حقيقة أن الضغط الدولي على إسرائيل يرتفع مثل موجة تسونامي حقيقية لا ينبغي أن تفاجئ أحدا، أو على الأقل بينيامين نتنياهو وحكومته الجديدة. لوقت طويل أكثر من اللزوم، اختار رئيس الوزراء تجاهل الإشارات التحذيرية وإغلاق أذنيه أمام الصخب المتصاعد ضد سياساته وأفعاله على الجبهة الفلسطينية. كان من السهل أكثر بالنسبة له رفض كل الإنتقادات ووصفها بمعادية للصهيونية (ووعلى حد المعادية للسامية) بدلا من تحليل الأسباب لهذه الجهود المتزايدة لعزل إسرائيل وإيجاد سبل لضمان بقائها وشرعيتها على المدى الطويل.

رد فعل الحكومة على هذه الموجة وعلى رأسها تعليق عضوية إسرائيل في الفيفا، وقرار شركة “أورانج” بقطع علاقاتها مع عملاق الإتصالات الإسرائيلي، “بارتنر”، وقرار إتحاد الطلبة البريطاني في الإنضمام إلى المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل ساهمت فقط في تصعيد الوضع. مرة أخرى، يفضل قادة إسرائيل التقليل من أهمية الإجماع الدولي المتزايد ضد الإحتلال الإسرائيلي المستمر للأراضي الفلسطينية وإلى عزو هذه الجهود إلى جهد دولي على نطاق واسع لنزع الشرعية عن إسرائيل.

من خلال تصعيد عامل الخوف وتسليط الضوء على الموضوع التعبوي للإئتلاف الحاكم بأن العالم بأسره ضد إسرائيل، من الممكن الحصول على دعم قصير الأجل داخل البلاد. ولكن هذه بكل تأكيد ليست الطريقة المطلوبة لضمان وجود إسرائيل في شرق أوسط مضطرب – وهو الهدف الوحيد الذي يجمع الإسرائيليين من جميع التوجهات السياسية. للقيام بذلك هناك ضرورة لوضع إستراتيجية تربط بين السياق وجوهر الإستياء الخارجي المتزايد من إسرائيل والسبل المتنوعة التي يتم من خلالها التعبير عن هذا الإستياء.

الإستياء الحالي من إسرائيل – الذي يؤدي وبسرعة إلى عزلة دبلوماسية وثقافية وأكاديمية وسياسية متزايدة – ينبع من الإحباط من الفشل المتكرر في التوصل إلى حل عادل ومستدام للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بشكل عام (بسبب عدم وجود النية أو القدرة عند القادة من الجانبين لإتخاذ حتى ولو أبسط الخطوات لإستئناف المحادثات، ناهيك عن إبرام إتفاق قابل للتنفيذ) وبشكل خاص من فقدان الأمل، في أعقاب نتائج الإنتخابات الإسرائيلية الأخيرة، في التغيير في هذا الصدد في المستقبل القريب. في هذه الظروف، مع توقف الجهود الأمريكية والأوروبية والدولية اليائسة، فإن معظم هؤلاء الذين إستثمروا طاقات هائلة في محاولة التوصل إلى اتفاق ببساطة سئموا.

عدم القدرة على حل المعضلة الفلسطينية-الإسرائيلية، وخاصة نظرا للوضع الغير مستقر في المنطقة، لا يعني أن الإدعاءات الإسرائيلية مقبولة على المجتمع الدولي أو أن بإمكانها الإستمرار في الإفلات من العقاب. على العكس من ذلك: في ظل غياب الزخم الدبلوماسي فإن تقنيات جديدة – بدءا من السعي نحو الحصول على إعتراف بإقامة دولة فلسطينية في الأمم المتحدة، وتقديم دعوات إلى المحكمة الجنائية الدولية، ومقاطعة منتجات المستوطنات، والجهود المتزايدة لإبعاد إسرائيل عن الأحداث الأكاديمية والرياضية والثقافية ووصولا إلى محاولات من قبل حركة المقاطعة وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات لعزلها بالكامل – بدأت تأخذ حيزا هاما.

مضمون الرسالة وراء الجزء الأكبر من هذا الإجراءات (السلمية) التي تقوم بها مبادرات مدنية هو واضح: طالما أن إسرائيل تواصل السيطرة على الأراضي المحتلة عام 1967 وتتجاهل حق تقرير المصير للسكان الفلسطينيين، فهي تتحمل العبء الأكبر من المسؤولية لاستمرار الصراع وكل توابعه. القضية لا تدور فقط حول السياسات الإسرائيلية بل أيضا حول إلتزامها بقيم الحقوق الفردية وحقوق الأقليات الضرورية للحكم الديمقراطي. الإنتقادات الحادة والمتزايدة ضد السلوك الإسرائيلي، في معظم الحالات، تشيرإلى ذلك تحديدا. فقط في بعض الأجزاء من حركة المقاطعة وسحب الإستثمارات وفرض العقوبات (التي تقف وراءها قوى معادية لإسرائيل بشدة) امتد ذلك إلى دعوات غير واعية وغير مقبولة تماما للقضاء على إسرائيل.

مع ذلك، فإن معظم الإسرائيليين، المتأثرين بشكل كبير من لغة الخطاب الجارفة لحكومة نتنياهو، لا يميزون بين السياسات الإسرائيلية المنبثقة عن سيطرة إسرائيل على شعب آخر ضد إرادته وبين الجهود لتقويض وجود الدولة (وبالتالي التأكيد على مشاعر ضعف ذات جذور عميقة تسمح لهم بكبت الحقائق المزعجة). وبذلك هو يتسببون لأنفسهم بأسوأ الشرور.

إن الخطاب المهيمن الذي يجمع بين إنتقاد الإحتلال والمحاولات للتشكيك بشرعية إسرائيل كدولة مستقلة ووطن للشعب اليهودي تحت مظلة واحدة وهي مظلة “نزع الشرعية” (على أساس أنه لا يوجد هناك فرق بين المنشقين عن إسرائيل وأولئك الذين يدعون إلى تدميرها) يساهم في تضخيم المشكلة. فذلك ينفر الكثيرين من أقرب حلفاء إسرائيل وأكثرهم إخلاصا – بصورة تتكرر كثيرا – ويصورهم على أنهم أعداء غير تائبين. يعطي ذلك تصريحا على مواصلة التوسع الإستيطاني (أي إحتجاج ضد خطوات يتم إعتباره على أنه مثال آخر على الهجوم الجامح على الوجود الإسرائيلي). يوفر ذلك عذرا معد مسبقا لعدم القيام بأي شيء بشأن تخفيف الإحتلال – ناهيك عن إنهائه. ويساعد في حماية الحكومة محليا من ردة الفعل الدولية التي ستتبع لا محالة على مراوغات قادتها بشأن حل الدولتين.

من خلال وضع كل أشكال الخلاف مع إسرائيل في سلة واحدة وتجاهل العديد من الفروقات الدقيقة سواء في العالم أو في البلاد، يشرف رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو على حرب جديدة، هذه المرة ضد ما يُسمى بنزع الشرعية عن إسرائيل، وهو أمر مخادع وخطير في نفس الوقت. فهو مضلل لأنه يتجنب الحاجة إلى إعادة النظر في سياسة إسرائيل في الساحة الإقليمية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص. وهو غير مسؤول تماما لأنه يسمح إلى ما هو الآن إجماع عالمي على عدم شرعية الإحتلال (ناهيك عن عدم إخلاقيته) في التحول إلى تهديد على شرعية إسرائيل.

بالتالي فإن إستراتيجية الحكومة الحالية في معالجة الإنتقادات الدولية المتزايدة، كما كانت في الماضي، لا يمكنها أن تنجح. فهي تستند على الإفتراض الخاطئ بأن كل أشكال الإحتجاج ضد الخطوات الإسرائيلية – بما في ذلك رفض شراء منتجات من المستوطنات أو دعم مشاريع وراء الخط الأخضر – تقف وراءها كراهية جارفة لإسرائيل بحد ذاتها. هذه الإستراتيجية تصر على أنه يتم إستهداف إسرائيل دائما، في حين أن أنظمة ذميمة من كوريا الشمالية والسودان وإيران وسوريا بالكاد يتم التنديد بها (وهي حجة تضم إعترافا غريبا بالإثم). وهي تزيد من تهميش إسرائيل من خلال التلميح إلى أن العالم بأسره مخطْئ وأن إسرائيل هي الوحيدة التي على حق، وبذلك تعزز من وضع نفسها في كبسولة، وتوهم نفسها من أن الحملات الخطابية الممولة بصورة كبيرة بإمكانها أن تحل محل إعادة النظر في سياساتها.

مشكلة هذه الإستراتيجية هي أنه، على عكس العمليات العسكرية التي يمكن التخطيط لها وتنفيذها بشكل أحادي وحسمها على أرض المعركة، فإن الشرعية بطبيعتها هي النقيض للمواجهة المسلحة: فهي تتطلب شركاء وتستند على مصالح وقيم مشتركة. كما تبين في الضجة التي أثيرت في الفيفا، فلا يمكن لأحد لعب كرة القدم لوحده؛ والأمر سيان أيضا بالنسبة لتشكيل روابط أكاديمية وعلاقات ثقافية أو علاقات تجارية. لهذا السبب، إذا كانت إسرائيل ترغب بالحفاظ على أي أمل في إستعادة مكانتها الدولية وترسيخ شرعيتها الدولية، عليها الإصغاء إلى جوهر الإنتقاد الذي يُنقل مرارا وتكرارا من قبل أولئك الذين لم يوافقوا دائما على أنشطتها ولكنهم دعموا بشكل منتظم حقها الأساسي في الوجود. يعني ذلك أن على قادتها، والآن أكثر من أي وقت مضى، السعي إلى التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين في إطار إعادة تنظيم إقليمي. أي شيء أقل من ذلك لم يعد كافيا لإرضاء أقرب حلفائها، وهم الوحيدون الذين يملكون القدرة على ضمان إستمرار شرعيتها وبالتالي إستمراريتها.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.