قلت لَـثِمْتُ أَلْثَم ( بفتح اللام وكسر الثاء ) ، قال الشاعر :
فـلَـثِـمْتُ فاها آخِذاً بِقُرونِهـا *** ولَثِمْتُ من شَفَتَيْهِ أَطْيَبَ مَلْثَم
ولَثِمْتُ فاها بالكسر إِذا قبَّلتها ، وربما جاء بالفتح . قال ابن كيسان :سمعت المبرد(3) ينشد قول جَمِيل :
فـلَـثَـمْتُ فاها آخِذاً بقرونِها *** شُرْبَ النَّزِيف ببَرْدِ ماءِ الحَشْرَج
ولاحظْ في قول جميل الثاني ( رواية المبرد : بفتح الثاء ، بينما الرواية الأولى بكسرها) !
وأقول أنا العبد الفقير إلى الله تعالى : لنا مع الجذر ( ل ث م ) :
الأولــى : إبدال الثاء فاء .
الثانية : عدم إمكانية إبدال الثاء سينا ، لأن الجذر ( لسم : ل س م ) مختلف تماماً ، فالعربي حين يقول :
ألسمه حجّتـه ، بمثابة قوله ( ألزمه حجته ) ، تعاور حرفا الصفير هنا بين ( ل ز م ) و (ل س م ) ، ولكن
القاعدة تبقى ، وتمَّ الإبدال بين الثاء في ( لثم \ ل ث م ) وبين حرف من زمرة السين ( حرف الصفير
الثالث وهو الصاد ) ، فجاءت المفردة ( لصم ) وهي مهجورة معجميا ، لعدم مواءمتها الصفة الجمالية
للغة العربية ، لكن اللفظ ( لَـصَـم \\ ل ص م ) متداول وموجود في البادية ، ويندر أن تجد بدويّـاً أو
حورانيّـا يجهله ، تلصّم هي بمعنى تلثم ، وهي منتشرة أكثر من الجذر ( ل ث م ) الذي أفرزوه خاصّـاً
بالموتى ، لثَّـموا الميت أي عصبوا فكه الأسفل وشدوه إلى الرأس ليوافق السنة المطهرة ، أما اللصمة
واللصام ، والفعل تلصم تعني شد النقاب على الأنف وأكثر الوجه ، كما يفعل رجال الطوارق اليوم ( في
مناطق البربر من المغرب العربي الحبيب ) ، ومن جاء القوم متلصَِما فليس له عليهم حق الضيافة ولا
الإكرام ولا الحمايـة حتى يفصح عن نفسه ويحل ( لِـصـامـه ) ، بل يطلبون منه ذلك صراحة :
فك اللصْمَـة يا زول ، أو حل لصامك يا رجل !
الوقفة الثالثـة : التمييز بين اللثام واللفام عند بعض القبائل العربية ، كما ذكر الفرَّاء آنفاً .
ومن الأمثلة أيضاً في الباب :
المشاكلة المعنوية ، أو المصاهرة بين ( ن ث ر \نثر ) و ( ن س ر \ نسر ) .
والمصاهـرة بين ( ن ب ث \ نبث) وبين ( ن ب ش \ نبش ) .
وبين ( نزر\ ن ز ر ) وبين ( نذر \ ن ذ ر ) :
فالنزر في الأصل من القِـلّـة ، جاء في صحاح الجوهري : النَزْرَ: القليلُ التافهُ. وقد نَزُرَ الشيءُ بالضم
يَنْزُرُ نَزارَةً. وعطاءٌ مَنْزورٌ، أي قليلٌ. وقولهم: فلان لا يُعطي حتَّى يُنْزَر، أي يُلَحُّ عليه ويصغَّر من قدره.
والنَزورُ: المرأةُ القليلةُ الوَلَدِ. وقال:
بُغاثُ الطَيْرِ أكْثَرُها فِراخاً *** وأُمُّ الصَـقْــرِ مِـقْـلاتٌ نَـــزورُ
وتقول العرب : أعطاه عطاءً منزوراً: مُلَحّاً عليه فيه. وعطاء غير منزور: كان عفواً دون إلحاح . أما ( ن
ذ ر ) فقال : النَّذْرُ : النَّحْبُ وهو ما يَنْذِرُهُ الإنسانُ فيجعلُه على نفسِه نَحباً واجِباً ، وقد كرهه العلماء
وقالوا : شيءٌ يُسْتَخْرَجُ به من البخيل ، وهذا يقلل من شأنه ويجعله في مصاف ( ن ز ر ) !
وبين ( ش خ ب \ شخب وهو حكاية صوت الضرع عند الحلب ) وبين ( ث خ ب \ ثخب : تستعمل إلى
الآن في البادية الشامية بمعنى ( شخب ) وزنا ومعنى .
وبذلك تتحمل طبيعة الجذور العربية بمسايرتها للهجات العامية ، قسطا من أخطاء تحمّـل الراوي لروايته
، فإذا ما حُمِّل الراوي نصَّـاً أدبيا أو شعريّـاً ولحن أو غلط في ألفاظه ( في بعض الحروف ) كما يغلط
بعضهم في طريقة التلفظ ببعض الأحرف ، فيكون حجم الخطأ في فهم المتلقِّي قليلاً ، ومن الممكن للمتلقّي
الجديد إذا كان حصيفاً أن يستوعب الخطأ أو يتفاداه أو لا يكون هناك خطأ أصلا إذا عرفنا أن العربية
تحتمل هذا الإبدال بين (ث) و(س) وبين ( ذ) و (ز) بل بين الثاء والشين ، وهو ما أدركه أبو الأسود
الدؤلي حين قام بإعجام الأحرف ( تنقيطها) ، فلماذا إذن وضعوا للثاء ثلاث نقاط تساوي تمامـاً ثلاث
النقاط الفوقية التي تعجم حرف الشين ؟!

وبـعـــد : أليست هذه اللغـة – بالله عليكم – لغة تستحق التمجيد والثَّـنــــاء ؟! ثم ألا نعـذر من قال بأن
العربيّـة هي وضْــعٌ إلـهـي ؟!
———————
(1)أبو زيد : أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الخزرجي الأنصاري البصر ي ، امتدت حياته مابين 122هـ و 215 هـ ـ) لغوي من أئمة الأدب. غلب عليه اللغات والنوادر والغريب ).
(2)الفراء : الإمام أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور بن مروان الأسلمي الديلمي ‏الكوفي، مولى بني أسد، المعروف بالفراء, وهو لقبه “لأنه كان يفري الكلام” أي:يصلحه. ولد الفراء في الكوفة سنة 144 هجري كما حققه الدكتور أحمد الأنصاري، ثم انتقل إلى بغداد وجعل أكثر مقامه فيها. ومات في 207 هـ ، وأشهر كتبه ” معاني القرآن ” .
(3) أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المعروف بالمبرد ينتهي نسبه بثمالة، وهو عوف بن أسلم من الأزد.(ولد 10 ذو الحجة 210 هـ/825 م، وتوفي عام 286 هـ/899 م) هو أحد العلماء الجهابذة في علوم البلاغة والنحو والنقد، عاش في العصر العباسي في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وأشهر كتبه الكامل .
كان المبرِّد واحدا من العلماء الذين تشعبت معارفهم، وتنوعت ثقافاتهم لتشمل العديد من العلوم والفنون، وإن غلبت عليه العلوم البلاغية والنقدية والنحوية، فإن ذلك ربما كان يرجع إلى غيرته الشديدة على قوميته العربية ولغتها وآدابها في عصر انفتحت فيه الحضارة العربية على كل العلوم والثقافات، وظهرت فيه ألوان من العلوم والفنون لم تألفها العرب من قبل .
ولد المبرد بالبصرة، ولقب بالمبرد قيل: لحسن وجهه، وقيل: لدقته وحسن جوابه .
وأما أبو الحسن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، فإنه كان أحد المشهورين بالعلم، والمعروفين بالفهم؛ أخذ عن أبي العباس المبرد، وأبي العباس ثعلب، وكان قيما بمعرفة البصريين والكوفيين، وكيسان لقب لأبيه كذلك .قال أبو القاسم بن برهان النحوي: وكان لابن كيسان مصنفات كثيرة؛ منها المهذب في النحو، وشرح الطوال؛إلى غيرذلك. وكان أبو بكر بن مجاهد يقول: كان أبو الحسن بن كيسان أنحى من الشيخين – يعني المبرد وثعلبا. وتوفي سنة تسع وتسعين ومائتين هـ ، وذلك في خلافة أبي الفضل جعفر المقتدر بالله تعالى ابن المعتضد .

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.