أنا لست صهيونية، يتم إلصاق هذا الختم بي مراراً. البارحة وصفني أحد المعلقين على صفحتي بالفيس بوك بالصهيونية بسبب إدانتي غير المشروطة لاقتحام بيت و قتل أفراد عائلة يهودية، بينهم مسنين، بدم بارد ليلة السبت في حلاميش.

أنا لست صهيونية. أنا ببساطة إنسانة من الشرق الأوسط تريد السلام في المنطقة و الخير لكل شعوبه بمن فيهم اليهود. أنا إنسانية تشعر بالحزن و الأسى و حتى الغثيان عندما ترى صوراً من مستنقع الحقد الذي بتنا نحن العرب المسلمين نتخبط فيه. التهليل المجنون للموت. نحن حقاً مصابون بفيروس أخلاقي و العدوى منتشرة في صفوفنا. 


بغض النظر عن قضية الصراع على الأرض و تعقيداته التاريخية و السياسية، فإنه لا شك بأننا العرب المسلمون عنصريون، نازيون، فاشيون، طغاة، دمويون، عندما يأتي الأمر لليهود. كره اليهود و احتقارهم موجود في تعبيراتنا و الجانب العفن من ثقافتنا قبل قدوم يهودي واحد لفلسطين و تهجير فلسطيني واحد منها. علينا أن نجد الشجاعة لنعترف بهذا. الصراع السياسي و العسكري في منتصف القرن الماضي و إنشاء دولة إسرائيل لعب بدون شك دوره في نبش الكراهية الدفينة و إخراجها من تحت جلدنا، و لكنه لم يخلقها. اليهود تحولوا لأعداء في المخيلة و الذاكرة الجمعية منذ ما يقرب 1500 سنة و عندما فشل محمد رسول الإسلام بإقناعهم باتباع “الدين الحنيف” الذي تبعناه نحن “المهتدون”. 


في زمن لم تكن مصطلحات فلسفية مثل “التسامح” و ” التعددية” من ضمن المنظومة الأخلاقية للشعوب نمى تراث الكراهية، نفي “الآخر” من دائرة الأنسنة التي أغلقناها حول أنفسنا. و عاش معنا جيلاً بعد جيل. 


ما أتحدث عنه ليس فلسفة هائمة في سحب السماء. لقد خبرت بنفسي تجليات هذا المخزون الثقافي في واقع الحياة اليومية خلال نشأتي في دمشق. كانت أمي إذا أرادت أن تشتمني صرخت “يهودية!” هذا عندما كانت غاضبة لحد الانفجار. “يهودية” كانت صفة تختزل كل سلبي. الشتيمة الأقبح على الإطلاق. من أين تعلمت أمي في دمشق هذه الشتيمة؟؟ هل شهدت هدم بيت فلسطيني في الضفة؟؟ لا. جدتي شتمتها بهذه الطريقة، و جدتي تعلمت هذه الشتيمة قبل أن يكون هناك شيء اسمه فلسطين على الخارطة. عاشت أيام العثمانيين قبل سايكس بيكو و بلفور عندما كانت المنطقة المتنازع عليها تابعة لسوريا و كان سكانها يطلقون على أنفسهم اسم “عرب مسلمين” و ليس “فلسطينيين”. 


جارتي في دمشق أرادت أن تصف حالة مأساوية لعائلة انفجرت في بيتها قنينة غاز فأصيب أفراد العائلة و مات منهم اثنان، فاستعملت التعبير الشعبي “عين اليهودي بتبكي عليهم”. تعبير شامي عمره مئات السنين فيه تصور عن اليهودي يجرده من المشاعر الإنسانية الطبيعية. زميل لي في الجامعة أخبرني أنه كان يندس بين الزبائن في محل بيع قماش صاحبه يهودي و يحرق بسيجارة لفة القماش من الأعلى و الأسفل حتى الكرتون، ليس في المنتصف، فعندها قد يتمكن اليهودي “النجس” من قص القماش و بيعه. 


موجة الإسلامية السوداء امتطت هذا الحقد العنصري، منحته التبريرات السياسية و الدينية. من المعروف أن كل إيديولوجيا شمولية تحتاج إلى عدو، إلى شيطان، إلى عذر لاستعمال العنف المطلق ضد معارضيها و مناصريها على حد سواء، و بالطبع اختارت الإسلامية عدو الطفولة، الدين الذي رفض الانقراض و التهميش و مَنْحَ رسولِ الإسلام الملكيةَ المطلقة ل”الحقيقة”.

في الثلاثين سنة الأخيرة ضخّت الكتب الدينية الإسلامية حقداً عنصرياً من الدرجة الأولى ممزوجاً بخلطة المقدس في أوردة الجيل الناشئ، دفعة بعد دفعة. علمت الأطفال و المراهقين أن ذبح اليهودي حلال، فضيلة، جهاد، مدنياً كان أم عسكرياً. مع الإسلام السياسي أصبحنا نقدّس عنصريتنا التي ربما كانت تخجلنا قليلاً في الماضي. اليوم صار العداء فرضاً دينياً و قومياً لا و بل إنسانياً!! صرنا عمياناً لا نرى ما يحاول الآخرون شرحه لنا: أننا عاجزون عن أي نقاش عقلاني عندما يأتي الأمر لليهود و القضية الفلسطينية الإسرائيلية. نهز رؤوسنا بالنفي و نكرّر بعض العبارات المحفوظة عن أرض و عرض و قتل نساء و أطفال و تهجير و وطنية و مسجد أقصى و و و إي نعم حصل، كل هذا حصل. و لكننا فقدنا ميزان المنطق. و الأهم، فقدنا إنسانيتنا. و لهذا فقدنا المصداقية بين الشعوب المتحضرة.

أنا لست صهيونية.

أنا أنتمي للعالم العربي الإسلامي ثقافياً و ولائي هو له أولاً. لهذا أقول: علينا أن نرى ما لا نريد أن نراه، أخطاءَنا، عجزنا الأخلاقي، ضعفنا الحضاري. حقدنا العنصري يضرنا قبل أن يضر اليهود و الإسرائيليين، و الأساليب الناتجة عنه لا يمكن في يوم من الأيام أو حال من الأحوال أن تقوّي موقف أهلنا في فلسطين أو تقربّهم خطوة واحدة من حل مرضٍ لمشاكلهم الوطنية المصيرية.

أتقدم بالعزاء لذوي العائلة اليهودية المقتولة بكل غدر و شر. لا مبرر للإرهاب ضد المدنيين، جملةٌ قصيرة تحتوي على قاعدة أخلاقية بسيطة، و لكن الواضح من التعليقات العديدة التي قرأتها تحت الخبر و ردود فعل الشارع العربي التي تصفق للعنف و تفرح برؤية دم اليهودي، أننا العرب سنحتاج سنيناً طويلة و سنضطر لخوض تجارب مرّة و شاقة قبل أن نفهمها.

سارة العظمة، كاتبة سورية مقيمة بالسويد

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.