الان اصبح الامر رسميا: يبدو بنيامين نتنياهو مصمما على إكمال مهمة فصل عضوية الخارجية الاسرائيلية التي بدأها عندما استأنف سلطته في عام 2009. أحدث تعييناته لمناصب دبلوماسية رئيسية (وأبرزها فياما نيرشتاين إلى روما وداني دانون الى الأمم المتحدة) ليست سوى اخر سلسلة من التحركات التي جردت وزارة الشؤون الخارجية من العديد من وظائفها وهمشت المساهمة المحتملة من قبل كبار العاملين فيها. في بيئة عالمية معادية إلى حد كبير للسياسات الإسرائيلية، ضربات ذاتية كهذه ليست اقل من ان تكون مازوشية. أنها بالتاكيد تجعل الموقف الدولي الهش فعلا لإسرائيل أكثر خطورة وتسرع العزلة المتنامية.

تملك إسرائيل حاليا علاقات دبلوماسية مع 159 دولة (حيث قطعت أربعة بلدان علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيا منذ عام 2009 وأغلق المكتب التجاري الأخير في الخليج في تلك السنة). إنها تحتفظ ب- 78 سفارة، حيث الكثير منها تخدم أكثر من بلد واحد (والمحافظة على علاقات مع بعض الدول الأخرى من قبل سلسلة من السفراء المتجولين المستقرين في القدس)، وكذلك 5 بعثات دائمة (الى الأمم المتحدة في نيويورك، إلى مؤسسات الأمم المتحدة في جنيف وباريس وفيينا، وإلى الاتحاد الأوروبي في بروكسل). عند اضافة 22 قنصلية إسرائيلية (10 في الولايات المتحدة لوحدها) إلى المزيج، فهي تدعم اليوم 105 بعثة دبلوماسية في الخارج (وفقا لميزانية 2015-2016، 5 من هذه من المقرر أن تغلق في السنة المقبلة). وبالتالي، من ناحية العدد, ستحافظ إسرائيل عللى وجود دبلوماسي في فقط 31.5 في المئة من ال-193 الدول العضوة في الأمم المتحدة، عددا ليس كبيرا نظرا لمركزية علاقاتها الخارجية المرتكزة على حيويتها الاقتصادية وشرعية وجودها.

تمنح هذه الأرقام الفعلية حسن سير السلك الدبلوماسي الإسرائيلي أهمية خاصة في هذه المرحلة الواهية. ولكن رئيس الوزراء, الذي ينبغي عليه أن يعي أفضل من ذلك (انه مدين بصعوده السياسي المبير لنجاحه الدبلوماسي عند توليه منصب السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة)، يبدو وكأنه عازم على احباط مبعوثيه. خلال السنوات الست الماضية، لقد اقصى بشكل منهجي وزارة الشؤون الخارجية، أولا من خلال تجريدها من العديد من مهامها، وبعد ذلك عن طريق مصادرة مناصبها الرئيسية.

منذ أيام دافيد بن غوريون وموشيه شاريت، لقد كان هناك احتكاك دائم بين رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية حول الطريقة الافضل لإقامة علاقات اسرائيلية خارجية. حتى مؤخرا، هذا الشد والجذب للحرب الجارية (التي ليست بأي شكل فريدة من نوعها لإسرائيل)، في حين متجاوزة في كثير من الأحيان القنوات الرسمية، لم تحاول بشكل متعمد تقويض أي نطاق لأنشطة خدمات الخارجية الاسرائيلية.

على مدى السنوات الست الماضية، تمت تجزئة المهام الرئيسية لوزارة الشؤون الخارجية بشكل منتظمة منتقلة إلى السلطات الأخرى. بلغت هذه العملية ذروتها بعد انتخابات عام 2015، حيث تولى خمسة وزراء على الأقل (باستثناء رئيس الوزراء) مسؤولية مختلف جوانب الشؤون الخارجية لإسرائيل. وشمل هؤلاء وزير المواصلات يسرائيل كاتس، الذي يدير ايضا ملف المخابرات. وزير الطاقة يوفال شتاينتس، الذي يشرف على لجنة الطاقة الذرية الإسرائيلية والمسائل النووية الحليفة. وزير الأمن الداخلي جلعاد اردان، الذي يرأس وزارة الإعلام (الشرح والتفسير) ووزارة الشؤون الاستراتيجية؛ وزير التعليم نفتالي بينيت، الذي يشرف على العلاقات مع الشتات (يعمل الآن مع ميزانية موسعة من ما يقارب 200 مليون شيكل)؛ وزير الداخلية سيلفان شالوم، الذي يشرف على المفاوضات مع الفلسطينيين ومسؤول عن الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة. يمكن زيادة هذا العدد إذا أضفنا وزير الهجرة والاستيعاب زئيف الكين (المسؤول ايضا عن شؤون القدس) ووزير الدفاع موشيه يعالون (الذي يسيطر على التجارة والتعاون العسكري الخارجي) إلى المزيج. في الواقع اذا، ان أكثر القضايا إلحاحا على أجندة الخارجية الإسرائيلية تكمن خارج نطاق وزارة الخارجية، والتي، مع الاحتفاظ بمسؤولية إدارة شؤون إسرائيل الخارجية، تفتقر إلى سلطة كبيرة لتطبيق هذه العلاقات، وتركت لتتعامل مع الجوانب الجارية لعلاقات إسرائيل الثنائية والمتعددة الأطراف, دون القدرة على التأثير على مضمونها.

لقد ارفق تشتت الجوانب الرئيسية للعلاقات الخارجية الاسرائيلية بعملية موازية من تركيزهم تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء، الذي كان مترددا في تعيين وزير خارجية بدوام كامل، لإبقاء المكتب تحت سيطرته المباشرة من خلال تعيين بديل سياسي، تسيبي حوتوفيلي، كنائبة وزير حيث تكون احدى مقربيه الشخصيين، دوري غولد، كمدير عام (وبالتالي استئصال فعال للقيادة المهنية رفيعة المستوى من إدارة الوزارة). يمارس نتنياهو الآن سلطته على كل الهيئات التي تتعامل مع العلاقات الخارجية الإسرائيلية, سواء بشكل مباشر من خلال منصبه في وزارة الخارجية أو بشكل غير مباشر من خلال هيمنته على وزرائه.

لقد مكنت هذه التغيرات الهيكلية احتكار اكبر من ذلك للسياسة الخارجية من خلال التلاعب في التعيينات الدبلوماسية. مساعدة التعيينات السياسية للمواقف الدبلوماسية ليست شيئا جديدا: في الواقع، يتم إضفاء الطابع المؤسسي على هذه الممارسة، مع تلقي كل رئيس وزراء احدى عشرة فرصة لوضع المنصب تحت امرته. في الماضي، تم تقسيم هذه بين الخبراء (مثل شمعون شامير كأول سفير للقاهرة وتمار جولان كالمبعوثة الاولى لأنغولا) وبين حلفاء سياسيين (بما في ذلك متان فلنائي في بكين أو إلياهو بن إليسار في باريس). تبعت تحديدات السفراء الماضية لبنيامين نتنياهو عموما التقاليد البالية والقابلة للنقاش بعض الشيء: تم إرسال كرمل شامة-هاكوهين لمنظمة التعاون والتنمية في باريس لتلبية احتياجات التحالف. مؤخرا, تم ارسال زعيم مجلس المستوطنين السابق داني دايان إلى البرازيل كمكافأة على كونه حليفا سياسيا لفترة طويلة.

قصة مبعوثي رئيس الوزراء إلى واشنطن مختلفة. لقد ولد وترعرع كل من مايكل أورين ورون ديرمر في الولايات المتحدة. الاول، مع ذلك، لم يكن على مقربة من نتنياهو. وعلى الرغم من نجاح مذكراته الأخيرة في فترة ولايته في العاصمة الأميركية، لم يكن مطلعا على التفاصيل الأكثر حساسية في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تم الاشراف عليها مباشرة من قبل رئيس الوزراء. السفير الحالي، من ناحية أخرى، هو المستشار السياسي الحميم والذي يعمل كذراع نتنياهو الطويلة في واشنطن – دور الذي، إلى جانب الصلات الوثيقة مع الحزب الجمهوري، جعله شخصا غير مرغوب فيه لدى الإدارة الحالية.

قرار ارسال فياما نيرشتين، نائب سابقة من حزب سيلفيو برلسكوني والتي نشأت في إسرائيل لفترة اقل من سنتين حتى و قبل بالكاد اثني عشر شهرا, خسرت محاولة رئاسة الجالية اليهودية في إيطاليا، يتبع هذا المسار نفسه. بعبارة ملطفة، أثار تعيينها الدهشة في الأوساط السياسية في روما، الذين عصوا أن يفهموا كيف يمكن لسياسية سابقة في ما هو الآن أحد أحزاب المعارضة, أن تدعم علاقات مع الحكومة الحالية. كما ان ذلك يعزز شعور عدم الراحة الهائل في الأوساط اليهودية، الذي سبق واتهم بالولاء المزدوج.

ما يريد الحيرة, هو إعلان استقالة وزير العلوم والتكنولوجيا والفضاء لتولي منصبه في الامم المتحدة, المنصب الذي أخلاه الدبلوماسي رون بروسور. على الرغم من ان رحيل داني دانون إلى نيويورك يحرر منصبا في الحكومة ويخفف عن نتنياهو الضغوط التي اضفاها ككونه رئيسا للجنة المركزية لحزب الليكود، ان إبعاده عن الساحة السياسية المحلية لا يمكن أن يفوق الأضرار الناجمة عن تعيين سفير عديم الخبرة (والذي يعتبر أشد معارضي الدولة الفلسطينية، من المتحدثين علنا وبشدة عن القضايا الاقليمية وأحد اكبر منتقدي الرئيس أوباما) ليتولى المنصب الدبلوماسي الأكثر حساسية في الساحة العالمية. لا يمكن لاي لجوء إلى اعتبارات سياسية ساخرة أن يفسر هذا الاختيار؛ ولا يمكن الرجوع إلى الديون السياسية العالقة لتبرير الثمن الذي سيلقيه ذلك على مكانة اسرائيل الدولية المتراجعة بالفعل.

افضل تفسير لقرار السيد نتنياهو في هذا الشأن، كما في القضايا السياسة الخارجية الأخرى كجزء من الميل المتزايد للتأكيد على كل جبهة متصورة تقريبا، انه الوحيد الذي يعرف ما هو الأفضل لإسرائيل ومستقبلها. مزيج الميزات التي سمحت له بتحدي الرئيس الأمريكي بغطرسة في ميدانه, هي نفسها التي تدفعه لمواجهة مجتمع دولي قلق في ميدانه الخاص.

ظاهرة نتنياهو، المركبة من مزيج من جرعات عالية من الثقة بالنفس والعناد الى جانب ازدراء لمعظم الأفواج المهنية والسياسية، هي في نهاية المطاف هزيمة ذاتية. الدبلوماسية، فن الحفاظ على علاقات جيدة مع دول أخرى على الرغم من الخلافات، لا يمكن الالقاء بها مع مهب الرياح مع تنازل كهذا. خدمات الخارجية الاسرائيلية الخاصة – الموهنة، قليلة الشأن، والتي تخوض الان نزاع عمالي آخر – اضعفت وقلصت بالذات عند اشد حاجة إليها. ان المناورة الخارجية المحدودة لإسرائيل مقيدة اكثر مع استمرار تحدي رئيس الوزراء للمشاغل والاتفاقيات الدولية دون هوادة. إذا تركت دون رقابة، يتم تعريض مكانة إسرائيل في المجتمع الدولي للخطر من خلال قيادتها المنتخبة الخاصة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.