مرت أيام منذ زيارة البابا فرنسيس الغريبة والفاترة إلى الأراضي المقدسة. تم تقييم اللغة والصور التي أنتجتها هذه الزيارة وإعادة تقييمها من كل كمنظور يمكن تخيله، وظهر شيء قريب من الإجماع: البابا لم يرتكب أية أخطاء.

ربما من الصعب نقل مدى هذا الإنجاز، ولكن تجدر المحاولة لأن ذلك يكشف الكثير عن الصراع، وعن البابا.

لا توجد للبابا قوة قاسية. لا يمكنه فرض ضرائب على 1.2 مليار شخص من أتباع الكنيسة الكاثوليكية أو اعتقالهم. التأثير الوحيد له عليهم هو طوعي فقط، تقوده صور وروايا قوية عن الفداء والإنتماء. بمعنى مهم إذا، فإن البابا هو رمز، ممثل لواقع أكبر، وكل تصريحاته وأفعالة هي جزء واع من دوره الرمزي.

لذلك عندما قامت السلطة الفلسطينية بإحضار البابا إلى الجزء الإسمنتي من الجدار الأمني الإسرائيلي في الأراضي الفليطينية، لم تختلط على البابا نوايا مستضيفيه. فهم أرادوا تشكيل رمز، وهو، بصفته سيد الرمزية، أعطاهم ذلك عن طيب خاطر.

(لأولئك الذين يصروون، مثل المستشارة القانونية السابقة لمنظمة التحرير الفلسطينية دينا بوطو في نقاش جرى مؤخرا مع المراسل على “هافتغتون بوست لايف” بأن الرحلة إلى الجدار لم تكن مخططة ولكن حدث ببساطة أن تكون على طريقه إلى بيت لحم، إن الصور على منشور السلطة الفلسطينية تبين أن مسار السلطة الفلسطينية لم يكن لديه هدف آخر سوى خلق تلك الصورة).

الوقفه الشهيرة لقداسة البابا عند الجدار في بيت لحم (فلاش 90)

الوقفه الشهيرة لقداسة البابا عند الجدار في بيت لحم (فلاش 90)

زيارة البابا، بالإضافة إلى تكرار المصطلح “دولة فلسطين” في بيانات الفاتيطان الصحفية وفي خطابات الحبر الأعظم، أثارت تغريدات التي هتفت فرحا وتأييدا. مع ذلك ،في حين أن الفلسطينيين أدعوا أن البابا معهم، أشار مسؤول فلسطينيين للصحافة إلى أن الزيار إلى الجدار كان مخططا لها لأن مسار البابا في إسرائيل شمل، للمرة الأولى، اعتراف صريح من الفاتيكان بعدالة الصهيونية، في شكل أول زيارة باباوية إلى ضريح ثيودور هرتسل- وهو شيء لم يقم به أي بابا، أو قائد فلسطيني، من قبل.

وفي أعقاب الزيارة إلى الحائط، تم دعوة البابا إلى النصب التذماري لضحايا الإرهاب- منع إشارة القادة الإسرائيليين إلى أن أكثر من ألف إسرائيلي قٌتلوا في تفجيران انتحارية في الوقت الذي قررت فيه الحكومة بناء أسوار وجدران بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

هذه المرة، أيضا، قدم البابا خطاباً لأخبار التلفزيون الوطني الإسرائيلي رافضاً الإرهاب بتاتاً.

في الوقت الذي غادر به المنطقة يوم الثلاثاء، ذهب البابا فرانسيس بطريقه لقبول سرد كلا الجانبين. على عكس الباباوات السابقة أو مسؤولي الفاتيكان الاصغر، فرانسيس لم يراوغ للحظة. لقد أشار دون تردد اعتقاده بأن الفلسطينيين مصدومين جراء الاحتلال، ويستحقون الحرية الوطنية المنفية منذ فترة طويلة، وفي نفس الوقت أن يهود إسرائيل هم ضحايا عنف عشوائي ويستحقون أيضا في العيش كشعب حر في أراضيهم.

رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس شمعون بيريز مع البابا فرانسيس في نصب تذكاري تكريما لضحايا قتلوا في أعمال الإرهاب، في المقبرة العسكرية جبل هرتزل في القدس يوم 26 مايو 2014 ( Avi Ohayon/GPO/Flash90)

رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس شمعون بيريز مع البابا فرانسيس في نصب تذكاري تكريما لضحايا قتلوا في أعمال الإرهاب، في المقبرة العسكرية جبل هرتزل في القدس يوم 26 مايو 2014 ( Avi Ohayon/GPO/Flash90)

بوجود الرحمة, يُخلق الاختيار

عشرات آلاف المقالات، أن لم يكن أكثر، كتب حول أيديولوجية جديدة ألتي جلبها البابا فرانسيس إلى البابوية. في حين أنه قد لم يتنازل على أي جانب من جوانب العقيدة أو الأخلاق – صارم بالنسبة لوسائل منع الحمل, العلاقات الجنسية المثلية والإجهاض كما اشتهر سلفيه المحافظين – لقد أحضر “نمط” جديد وبليغ للمنصب.

في يوليو الماضي، قدم فرانسيس مقابلة رائعة لصحفيين على متن رحلته إلى روما من البرازيل.

فيها، ميز بين “لوبي” المثليين المزعوم في الفاتيكان — نشطاء يحاولون الضغط من أجل تغيير في المذهب حول المسألة – والفرد المثلي. “عندما اقابل شخص مثلى، علي التمييز بين كونه مثلى الجنس وبين كونه جزءاً من لوبي. إذا تقبلوا الرب والنوايا الحسنة، من اكون أنا لاحكم عليهم؟ يجب عدم تهميشهم. الميل [المثلي] ليس المشكلة.. أنهم إخوة لنا. ”

بقد شجب ضد اللاإنسانية للنظام المالي العالمي المضطرب، دعل لانتشار “لاهوتي نساءي” جديد ليحل محل المناقشة الجارية في الكنيسة على الأدوار التي يمكن أن تشغلها النساء، وأحضر معايير وتوقعات جديدة للتقشف والمعيشة المتواضعة للأبهة المطلية بالذهب في القصر المترامي الأطراف- الفاتيكان، حيث سينتقل بنفسه خارج مقر إقامة البابا إلى دار ضيافة أكثر تواضعاًُ.

لقد اقترح حتى, أن الملحدين هم أخوة للمؤمنين، وعندما يتنورون بيسوع المسيح سيكونون من الكاثوليك الأكثر حماساً.

اثارت هذه التصريحات والإجراءات مناقشات مكثفة في الكاثوليكية. طرح كاثوليك محافظين أسئلة مثل: هل الملحدين فقط يحتمل أن تختبروا “الخلاص”، ام جميع الناس كذلك، بتضحية السيد المسيح، أو هل يقترح البابا أنهم “خلصوا” فعلا على الرغم من إنكار المسيح؟

عندما بدأ الغير كاثوليك الحديث ايضاً. المجلة الأمريكية المناصرة للمثليين “ذا ادفوكيت” لقبت فرانسيس ب”رجل السنة” على أساس ان قبوله للمثليين كبشر هو الشيء الأكثر أهمية الذي حدث للمثليين في العام الماضي. وذكرت المجلة “ان البابا فرانسيس هو زعيم ل-1.2 بیلیون من الكاثوليك في جميع أنحاء العالم. هناك ثلاثة أضعاف من الكاثوليك في العالم أكثر من مواطني في الولايات المتحدة. شئنا أم آبينا، ان ما يقوله يحدث تغييرا. ”

وهكذا أصبح الرجل الذي عارض بصخب الأخذ زواج مثليي الجنس في يلده الأرجنتين بطلا للمثليين في الولايات المتحدة لانه ببساطة افاد أن المثليين يجب أن يعاملوا كبشر.

هناك ترابط موحد في جميع هذه البيانات، ايديولوجية واستراتيجية الكرازة والتجديد للكنيسة التي جعلها فرانسيس محور بابويته. انه ملخص في شعار بابويته الرسمي، الذي تكلم به طوال فترة منصبه كرئيس أساقفة بوينس آيرس: “ميسيراندو اتكي اليغيندو,” اقتباس لاتيني من راهب القرن السابع الإنجليزي بيدا, الذي يعني، “بوجود الرحمة، وجود الاختيار.”

الاقتباس هو جزء من عظة بيدا المنتسبة الى إنجيل متى الذي يصف كيف ان يسوع دعا متى، جابي ضرائب مذنب ومكروه، أن يكون رسولا. كان ذلك من خلال رحمته، أو عطفه وتواضعه، أن يسوع دعا اثم مثل هذا إن يصبح “مختارا،” تابع ومبعوث من عند الله. كما يذكر يسوع في المقطع ذا الصلة في متى 9، في الواقع، تم اختيار هذا الرسول تحديداً, لأنه كان خاطئا. “هناك من لا يحتاج لطبيب، ولكنهم مرضى”، يفسر يسوع لتلاميذه في هذه الفقرة.

هذه هي باختصار رسالة فرانسيس، إلى العالم بأسره، وإلى الأثرياء، هي الكنيسة التي تغطي الكرة الأرضية التي يشرف عليها هو الآن. في الواقع، إنها تظهر إلى حد كبير هويته كقسيس. التحول الروحي الخاص بفرانسيس ، كما قال عدة مرات، قد حدث عندما شعر بعمر 17 سنة, أول استدعاء هائل للإيمان وللرهبنة. كان ذاك عام 1953. يوم: 21 سبتمبر، يوم عيد القديس متى.

رسالة الكنيسة للوفاء بالإنسانية، للتبشير والارتقاء، لا يمكن أن تتم عن طريق الحزبية السياسية أو الخلافات اللاهوتية، قال فرانسيس. يجب تنصيرها كما فعل يسوع، من خلال رؤية ما وراء الفتنة والاثم الذي تتفاعل الناس به مع العالم إلى المعاناة والانكسار في صميم التجربة الإنسانية.

لفرانسيس، جوهر الأزمة الحالية للكنيسة في الغرب المتحضر، وفي مواجهة النزاع والمعارضة في العالم الإسلامي وفي أماكن أخرى، هو التخلي عن هذا الاندفاع المسيحي الأصلي. على حد تعبيره، “دير الرعاية الكنيسية لا يمكن أن تكون هاجس انتقال للعديد من النظريات المفككة التي يمكن فرضها بإصرار… علينا أن نجد توازناً جديداً؛ وإلا حتى الصرح الأخلاقي للكنيسة عرضه للسقوط مثل بيت من ورق، فاقداً نضارة وعطر الإنجيل.”

التواضع، علم فرانسيس، هو شرط ضروري مسبق لتزايد صفوف الكنيسة. التواضع، لا سيما في مواجهة الصراع، هو السبيل الوحيد للكنيسة لتقديم التوجيه لأولئك الذين يعانون من الحرب أو الحرمان. وفقط عن طريق التواضع، يعتقد فرانسيس، سوف تصبح الكنيسة الكاثوليكية اللائية المتألمة, مرة أخرى منارة أخلاقية في الشؤون العالمية.

أيضا الملحدين يختبرون الخلاص من يسوع المسيح – ليس بسبب ان البابا قد تخلى عن طلب الإيمان كشرط مسبق للخلاص، ولكن لأنه فقط عن طريق التحدث إلى النواة البشرية الداخلية الجائعة للملحدين يمكن للكنيسة التحدث معهم. لا يمكن الحكم عبى مثلى الجنس بالسوء، “إذا تقبلهم الرب، وامتلكوا حسن النية”، ولا حتى من البابا – اذ ان اثمهم مجرد الهاء يقف بين إنسانيتهم العميقة ووعد الكنيسة بالخلاص.

عرين الأسد
قد يكون غريب القول, أن البابا – أسقف روما، النائب الأسقفي ليسوع المسيح، خليفة القديس بطرس، الأعظم للكنيسة العالمية، بطريرك الغرب، خادم خدم الله، من بين القاب أخرى – يبدو غير مرتاح مع احتفالات مفرطة. ولكن كان هذا الانطباع الواضح للكثيرين الذين شاهدوا البابا عن قرب في اجتماعاته في القدس هذا الأسبوع.

قمة زيارة البابا فرانسيس، من وجهة نظر إسرائيل، كان الاجتماع الذي عقده بين الزعيم الروحي لأكثر من 1 بیلیون من الكاثوليك والرئيس الفخري للدولة اليهودية الوحيدة في العالم، الرئيس شمعون بيريز.

البابا فرانسيس مع الباطريارك برثولميو في كنيسة القيامة  (screen capture: GPO)

البابا فرانسيس مع الباطريارك برثولميو في كنيسة القيامة (screen capture: GPO)

مع ذلك لم يبدو فرانسيس يشاطر الإسرائيليين حماسهم لهذا الحدث الرمزي. ممراً تعبير لطيف ومتعب، الحبر الأعظم البالغ من العمر 77 سنة سار ببطء – أبطأ من بيريز، كما بدا في كثير من الأحيان – على السجاد الأحمر في ممرات مقر الرئيس. بينما تحدث بيريز بشكل مؤثر حول طبيعة الأحلام التي لا تموت، قدم فرانسيس مذكرة بيروقراطية من الكلام الذي بدا أنه ركز أساسا على وضع المواقع الدينية.

مع ذلك, افتقاره الملموس للحماس للمطالب الشعائرية للزيارة كان أكثر وضوحاً نظراً لأنه تعين ضد عدة لحظات حماس متوهجة. عندما، في فناء المعشبة خلف مقر الإقامة، غنى 120 من الأطفال اليهود والمسيحيين والمسلمين، يرتدون الابيض المنساب، في عدة لغات حول الامتناع من “هللويا”، أخيرا ظهرت ابتسامة على شفتي “صاحب القداسة”. كل اتصال مع الأطفال – مصافحة، رقص مسرحي حيث شهد عدد قليل من دائرة الأطفال البابا – أثار ابتسامة دافئة.

لقد توقف لفترة طويلة، لامساً لحظة التحدث إلى المرضى من الأطفال المسيحيين الذين تم إحضارهم لمقابلته. يبدو للحظة وجيزة أخيرا, أنه فهم لماذا اتى هنا.

ان الكنيسة الكاثوليكية دكتاتورية، والبابا هو الحاكم الاعلى. وهكذا شخصيته، شأنها في ذلك شأن أي ملك، مركزية للحياة العامة للمؤسسة التي يحكمها. في مقر إقامة الرئيس، يمكن أن نرى بوضوح صارخ, مدى الأيديولوجية التي تستند إليها البابوية منتج شخصيته الخاصة.

وتفسر هذه الأيديولوجية، أيضا، طريقة تعامله وموقفه عندما وطئ من خلال الاراضي الإسرائيلية-الفلسطينية الملغومة التي إحبطت العديد من زعماء العالم الآخرين.

في استجابة لجهود الفلسطينيين والإسرائيليين للحصول على شرعيته ومصادقته على السرد، كان رده بسيطاً: رفض أي شيء. لقد اعترف بكل رمز، وقف عند كل جدار ونصب تذكاري، اعترف بمعاناة الفلسطينيين والإسرائيليين من ضحايا العنف الفلسطيني، الصهيونية ودولة فلسطين.

عند القيام بذلك، أنه لم يكن “بيدق،” ككثير من المتهمين على كلا الجانبين، وسخر في بعض الأحيان. لقد كان ببساطة كل شيئ الا رافضاً قطعا لعب اللعبة الإسرائيلية-الفلسطينية. ومثل متى في سرد العهد الجديد، أنقذه هذا التواضع. كلا الجانبين مقتنعون بأنه شهد واعترف بسردهم، وقد كتب ان اعترافه العلني للسرد الخاص بالجانب الآخر غير مهم.

قبل مغادرته البلاد، وجه البابا دعوة غير مخطط لها للرئيس بيريز ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس للانضمام إليه في الفاتيكان لصلاة من أجل السلام. الدعوة، التي قبلها الزعيمان فورا، كانت موضوع مثيراً للتفكير.

عباس وبيريز قد اجتمعا مئات المرات. عباس هو يشكل حكومة مع حماس، التي تواصل علنا دعوتها للإرهاب ضد المدنيين الإسرائيليين، في حين أن بيريز يشغل وظيفة رمزية منه وسيحال ال التقاعد في شهر يوليو.

البابا “لا يعرف ان بيريز لا يتخذ القرارات السياسية إطلاقاً،” اوضحت مسؤولة من منظمة التحرير الفلسطينية حنان عشراوي في تعليقات رددها مسؤولون مقربون من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو الذين كانوا محرجين من محاباة البابا لبيريز على رئيس الوزراء الذي يتولى السلطة الفعلية للتوسط في السلام.

ولكن ربما البابا فرانسيس ليس غبيًا كما يعتقد الإسرائيليون والفلسطينيون. أنه لم يوجه الدعوة لعباس وبيريز إلى مقر الكنيسة للتفاوض – ولكن الى الصلاة. في حين انه سار في عرين الأسد لثقتهم المتبادلة، كان يجني مكافأة الكنيسة الكاثوليكية: جاعلاً الفاتيكان الموقع حيث فيه القادة اليهود والمسلمون يخوضون صراعا طويل الأجل، وغارقين عميقاً في اتهامات متبادلة، اتين ليسألوا الله السلام.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.