لقد مثلت الانتخابات البلدية التركية التي نظمت في 31 اذار 2019 تحولا مركزيا في الوضع الداخلي التركي وانعكاسا قويا على جوانب الحياة السياسية المستقبلية لتركيا بشكل عام وللرئيس التركي رجب طيب اردوغان وحزبه بشكل خاص ، اذ انه وللمرة الأولى منذ العام 2002 شكلت نتائج هذه الانتخابات صدمة لحزب العدالة والتنمية وقيادته ، حيث اصبح واضحا في المقاطعات التركية ال 81 مقاطعة تحولا جوهريا وملموسا في المزاج الانتخابي للناخب التركي وبنسب متفاوتة من مقاطعة الى أخرى ومن مدينة الى أخرى .

وتمثل مشاركة 12 حزبا تركيا في هذه الانتخابات مؤشرا قويا على التنافس الحزبي بها ، ولكن التنافس الحقيقي في تلك الانتخابات كان بين الأحزاب الثلاثة الرئيسية وهي حزب العدال والتنمية والذي يراسه الرئيس التركي الحالي رجب طيب اردوغان ، وحزب الشعب الجمهوري الذي يراسه كمال اوغلو ، وحزب الحركة القومية والذي يراسه دولت بهجلي ، اذ حصل حزب العدالة والتنمية على 44.95% وحزب الشعب الجمهوري على 30.25 % و حزب الحركة القومية على 6.80 % و حزب الشعوب الديمقراطي 4.01% ولاحزاب الأخرى 6.60%، وهذه النتيجة تبين تقدم الأحزاب المنافسة وتراجع حزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية ، وقد لعبت الكثير من العوامل الداخلية والخارجية في الوصول الى هذه النتيجة ، ولكنها تمثل مؤشرا قويا على تراجع حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية اليميني، في المشهد السياسي التركي وتقدم الأحزاب المنافسة وخاصة حزب الشعب الجمهوري.

 وتنبع أهمية هذه الانتخابات لانها تمثل آخر استحقاق انتخابي يجري في تركيا حتى عام 2023، وأول انتخابات محلية تجري منذ تشكيل التحالف الانتخابي بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية عام 2015، وفشل عملية السلام مع الأكراد وعودة العمليات المسلحة، وكذلك إعلان حركة كولن كـ «جماعة إرهابية» وإقصائها من القضاء والشرطة ، وهو أيضا اول استحقاق انتخابي منذ الهبوط المستمر للعملة التركية ، والازمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا طوال العام2018 والذي بلغت نسبة التضخم حوالي 20% وزيادة معدلات البطالة وتراجع مؤشرات النمو الاقتصادي مقارنة بالسنوات الماضية

ان العامل الأهم الذي تجلى في هذه الانتخابات انها كانت مؤشرا واضحا على شعبية الرئيس التركي ردب طيب اردوغان ، اذ حصل اردوغان في الانتخابات الماضية على ما مجموعه 26 مليون صوت ، بينما حصل حزبه حزب العدالة والتنمية في اخر انتخابات على 21 مليون صوت ، وهنا يظهر بوضوح تفوق شعبية اردوغان على شعبية حزبه ، وكان لافتا في هذه الانتخابات البلدية التصاق صورة اردوغان مع صور مرشحي البلديات من حزب العدالة والتنمية في كل المدن والقرى التركية وذلك للاستفادة من شعبية اردوغان وكسب تاييد الشارع التركي ، ولكن رغم ذلك لم يشفع لهم هذا التوجه فقد كانت النتيجة سلبية.

ولابد هنا من الاشارة الى تراجع حزب الحركة القومية حليف حزب العدالة والتنمية ، فقد انخض من 11% في الانتخابات الماضية الى 6.8% في هذه الانتخابات ، وهو مؤشر مهم على تراجع حزب العدالة والتنمية وحلفاءه ، اذ ان تحالف حزب الحركة القومية اليميني مع اردوغان افقده الكثير من جماهيريته في الشارع التركي ، وقد تحمل هذه النتيجة حزب الحركة القومية الى إعادة النظر في تحالفه مع اردوغان وحزب العدالة والتنمية.

يمكن القول إن حزب الشعب الجمهوري المعارض هو أكبر الفائزين في هذه الانتخابات، إذ رفع رصيده من 13 إلى 20 بلدية في عموم تركيا من أهمها العاصمة انقرة وإسطنبول وازمير وانطاليا وهي بلديات ذات مراكز سكانية كبيرة في تركيا، إضافة الى الأهمية السياسية والمعنوية لمدينة إسطنبول اذ انه يقال في تركيا انه من يحكم إسطنبول ويفوز بها يفوز في تركيا، وعلى الصعيد الاخر تراجع حزب العدالة والتنمية من 50 بلدية الى 40 بلدية وهذا تراجع واضح في شعبية الحزب .

لقد كانت سياسية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الداخلية والخارجية مؤشر واضحا حول تحكم واستفراد اردوغان بالسلطة ، والنظر الى ابعاد تاريخية وإعادة امجاد الامبرطورية العثمانية وقد بدا ذلك في تصريحاته السياسية في كثير من المحافل والمنابر ، وهذا ما يواجه معارضة في كثير من قطاعات الشعب التركي وخاصة ذو التوجهات القومية ، مما شكل عاملا مهما في تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية في الشارع التركي.

ان سوء العلاقات مع الاتحاد الأوربي وخاصة فيما يتعلق بلمف الحريات الداخلية ، وحملات الاعتقالات التي قامت بها الحكومة التركية على اثر الانقلاب في العام 2016 ، وتوتر العلاقات التركية مع الولايات المتحدة الامريكية ، اضف الى توتر العلاقات مع دول الخليج العربي و ملف اللاجئين السوريين في تركيا وخاصة فيما يتعلق بموضع التجنيس الذي اقرته الحكومة التركية للسوريين كان لها اثر كبير في تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية في تركيا.

ولا بد همنا من الإشارة الى ان الجيل الذي شارك في هذه الانتخابات لأول مرة من الجيل الشاب التركي هو يعرف حكم حزب العدالة والتنمية فقط ولم يعيش تجربة تركيا من قبل ، وبالتالي فانه يحمل حزب العدالة والتنمية الحاكم مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد ومشاكل الحياة اليومية التي يمر بها المواطن التركي.

ان نتائج هذه الانتخابات تعتبر مؤشرا قويا على تحول في الراي العام التركي ومزاج الناخبين الاتراك وموقفهم من حزب العدالة والتنمية وتعتبر استفتاءا على شعبية الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ، ويجب التنويه هنا الى نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية في تركيا التي اقترحها حزب العدالة والتنمية صوتت كل من إسطنبول وانقرة وازمير وانطاليا ضد تلك التعديلات ، واليوم أيضا تؤكد هذه المدن الرئيسية رفضها لمرشحي حزب العدالة والتنمية.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.