يصعب تتبّع أصول مفهوم “سيادة القانون” في العصر الحديث إلى أبعد من إنجلترا القرن السابع عشر. وكلما ازددتُ شغفاً بأهمية حماية الحريات الفردية، وتبنّي حُكم القانون، ودور المؤسسات في التنمية الاقتصادية، كلما ازدادت قناعاتي بالدور الهام الذي لعبته أيضاً “الجمهورية الهولندية”. ويدفعني جهلي إلى السعي أكثر، وإلى معرفةٍ أعمق، عن تطور الأفكار المشابهة في عصر النهضة في ايطاليا (وخاصة في فلورنسا). ولا يمكنني الحديث هنا عن سيادة القانون إلا بتذكير القارئ عن هذه الحقيقة المثيرة: يبدو أن الحضارة العظيمة الوحيدة، غير الأوروبية (وأعني بها الصين)، قد طوّرت، وفي نفس الوقت الذي طوّر به الإغريق، مفاهيم قانونية مشابهة؛ إذ كانت النزعة السياسية العظمى في الصين (منذ القرن السابع وحتى الثالث قبل الميلاد) هي الانتقال من حكومة أشخاص، ذوي سلطات مطلقة، إلى حكومة قوانين. ويقتبس (فونغ يو-لاي) من “تاريخ الفلسفة الصينية” رسالةً معزاة إلى (كوانغ تشونغ)، تم على الأرجح تأليفها في القرن الثالث قبل الميلاد: “عندما تُحكم الدولة بالقانون، تسير الأمور في نصابها الصحيح. وإذا لم يكن القانون موحَّداً، سيصيب الدولةَ سوءُ الطالع”.

ولطالما قيل بأن الأقدمين لم يعرفوا الحرية (بمعنى الحرية الفردية)، فقد يكون ذلك صحيحاً بالنسبة للديمقراطية المتردية في عصر (أفلاطون)، ولكن ليس بالتأكيد بالنسبة للأثينيين، الذين قال لهم (بريسليس): “الديمقراطية التي نتمتع بها في حكومتنا تمتد أيضاً إلى حياتنا العادية”، والذين ذكَّرهم قائدُهم بأنهم يقاتلون، فوق كل شيء، من أجل بلدٍ لهم فيه “مُطلق الحرية في العيش كما يشاؤون” (ثوسيديديس، “الحروب البيلوبونيزية”). فما هي السمات الرئيسة لـــ”أكثر الناس حريةً في أكثر البلدان حرية”، كما قال (نيسياس) عن أثينا، وكما بدت لكلّ من اليونانيين أنفسهم، وللإنجليز في العصور المتأخرة لـــ(جون ستيوارت ميل)؟

الجواب توحي به كلمةٌ استعارها “الإليزابثيون” من اليونانيين، ولم تعد مستخدمة منذ ذلك الوقت: إنها الـــ(إسونوميا) Isonomia والتي تعني “تساوي الجميع أمام القانون”. وقد استمر استخدامها خلال القرن السابع عشر، إلى أن حلّت محلها مصطلحاتنا العصرية مثل: “المساواة أمام القانون”، و”حُكم القانون”، و”سيادة القانون”. ويبدو أن هذا المفهوم (سيادة القانون) سابقٌ لمفهوم “الديمقراطية” Demokratia. فبالنسبة لـــ(هيرودوتس)، ظلت الـــ(إسونوميا) “أجمل الأسماء في النظام السياسي”.

هناك دليلٌ واضح على أن الاستخدام الحديث لعبارة: “حكومة قوانين، لا حكومة رجال” مستمدّ من منهج (أرسطوطاليس). ولا ننسى هنا ما أعلنه (جون آدمز)، عام 1766، بأن أمريكا “هي أمة قوانين، وليست حُكمَ رجال”. وما اعتراض (آدمز) على “حكم الرجال”، بدلاً من “حكم القانون”، إلا أشارة واضحة على أهمية سيادة القانون لتقدّم المجتمعات: “أمةٌ من الرجال” ستكون حكومةً تحكمها أهواء ورغبات رجال السياسة، لا تردعهم أية قيود في فرض ما يرون على مَن يخضع لحكمهم. أما “أمة القانون”، من الناحية الأخرى، فتستبدل التفضيلَ بالمبدأ في إصدار الأحكام. وبعبارةٍ أخرى، فإن العيش في مجتمعاتٍ لا يسودُها حُكمُ القانون، ما هو إلا عيش الطبيعة البدائية!

خلال القرن السابع عشر، حلّ تأثير الكتّاب اللاتينيين محل اليونانيين. فروح القوانين هذه، لــ”روما الحرة”، وصلت إلينا عن طريق أعمال مؤرخي وخطباء ذلك العصر، ومنهم (ليفي)، الذي قدّم لنا التفريق بين “حكومة القانون” و”حكومة الرجال” imperia legume potentiora quam homium. والواقع أن (سيسيرو) أصبح المرجعية الرئيسة، ونحن مدينون له بالعديد من أهم الصياغات الفعالة للعيش في ظل القانون. ويعود الفضل كذلك لمفهوم القواعد العامة Leges Legum التي تحكم التشريعات، ولأهمية طاعتنا لحُكم القانون لكي نكون أحراراً. كما جاءت إلينا كتابات (مونتيسكيو) في “روح القوانين”: “تتكون الحرية أساساً من كونها لا تجبر أحداً على فعل شيء لا تستوجبه القوانين”، والكتابات السياسية لــ(جان جاك روسو): “لا توجد حرية بدون قانون، ولا يوجد أشخاص فوق القانون”. كل هذه الأفكار كان لها تأثير حاسم خلال المائة عام التالية، ليس فقط في إنجلترا، ولكن أيضاً في أمريكا والقارة الأوروبية. ورغم ظهور أعمال أخرى في ذلك الوقت، إلا أن كتاب (جون لوك)، “الأطروحة الثانية حول الحكومة المدنية”، لهو الأبرز من حيث استمرارية تأثيره.

لو كانت هذه الأداة (سيادة القانون) قد صُممت بتخطيطٍ وتدبير، لاستحقت أن توضَع في مصاف أرقى اختراعات الإنسان! ولكنها، بالطبع، لم تكن اختراعاً؛ بل، شأنُها شأن اللغة، والنقود، ومعظم الممارسات والعادات التي يقوم عليها المجتمع المتقدم، كانت تطوراً تاريخياً. وكما قال (مونتيسكيو): “قد تملك الكائنات الذكية قوانين مِن وضعِها؛ ولكنها أيضاً تملك بعض القوانين التي لم تضعها أبداً”. وبشكلٍ عام، يُنظر إلى سيادة القانون كمبدأ يجوز بمقتضاه ممارسة السلطة الحكومية فقط طبقاً للقوانين المعروفة، والتي يتم تبنّيها من خلال إجراءاتٍ راسخة. فالقوانين تضعها المجالس التشريعية أو الحكومات، والتي يُتوقع، من الجميع، احترامها؛ بيد أن سيادة القانون تعني أن هنالك قانوناً أعلى، وَجَبَ على القوانين والتشريعات اتباعه. أما الهدف الأسمى من سيادة القانون، فهو حماية حرية الفرد مقابل تعسّف الدولة؛ فليس من شيء يميز المجتمع الحرّ عن غيره أكثر من سيادة القانون. وبهذا المعنى، وكما قال عالم القانون الدستوري (دايسي): “إن حكم القانون هو النقيض لكل نظام حكومي قائم على ممارسة أفراد الحكومة لسلطاتٍ واسعةٍ عشوائية، وكيفيةٍ مانعة”. لذا، تقتضي سيادة القانون بأن يُخضِع السياسيون والمشرّعون أنفسَهم لأنظمة محدّدة، وأن لا تعفي الحكوماتُ نفسَها من القوانين.

يرى أحد عظماء المؤرخين المختصين في تاريخ القانون، السير (هنري ماين)، أن حركة تطور المجتمعات كانت “من الوضع (أي المكانة، أو المنزلة التي يشغلها الفرد في المجتمع) إلى العقد”. بيد أن التأكيد على العقد، كنقيضٍ للوضع، ينطوي على بعض التضليل، لأنه قد يُبرز الأدوات التي يوفرها القانون للفرد لتشكيل وضعه الخاص؛ لذا فإن النقيض الحقيقي للـــ”الوضع” هو “عهدٌ” من القوانين العامة والمتساوية، أي قواعد تُطبَّق على الجميع، أو، ربما نقول، لعهدٍ من قواعد القوانين، أي بالمعنى الأصيل لكلمة “قوانين” باللغة اللاتينية Leges أي كنقيضٍ للقوانين الخاصة، أو المتحيزة، أو الممنوحة كاستثناءات Pivi-Leges.

إن أيّ مجتمعٍ لا تسري في شرايينه سيادة القانون، ستصبح الحياة فيه (العامة والخاصة) تماماً كما وصفها المفكر الإنجليزي (ثوماس هوبز): “معزولة، وفقيرة، وبشعة، ووحشية، وقصيرة”! فالرومانسي الفوضوي هو وحده الذي يظن أن هنالك انسجاماً طبيعياً بين الناس بغياب القوانين والأحكام! وفي ظلّ دولة يحكمها القانون، لن يعود في وسع الساسة تمكين البعض من الكسب على حساب الآخرين؛ ولن يعود في وسع أيّ أحد سلب إرادة الآخر؛ ولن يعود في وسع الجماعات المنظَّمة استغلال بعضها البعض؛ ولن يكون هناك محاولة أيٍّ كان “الأخذ” عن طريق السياسة، ولي الذّراع، وعرض العضلات، والبلطجة (سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وحياتياً).

فدولة القانون لا تؤمن بـــ”حُكم القوى”، التي لا زالت، ويا للأسف، تحكُم طريقةَ العيش في مجتمعات الشرق الأوسط، بل تتبع منهج “قوة القوانين”. فبموجب المنهج الأول، من “حُكم القوى”، تُطاع القرارات من خلال الإجبار، والخضوع للقوة الاستبدادية والسياسية والاجتماعية، وقوة الاقتصاد الميليشوي، والسطوة الفكرية؛ أما المنهج الثاني فيلتزم بمبدأ: أمّةُ قوانين، لا أمّةُ رجال.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.