يصاحب الأسابيع الأخيرة من هذه الجولة الثالثة من الانتخابات الإسرائيلية نشاط مكثف – يكاد يكون محموما – من قبل قادة الأحزاب ومجموعة قليلة من مؤيديهم المتعصبين. توقف معظم الإسرائيليين عن الإستماع. إنهم منشغلون بالنأي بأنفسهم عن الحملة الإنتخابية كما لو أنها معدية أكثر من فيروس كورونا.

بغض النظر عن النتيجة الفعلية لانتخابات الثاني من مارس، فإن الدورات الانتخابية المستمرة لها تأثير ليس فقط في تجريد آخر بقايا الثقة الشعبية في النظام، ولكن أيضا في التراجع التام عما تبقى من القواعد الديمقراطية للعبة. قد تلائم نظرية الفوضى في الانتخابات بعض الجهات الفاعلة، لكن بالنسبة لإسرائيل ككل، فإنها تشكل نقلة نوعية لها عواقب لا حصر لها. لهذا السبب – إن لم يكن لأي سبب آخر – يجب إنهاء متلازمة الانتخابات الدائمة دون خاتمة، والناخبون الإسرائيليون الساخطون بشدة هم وحدهم القادرين على تحقيق ذلك.

أصبحت سلع الأحزاب السياسية المتنافسة في إسرائيل غير واضحة وسطحية مع انتقال الدولة من حملة إنتخابية إلى أخرى خلال العام الماضي. يتنافس المتنافسان الرئيسيان على نفس الشعارات البالية مع جوهر أقل وأقل. في هذه المرحلة، يصعب على معظم الإسرائيليين التمييز بين حزب “الليكود” وحزب “أزرق والأبيض” في كل شيء بدءا من الأمن، وخطة ترامب ، والقلق بشأن احتمال فتح إجراءات قانونية ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية وصولا إلى الردود على قيام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بنشر قائمة تضم الشركات العاملة في المستوطنات. الأحزاب الرئيسية لم تقدم بعد أي اقتراحات ملموسة للتعامل مع تزايد السخط العام على قضايا الخبز والزبدة في المنزل. يتم استقبال الوعود التي تقوم هذه الأحزاب بتوزيعها بشأن تكاليف المعيشة والصحة والتعليم والاقتصاد بجرعات كبيرة من عدم التصديق.

لذلك ليس من المستغرب أن تركز الحملات الانتخابية الكبرى على سمات القيادة بدلا من التركيز على المحتوى. لقد كان للأسئلة المتعلقة بالنمط والاستقامة والمسؤولية وسجلات التتبع أثر مخفّف، مع تولي شخصيتي نتنياهو وغانتس المختلفتين تماما مركز الصدارة. لم يكن تضخيم الاختلافات الأيديولوجية على الهوامش السياسية قادرا على منع هذا التقطير، حيث كانت النتيجة هي أن الشائعات والتشويش والتضليل المقصود أصبحت متوفرة وبكثرة، بالإضافة إلى الاعتداءات الوقحة على التماسك الاجتماعي.

إن الإقصاء المقصود للمواطنين العرب في إسرائيل من المناصب الحكومية من قبل المرشحين الرئيسيين ومعظم أتباعهم لا يؤدي إلا إلى زيادة التباين بين الإدماج المدني والحصرية اليهودية. كما أنه يقوض الحق الديمقراطي الأساسي في التصويت والترشح لأي منصب، وبالتالي يسمح بالتقليل المتعمد للمعايير الديمقراطية. القاعدة الوحيدة التي تلتزم بها حكومة انتقالية تم تجدديها مرتين وتفتقر إلى الشرعية الشعبية هي قاعدة القوة المحضة. بما يعكس محليا نظاما عالميا جديدا يعتمد على القوة المحضة على حساب القيم المرشدة، حيث يكون هناك تصميم على استخدام كل أداة متاحة – بما في ذلك الهجمات المباشرة على المؤسسات البيروقراطية والقضائية والعسكرية وأصحاب المناصب – طالما أنها تخدم أغراضها.

هذه هي خلفية تنامي السخط العام. وفي الوقت الذي يشير فيه استطلاع رأي تلو الآخر على حالة الجمود الانتخابي المستمرة، لا يتم إيلاء الاهتمام الكافي للتحولات العميقة في المواقف تجاه العملية الانتخابية المتكررة في مجملها. في الواقع، ما يضيع في هذا الخلط هو عدم الثقة المتزايد لدى معظم المواطنين في السلوكيات المثيرة للإشمئزاز لأولئك الذين يسعون للحصول على دعمهم. إن الخط الفاصل بين النشاط السياسي وحالة اليأس المدني هو خط رفيع بالفعل.

إن الرد الأكثر شيوعا هو عدم الاهتمام المدروس في أي شيء يصف السياسة. ولا يتعلق الأمر باللامبالاة وعدم الاهتمام بقدر تعلقه بالاحتقار المطلق للسياسيين وما يمثلونه، حيث تضاءلت المناقشات حول المسائل العامة بشكل ملحوظ. في بعض الأوساط، يتم تجنبها عن قصد. هذا التجنّب الجماعي ملحوظ بدرجة أكبر على مائدة العشاء ليلة الجمعة وفي المحادثات غير الرسمية. السياسة تركت مكانها للحياة اليومية والهروب من الواقع.

خلسة ، تم استبدال هذا المزيج من التجنب والازدراء في الأوساط العريضة بالغضب التام. يكفي التقاط مقتطفات عشوائية من الأحاديث في الطوابير للحافلات أو خلال الانتظار لدور طال انتظار لدى الطبيب لفهم مدى الغضب الذي يجتاح قطاعات واسعة من المواطنين الإسرائيليين. إن الحقد الذي يتم صبه على السياسيين كمجموعة هو موحد وغير صالح للطبع عادة، وهو يتجاوز الانزعاج والرفض. رد الفعل العاطفي هذا هو العنصر الخفي الذي سيؤثر ليس فقط على إقبال الناخبين على صناديق الإقتراع، وإنما أيضا على مشاركة الناخبين ككل.

لهذا السبب هناك القليل من الصبر، إن وجد، تجاه الحسابات الائتلافية التي تهيمن الآن على خطاب الأحزاب السياسية وتتصدر العناوين الرئيسية بثبات. كتلة اليمين التي يقودها الليكود، التي تدرك أنها لن تحصل على المقاعد الواحد وستين اللازمة لتشكيل ائتلاف حكومي، مصممة على إحباط البديل الحسابي الوحيد: حكومة يسار- وسط تستند على دعم “القائمة [العربية] المشتركة”. يحاول حزب “أزرق أبيض” بيع وهم تحالف بديل يخلو من الدعم العربي. كلا الاقتراحين سخيف إن لم تكن هناك بعض الحركة بين الكتل. ويدرك الناخبون جيدا هذه الخدعة الكبيرة، مما يزيد من احتمالات إجراء جولة أخرى رابعة من الانتخابات.

الشخص الوحيد المستفيد من تأخير آخر في تشكيل الحكومة هو بنيامين نتنياهو. إن تمديد ولاية حكومته غير المنتخبة يخدم أغراضه بشكل جيد. وهو يسمح له باستخدام أدوات منصبه لتقويض خصومه ومحاولة تأجيل بدء محاكمته بتهمة الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة مرة أخرى. يمنحه ذلك حرية عمل موسعة لمتابعة السياسات (غير المقيدة بأي مساءلة) التي لم تخضع للتدقيق العام والتي تفتقر إلى الشرعية الشعبية. ويتيح ذلك تحولا جذريا في النظام السياسي الإسرائيلي من خلال مكافأة أولئك الموجودين في السلطة على حساب الجميع.

ليس فقط أولئك المعنيين بشأن تداعيات استمرار ولاية نتنياهو المطولة قلقون بشأن هذا الاحتمال. حتى أولئك الذين يشاركون نظرته للعالم بدأوا يدركون أن الفشل في الخروج بحكومة منتخبة بعد الانتخابات المقبلة يضر بكل من شكل الحكومة الإسرائيلية ومتانتها الإجمالية في المستقبل. ولكن من الذي سيمنع، في مناخ يتراوح بين فك الارتباط والارتباط، مثل هذه النتيجة؟

سيتم الكشف عن الإجابة خلال الأسبوعين المقبلين وسيتم تحديدها في يوم الانتخابات. ستكون الإشارة الأولى هي نسبة إقبال الناخبين، والتي تشير جميع التوقعات – باستثناء المجتمع العربي في إسرائيل – الى أنها ستكون أقل مما كانت عليه في الجولتين الانتخابيتين السابقتين.

تعتمد الإشارة الثانية والأكثر عمقا وبالتالي أكثر دقة على دوافع المشاركين في طقوس التصويت. في غياب دراسات مهمة حول العلاقة بين المواقف المحددة تجاه الانتخابات بشكل عام وسلوك التصويت، قد توفر التجربة السابقة دليلًا وإن كان إجماليا. قد تؤدي اللامبالاة والاستياء الواسع النطاق من الخيارات الموجودة إلى تعزيز الامتناع عن التصويت، حيث إنهما يعززان مستويات الإيمان المنخفضة في قدرة الأفراد على إحداث تغيير ومن هنا تتنامى مستويات منخفضة من فعالية الناخبين. يبدو أن الغضب هو سيف ذو حدين: فهو إما يبرر التغيب الصريح، أو عندما يتم إذكاؤه بشكل منهجي، قد يشجع على إعادة المشاركة النشطة لحماية مصالح أو أسباب محددة. وكلما زادت مكائد المتسابقين من غضب قطاعات أكبر من مواطني إسرائيل، زاد احتمال أن تؤدي هذه الخطوات­ إلى اتخاذ إجراء أكثر حسما من قبل الناخبين.

أيا كانت النتائج، أصبح من الواضح الآن أن أي حكومة، عند تشكيلها، ستضطر إلى مواجهة مستنقع السياسة الناتج عن فترة طويلة من تقاعس الحكومة إلى جانب المناورات الموجهة. سيكون عليها أيضا البدء في إصلاح الخلافات الاجتماعية التي تم توسيعها خلال الدورة الانتخابية الطويلة. قبل كل شيء، سوف تحتاج إلى تحويل انتباهها إلى المهمة الشاقة المتمثلة في إصلاح الضرر الهيكلي والمعياري الذي لحق بالشؤون العامة واستعادة الثقة الشعبية ببطء في القطاع الحكومي. وأي تأخير إضافي في البدء في هذه المهمة الطويلة والصعبة سيجعل من الأصعب تصحيح الضرر الذي لحق بالبلاد بالفعل من خلال الإدامة المتعمدة للفوضى الانتخابية.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.