أتذكر أول مرة اختفيت فيها.

كنتما في الثلاثة والتاسعة من العمر، تلعبان بالماء في حوض الاستحمام بينما كان والدنا نائما في الغرفة المجاورة. كنتما تصرخان دعابة في حين تبادلتما الأدوار في سحب بعضكما البعض تحت الماء.

إستيقظ من كل هذا الضجيج.

“سوف أذبحك”. بدا الأمر وكأنه زمجرة. علامة حمراء ظهرت على ذراعك العلوي في المكان الذي كانت فيه قبضته.
“سوف أذبحك”.
كان جلدك متجعدا ورطبا من الماء. عينيك أصبحت واسعة بينما حرقت كل يد متاحة له بقع غاضبة على بشرتك الصغيرة.
” هذه ستصبح ندبة”، فكرت لنفسي. أنت لم تبت بصوت. لم تحرك حتى ذراعك.
أنا لم أتنفس.
تعلمنا في هذه المرحلة أنه من الأفضل أن نكون هادئين.
وانا اختفيت.

فصلتُ نفسي عن جسدي وإرتفعت فوق الشقة الصغيرة من غرفتين التي تشاركها نحن الخمسة؛ عاوت فوق البناية المطلية بألوان زاهية راقية نموذجية للغيتوهات الاسكندنافية. واختفيت.

“لماذا يعاملني الجميع بسوء؟” اعتدت أن تسألني. وهناك، من أعلى، أجبتك، “ليس ذنبهم، أخي الصغير، إنه ذنبنا. لقد ولدنا لكي نُعامل بهذه الطريقة”.

عندما انتهى الأمر، غطيت كليكما بالمناشف، أخذتكما إلى غرفتي وبكينا بأقصى حذر ممكن.

مر سبعة وعشرون عاما على ذلك اليوم، وهناك صبي بالخامسة عشر من عمره صُفق جسده بعنف على الجدار خارج منزلي في القدس. أرى رُكبة ساق بلباس عسكري تقوم بفصل ساقيه النحيلتين بينما تحافظ زناد ثلاث بندقيات رشاشة على استمرارية طاعة البقية منا.
عيناه الصغيرتان تنظران بسخط. أغلق فكيه وشبك قبضتيه بقوة فوق رأسه. عبر الآخرون بنظرة تقول: “اليوم دورك …غدا دوري”.
سائح يلتقط صورة لصفحته على فيسبوك.
الصبي لا يصدر صوتا. لا يحرك حتى ذراعا.

كل الأولاد في شارعي لديهم قصة شعرك؛ جانبين محلوقين تماما مع خصلة واحدة من الشعر الأسود في الوسط. يتم إيقافهم في محطة القطار. يتم تفتيشهم ودفعهم. تتعرض حقائبهم للنهب والنبش، جميع ممتلكاتهم تُرمى على الارض بلا قيمة. يتلقون الأوامر برفع القمصان والبناطيل شهرا، بإزالة الأحذية والأحزمة على رصيف الشوارع العامة. أوامر يطيعونها في حين تعلو حرارة أجسادهم بهدوء الى الغليان.

ما الذي سيحدث لهؤلاء الأولاد؟ الأولاد الذين ينصب غضبهم في صخور ثابتة وإطارات مشتعلة. أولاد يتجذر غضبهم وإذلالهم الى أعماق قادرة على حرق العالم. أولاد، أرى وجهك في كل وجوهم.

اتمنى لو استطعت أن أقول لكم أن هذه القباحة ….. انها مجرد ظرف. ظرف مؤلم وغير عادل ومجنون، لكنه مجرد ظرف؛
انه الضجيج الذي يدوي حولنا الى ان ينكسر ليدخل الضوء. لا يمكن أن ندعه يسيطر علينا. وإلا فإننا جميعًا سوف نلطخ بالدماء وندمر هذا العالم الذي يتوسل إلينا لشفائه.
أتمنى أن أتمكن من إعادة لف تلك المنشفة حول جسدك الصغير، آخذك الى الغرفة، واردد بصوت ثابت حتى يصبح صوتك ، “أنا أحبك. أنا أحبك على طول الطريق. الباقي هو مجرد جنون لحظي ينتظر استيقاظك” .

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.