يوم الخميس، سيلقي رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كلمة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في ولاية نيويورك والتي وعد العديد من شركائه بأنها ستكون “استثنائية”. وتنبأ آخرون بإعلان درامي وتاريخي.

غير أن مقربون من عباس صرحوا أكثر من مرة في السنوات الأخيرة، وأعلنوا عن خطابات دراماتيكية تبين أنها لا تحتوي على بيانات غير عادية على وجه الخصوص. قد يكون هو الحال هذه المرة أيضا، أن يلقي عباس خطلبا أخرا ينتقد فيه الولايات المتحدة بسبب تحركاتها الأحادية الجانب تجاه الفلسطينيين، ويدعو المجتمع الدولي للتدخل في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني للحفاظ على حل الدولتين على قيد الحياة، وبطبيعة الحال، مستوى التهم لا حصر لها ضد إسرائيل.

على الرغم من أن عباس قد يدعي أيضا أن إسرائيل لا تحتفظ بجزءها من اتفاقيات أوسلو، وبالتالي فهي لاغية وباطلة، فمن غير المرجح أن يكون لخطابه أي أهمية دائمة.

ما ينبغي أن يضايق إسرائيل في هذه المرحلة ليس مضمون خطابه في نيويورك في غضون أيام قليلة، بل التدابير الفعلية التي يخطط لها عباس في المستقبل القريب.

وقال أكثر من مصدر أنه أعطى حماس، عبر مصر، إنذارا صريحا: الموافقة على نقل مسؤولية الأمن في قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية، بما في ذلك تسليم “أسلحة المقاومة” بحلول أوائل أكتوبر. إذا لم تقم حماس بذلك، فسيوقف عباس تحويل أموال السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة.

والأموال المعنية، والتي تعتبر حاسمة، تصل إلى 96 مليون دولار شهريا وتستخدم لدفع مرتبات حوالي 60,000 مسؤول في السلطة الفلسطينية في غزة (الذين كانوا يتلقون نصف أجرهم لأشهر على أي حال)، بالإضافة إلى خدمات مثل أربع ساعات من الكهرباء يوميا يحصل عليها المواطن العادي في غزة، بالإضافة إلى الوقود والدواء.

إن وقف تحويل هذه الأموال إلى غزة سيكون بمثابة حكم إعدام مالي يمكن أن يكون له أهمية بالغة بالنسبة لإسرائيل – في شكل تصعيد في التوترات، تفشي العنف، وأخيرا صراع واسع النطاق مع حماس.

فلسطينيون يسيرون في شارع مظلم أثناء انقطاع التيار الكهربائي في مخيم الشاطئ للاجئين في مدينة غزة، 11 حزيران 2017. (AFP/Mahmud Hams)

إحدى طرق التعامل مع مثل هذه التحركات من قبل عباس التي تم فحصها في الماضي هي خصم الأموال التي يحجزها عن غزة من مدفوعات الضرائب التي تنقلها إسرائيل إلى السلطة الفلسطينية – وهذا يعني أن إسرائيل ستخفض كل شيقل قرر عباس عدم منحه إلى غزة وتحويل المبلغ الإجمالي للقطاع بطريقة أو بأخرى.

لكن فعل ذلك ليس بهذه البساطة. أولا، كيف يمكن لإسرائيل أن تجد آلية لدفع رواتب 60 ألف مسؤول في السلطة الفلسطينية في غزة؟ أيضا، كيف ستتأكد إسرائيل من أن الأموال ستصل إلى جيوب السكان بدلا من خزائن حماس؟ وحتى إذا تم التوصل إلى طريقة للتأكد من ذلك، فإن العملية ستجعل إسرائيل تتدخل لتضمن بقاء حماس في غزة، ولو بشكل غير مباشر.

علاوة على ذلك، في المرة الأخيرة التي حاولت فيها إسرائيل خصم هذه الضرائب من الأموال التي تنقلها إلى السلطة الفلسطينية، أمر عباس بعدم قبول أي أموال ضريبية من إسرائيل على الإطلاق. لم يُدفع لأي مسؤول في السلطة الفلسطينية، بما في ذلك المسؤولين في الضفة الغربية، لمدة ثلاثة أشهر، ما خلق تأثيرا فوريا قويا أدى إلى تهديد اندلاع العنف في الضفة الغربية وكذلك في غزة.

عندما إنتهت الأشهر الثلاثة، استسلمت إسرائيل واستأنفت تحويل أموال الضرائب، بأكملها، إلى السلطة الفلسطينية.

بطاقة الأمن

لدى عباس سلاح آخر يمكنه استخدامه ضد إسرائيل إذا ما قرر إسرائيل حجب أموال الضرائب، حيث يمكنه إيقاف التنسيق الأمني ​​بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، مثلما فعل بعد أزمة البوابات الإلكترونية المثبتة في الحرم القدسي في الصيف الماضي بعد هجوم في الحرم.

توقفت الاجتماعات بين المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين والفلسطينيين وانخفض التنسيق إلى الحد الأدنى، ما خلق قدرا لا بأس به من التوتر بين الجانبين. مثل هذا الإجراء سيؤدي، على المدى الطويل، إلى الصراع مع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بدلا من حماس في غزة.

تجدر الإشارة إلى أن التنسيق الأمني ​​بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية مستمر في الوقت الحاضر.

في تقرير صدر هذا الأسبوع عن وزارة الخارجية الأمريكية حول الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط، جاء صراحة أن السلطة الفلسطينية وقواتها الأمنية قد عملت ضد الإرهاب وحالت دون وقوع هجمات ضد إسرائيليين، من بين أمور أخرى، حيث قامت باعتقال أعضاء في حماس، الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

يشير التقرير إيجابيا إلى دائرة الأمن الوقائي التابعة للسلطة الفلسطينية، برئاسة زياد هب الريح، وجهاز المخابرات العامة بقيادة ماجد فرج، بوصفهم قادة في هذا العمل.

صورة توضيحية: تجمع قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية خلال مظاهرة في مدينة رام الله بالضفة الغربية تدعو الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى إنهاء العقوبات المالية المفروضة على الفلسطينيين في قطاع غزة، في 14 يونيو 2018. (AFP Photo/Abbas Momani)

لدى إسرائيل أيضا أمور إيجابية تقولها حول التنسيق الأمني ​​حيث أن كل شيء مستمر كالعادة، سواء كانت اعتقالات أو منع هجمات.

حتى في الحادثة الأخيرة عندما دخلت حافلة مليئة بالجنود الإسرائيليين إلى مخيم قلنديا للاجئين، كان ضباط الشرطة الفلسطينيون هم الذين أنقذوا الجنود، الذين عانوا من إصابات طفيفة – وهذه حقيقة مهمة بالنظر إلى الموقع والتوقيت.

في حين أن هذا التنسيق حيوي بالنسبة للسلطة الفلسطينية، إلا أنه أمر بالغ الأهمية بالنسبة لإسرائيل.

عباس يحمل مستقبل التنسيق الأمني، وإلى حد كبير، الوضع الراهن المحيط بغزة، بين يديه. إنه يظهر قدرة هائلة على التحكم في ما يحدث على الأرض، وله تأثير كبير على تقدم المحادثات بين مصر وحماس وإسرائيل على اتفاق وقف إطلاق النار، وقد نجح، من خلال أفعاله، في تغيير توجه القاهرة.

لقد خضع تفكير مصر بشأن ترتيب بدون عباس لتحول كامل: القاهرة تعمل الآن من أجل المصالحة بين حماس وفتح، ولن تعمل على ترتيب ما لم تتحقق.

 

نجح عباس، البالغ من العمر (83 عاما)، في الحصول على مكانته كحاكم وحيد وبشكل كامل في السلطة الفلسطينية وفي حركة فتح، دون أن يتحداه أحد.

في الوقت الذي لا يوجد فيه نقص في الصراعات داخل حماس بين هؤلاء في غزة بقيادة يحيى السنوار والذين هم خارجها تحت قيادة صالح العاروري، فإن فتح تأخذ أوامرها من عباس فقط.

توفيق طيراوي. (AP/Majdi Mohammed)

لا تجري أي مناقشة حقيقية حول خلف له، على الرغم من أن العديد من كبار المسؤولين في فتح يستعدون بهدوء لليوم التالي لعباس. (البعض يفعلون ذلك بشكل صاخب – مثل توفيق الطيراوي، الذي اعتقل بعض تابعيه من قبل الأجهزة الأمنية لتصنيع الأسلحة في محلات صنع الأسلحة في شمال الضفة الغربية).

كل هذه التطورات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وأولها وأهمها قرار عباس الوشيك وقف تحويل 96 مليون دولار شهريا، من المتوقع أن يكون لها تأثير كبير على الوضع بين إسرائيل وغزة.

رجل فلسطيني يتسلق سياجا بينما تسقط قنابل الغاز المسيل للدموع التي أطلقتها القوات الإسرائيلية عبر دخان أسود من الإطارات المحترقة خلال مظاهرة على طول السياج الحدودي ​​شرق مدينة غزة في 14 سبتمبر 2018.(Said Khatib/AFP Photo)

وقف التمويل المقصود لدى عباس يجعل وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين (الأنوروا) التي تقدم مساعدة مباشرة وغير مباشرة لكل فلسطيني ثالث في الضفة الغربية، على حافة الانهيار المالي، بعد سحب ترامب التمويل الأمريكي. كما ستوقف شبكات الصرف الصحي والمياه في غزة عملياتها ومع اشتداد المصاعب المالية، يتزايد سقوط عدد أعضاء الطبقة العليا في غزة في الفقر.

وحماس، هدفها واضح: لن تنظر إلى ذلك بعدم إكتراث. فهي تنوي القيام بكل ما في وسعها لإجبار إسرائيل على التصرف بشكل حاسم ضد مثل هذه الخطوة من جانب عباس.

حماس لا تريد الحرب في هذه المرحلة. بل انها تخطط فقط لتعزيز الصدامات الحدودية، وإطلاق بالونات حارقة باتجاه إسرائيل….

ولكن إذا فشلت هذه المظاهرات في إحداث أي تغيير حقيقي في الوضع المالي في غزة، فمن المرجح ألا تتوقف حماس عند هذا الحد. سوف ينجرف كلا الجانبين إلى صراع دموي عنيف من أجل الحفاظ على السيطرة على الجيب الفلسطيني.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.