سادت المناقشات الساخنة حول معنى اغتيال اسحاق رابين والذكرى المائة لإعلان وعد بلفور وسائل الإعلام تماما في وقت تحركات وخطوات لتغيير وضع القدس بالكامل والمناطق المحيطة بها بهدوء على قدم وساق. هناك مشروعان مترابطان (القانون الأساسي: القدس، عاصمة إسرائيل [التعديل رقم 2]، ومشروع قانون القدس وبناتها – الذي يطلق عليه اسم مشروع قانون القدس الكبرى)، إذا اعتمدا سيعيدا رسم معالم المدينة بشكل أساسي وتكوينها من سكان إسرائيل في السبعين عاما منذ قيامها. معا سوف يخلقان حاضرة ضخمة للقدس تحت السيادة الإسرائيلية، يحوّلان طابع المدينة، يزيدان تشعب الضفة الغربية، ويقتلا أي احتمال للتوصل إلى اتفاق إسرائيلي فلسطيني. لم يكن لأي تحرك قامت به إسرائيل منذ عام 1967 آثار أكبر على مستقبل المنطقة من تلك التي يجري الترويج لها بهدوء في هذا الوقت.

طالما وقفت القدس في قلب المواجهات العنيفة من أجل السيطرة، وكذلك في قلب الآمال الجماعية في تحقيق السلام والوئام. في العصر الحالي، أصبحت نموذجا مصغرا للصراع العربي الإسرائيلي المستمر، وأيضا – بسبب كونها فريدة كنقطة التقاء بين الناس والقوميات والأديان والثقافات والتطلعات – آفاق لاحتمالات تبادل الطوائف والمصالحة. أي تغيير أحادي الجانب في الترسيم الجغرافي أو البشري للمدينة سيترتب عليه آثار واسعة – وربما كارثية – لجميع أولئك الذين يعشقون هذه المدينة.

والهدف من مشروعي القانون قيد النظر حاليا، بالإضافة إلى الموافقة الأخيرة على البناء اليهودي في قلب الأحياء الفلسطينية (مثل الشيخ جراح ورأس العامود وجبل المكبر)، واضح: توسيع منطقة السيطرة الإسرائيلية على القدس وتغيير تشكيلها البشري بشكل كبير. إن أول مبادرة تشريعية، وهي المبادرة التي مرت على عجل في القراءة الأولى في يوليو الماضي، هي تعديل القانون الأساسي: القدس هي عاصمة إسرائيل. القانون الذي اقترحه وزير شؤون القدس زئيف الكين ووزير التعليم نفتالي بينيت يحظر الاقتراح نقل أي منطقة تقع حاليا داخل الحدود البلدية للقدس (بما في ذلك الأحياء خارج الجدار الفاصل) إلى أي كيان أجنبي، ويتطلب من الكنيست أغلبية عظمى (80 عضوا) لأي تغيير للقانون في المستقبل. غير أن الأهمية الحقيقية لمشروع القانون تكمن في ما لم يتم النص عليه صراحة: منح الحق في إجراء “تعديلات بلدية” على شكل المدينة – مما يمهد السبيل لإضافات وانتقادات إلى حدودها الحالية.

هذا هو بالضبط ما يفعله مشروع قانون القدس الكبرى، وهو اقتراح عضو خاص قدمته مجموعة من أعضاء الائتلاف برئاسة عضو الليكود يواف كيش. يسعى إلى دمج المناطق البلدية حول القدس – كثير منها في الضفة الغربية – كبلديات ذاتية الحكم (“بنات”) في المدينة. في الوقت نفسه، سوف يفصل الأجزاء الفلسطينية المكتظة بالسكان في المدينة من المناطق الواقعة خارج الجدار، ولكن لا تزال ضمن حدود المدينة التي ضمت عام 1967 (وبالتالي إنشاء فئة فلسطينية منفصلة أخرى من البلديات الفرعية التي يتم تجريد سكانها من حقوقهم كمقيمين في المدينة). القراءة الأولية لمشروع القانون هذا – المدعوم بشدة من قبل ممثلي جميع الأطراف في الائتلاف – لا تزال في انتظار موافقة الحكومة.

إن هاتين المبادرتين التشريعيتين هما فعليا عمليات دمج إسرائيلية بشكل مزدوج. من الناحية الجغرافية، فانها تسعى لمدّ حدود القدس لتشمل كتل المستوطنات الرئيسية في جميع أنحاء المدينة، مثل معاليه أدوميم (بما في ذلك المنطقة E-1) وبيتار عيليت وغفعات زيئيف وإفرات وغوش عتصيون، من أجل اعطاء سكانها الحق في المشاركة في الانتخابات البلدية في القدس، مع الحفاظ على استقلالهم المحلي. وفي الوقت نفسه، سيتم استئصال مناطق القدس الشرقية (مخيم شعفاط للاجئين، عناتا، كفر عقاب، وربما ولاجي إلى شمال، شرق، وجنوب المدينة) من القدس ومنحها مكانة بلديات تابعة للقدس على النحو الذي تحدده الحكومة الإسرائيلية .
من الناحية الديموغرافية، سيتم تغيير التوازن الحالي بين اليهود والفلسطينيين تماما. القدس في ترسيمها الحالي تتألف من ما ياقرب من 900،000 نسمة ومنهم 37٪ (323،700) من العرب و 63٪ (حوالي 570،000) من اليهود و “الآخرين” (معظمهم من المسيحيين).ولمواجهة ارتفاع نسبة الفلسطينيين في المدينة منذ عام 1967 بنسبة تزيد عن 10٪، فإن مشروعي القانون سيضيفان نحو 120،000 يهودي إلى القدس، في حين يستخرجون أكثر من 140،000 فلسطيني، ويغيرون بشكل أساسي وجهها السكاني.

من شأن التأثير المشترك لهذين الفعلين أن يدمج أراضي جديدة في القدس (زيادة مزدوجة في حجم أراضيها) باسم الإدماج اليهودي ونقل السكان الفلسطينيين الموجودين من المدينة باسم الاستبعاد العرقي. ولكن في حين أن المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية سوف تنمو، فإن تأكيد إسرائيل على السيادة قد لا يتعزز، على الرغم من الجهود الرامية إلى توطيد حكمها داخل الحدود المرسومة جديدا – خاصة من خلال تحسين البنية التحتية في القدس الشرقية. إن فصل الأحياء الفلسطينية عن القدس يخلق خيالا لإسرائيل للسيادة دون مسؤولية. إضافة البلديات اليهودية الفرعية الجديدة إلى المدينة يشير إلى أن الناس قد يحددون السياسات دون الحاجة إلى العيش مع عواقبها (فكرة غريبة من السيادة إذا كان هناك سيادة أصلا).

من الصعب المبالغة في التبعات السلبية لهذه التحركات الأحادية الجانب لإسرائيل، الفلسطينيين، القدس، ولأرواح سكانها. على المستوى الأكثر دنيوية، سوف ينزع النسيج الدقيق للمدينة. فالعديد من السكان الفلسطينيين الذين يرون أنفسهم جزءا لا يتجزأ من القدس ويعتمدون عليها لكسب عيشهم سيعودون مرة أخرى إلى قلب المدينة – كما فعلوا عندما أقيم الحاجز الأمني ​​في أوائل هذا القرن. هذا سيزيد بلا شك من التوترات ويخلق عدم الاستقرار ويزيد من احتمالات المزيد من العنف. على الصعيد الإنساني، سيزداد الازدحام والفقر والبطالة. الحياة اليومية في هذه المدينة المهيبة والفقيرة سوف تصبح أكثر صعوبة، مما يساهم بشكل أكبر إلى تفكيك الفسيفساء الاجتماعية المتوترة أصلا التي هي القدس اليوم.

وربما تكون الآثار السياسية أكثر صعوبة. تحرك إسرائيلي آخر أحادي الجانب والذي يركز على القدس – هذه المرة من خلال أول ضم ضمني مباشر في الضفة الغربية منذ حزيران/يونيو 1967 – هو وصف لظاهرة عالمية ذات أبعاد هائلة. إلى جانب كونه انتهاكا واضحا للقانون الدولي ولجميع قرارات الأمم المتحدة منذ قرار مجلس الأمن 242، فإنه سيدفن حل الدولتين. وربما يكون هذا هو القصد من واضعي التشريعات المقترحة. ولكن حتى الولايات المتحدة في ظل الرئيس ترامب حذرة من عواقبه – وهو ما قد يفسر تأجيل قرار الحكومة بشأن مشروع قانون القدس الكبرى.

وإذا لم يكن هذا كافيا، فإن تداعياته لدى إسرائيل يمكن أن تكون أكبر من ذلك: سعيها إلى الاعتراف بالقدس كعاصمتها سيستبدل بالمزيد من الجهود المستمرة لتقويض شرعية مطالبها بالمدينة. التشكيك في شرعيتها العامة سيكون أكبر. وبينما يواصل زعماؤها القوميون الحاليون دفع أهدافهم التوسعية من خلال التذرع بأكثر الرموز العزيزة للتقاليد اليهودية، القدس، فإن المؤسسة الإسرائيلية بأكملها يمكن أن تضعف بشكل لا يمكن إصلاحه. إن محاولات الائتلاف الحاكم الحالي لتحديد مستقبل المدينة من خلال التشريع هي هزيمة ذاتية، وبالتالي فانها ليست أقل من حماقة مطلقة. سوف يجعلون تحقيق المعنى الكامل لوعد بلفور دون معنى، وسوف يدمرون ما تبقى من روح رابين.

القدس مركزية جدا بالنسبة للعلاقات الفلسطينية والإسرائيلية؛ للمعتقدات اليهودية والمسيحية والمسلمة؛ ولوجود سكانها المتنوعين لكي يحدد مصيرهم من جانب واحد فقط. هذا هو الدرس من ماضيها، حقيقة حاضرها ومصيرها. ولذلك فإن أي تغيير في النطاق الإقليمي للمدينة وفي تكوينها السكاني يجب أن يتحدد بالاتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين الذين تتشابك حياتهم في القدس بشكل وثيق.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.