أجرت إسرائيل وحماس نوعا من المفاوضات في الأسابيع الأخيرة من أجل وقف إطلاق النار على طول حدود غزة. ولكن الطائرات الورقية الحارقة في غزة والصواريخ والاحتجاجات والمظاهرات على الحدود، والضربات الإسرائيلية في القطاع، كانت أهم أشكال الاتصال في “الحوار” الذي تم التوصل إليه بين الجانبين.

إضافة إلى ذلك، هناك رسائل دبلوماسية ترسلها حماس عبر قنوات مختلفة توضح أنها مهتمة بالتوصل إلى اتفاق مع إسرائيل. لكن في هذه المرحلة من المفاوضات، فإن الأسلحة (والطائرات الورقية والبالونات الحارقة) هي التي تقوم بمعظم الكلام.

الخبر السار هو أن كل من حماس وإسرائيل على ما يبدو تريدان هدنة. أما الأخبار الأقل بهجة فهي أنهما غير قادرتان على الاتفاق على شكل وقف إطلاق النار.

من الأرشيف: رجال إطفاء إسرائيليون يحاولون إخماد حريق في جنوب إسرائيل، تسبب به طائرات ورقية حارقة أطلقها فلسطينيون من قطاع غزة في 5 يونيو، 2018.
Yonatan Sindel/Flash90)

المبعوثون الذين يتنقلون بين الجانبين – مبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف، المبعوث القطري محمد العمادي، وكالعادة، مسؤولون من المخابرات المصرية – أخبروا إسرائيل أكثر من مرة بأن حماس غير مهتمة بالحرب. تريد حماس بدلا من ذلك ترتيبا طويل الأمد يمنح إسرائيل سنوات من الهدوء. في المقابل، تسعى حماس إلى رفع ما تسميه “الحصار الإسرائيلي” للقطاع، وهذا يعني الطريقة التي تنقطع بها غزة عن الاقتصاد الإسرائيلي. وترغب حماس برؤية استئناف التجارة مع إسرائيل، والسماح لسكان غزّة بالعمل في إسرائيل، وغيرها من الإجراءات التي من شأنها إحياء اقتصاد المنطقة المتدهور.

هناك الكثيرون في الجانب الإسرائيلي الذين يدعون إلى ترتيب مماثل.

المشكلة، كما هو الحال دائما، هي الأمن. حماس مستعدة لمناقشة تجميد الهجمات ضد إسرائيل، ولكن ليس تفكيك بنيتها التحتية العسكرية في غزة. لن تدمر ترساناتها الصاروخية ولن تتوقف عن بناء الأنفاق، بما في ذلك الممرات التي تصل عبر الحدود إلى الأراضي الإسرائيلية وتحت المدن الإسرائيلية.

لإصرار حماس هذا، الذي نقله المبعوثون الدوليون، قالت إسرائيل إنها تعتبر البنية التحتية العسكرية لحماس تهديدا دائما، ولن تناقش أي هدنة طويلة المدى لا تؤدي إلى نزع سلاح الحركة.

رجل فلسطيني يفحص حطام سيارة بعد غارة جوية اسرائيلية في مدينة غزة قال الجيش الإسرائيلي انها تابعة لقائد هجمات البالومات والطائرات الورقية الحارقة ضد جنوب اسرائيل، 17 يونيو 2018 (Mahmud Hams/AFP)

الضغط على إسرائيل من أجل الضغط على السلطة الفلسطينية

بعد ظهر يوم الأربعاء كان بالإمكان رؤية سحابة من الدخان على يد سكان قريتي كيسوفيم وعين هاشلوشا الإسرائيليتين تتصاعدان فوق وسط غزة في موقع مخيم البريج للاجئين.

لم يكن الأمر حريق للقمامة في حرارة الصيف، وإنما بقايا حادثة وقعت قبل لحظات فقط – وهو صاروخ تحذيري أطلقته إسرائيل على مجموعة من الفلسطينيين كانوا يحاولون اطلاق الطائرات الورقية الحارقة. لم يصب أحد في الحادث، ولم يتم إطلاق أي طائرات ورقية في أعقابها مباشرة، لكن الهدوء استمر لساعات قليلة فقط. بحلول مساء الأربعاء، اشتعلت النيران في العديد من الحرائق الجديدة على الجانب الإسرائيلي.

ملثم فلسطيني يطلق بالونا محملا بمواد حارقة باتجاه إسرائيل من مدينة رفح في جنوب قطاع غزة في 17 يونيو، 2018 (Abed Rahim Khatib/Flash90)

ولكن بالنسبة لحماس، فإن مبادرة الطائرات الورقية والبالونات هي ليست هجوما على إسرائيل بقدر ما هي محاولة لمنع هجوما. إنها طريقة منخفضة التأثير نسبيا للنشطاء الشباب لمهاجمة إسرائيل، وبالتالي تحرير غضبهم الذي كان من الممكن توجيهه نحو العمليات الأكثر فتكا – والتي سيكون رد فعل إسرائيل عليها أكثر إيلاما.

كما أنها تساعد على تحويل الإحباط بعيدا عن نظام حماس نفسه. لقد كانت حماس هي التي قررت – في ضوء الوضع الاقتصادي الصعب في غزة والإدراك بأن استمرار الاحتجاجات الحدودية يمكن أن تؤدي إلى الحرب – إلى التحول إلى وسائل هجوم بدائية نسبيا والتي أضرت بمعظمها بالممتلكات. يبدو أن مسؤولي حماس يأملون أن تسمح الطائرات الورقية والبالونات للمنظمة بالحفاظ على صورتها العدوانية تجاه إسرائيل، مع ضمان عدم تمكن إسرائيل من العودة إلى تجاهل غزة كما فعلت قبل بدء الاحتجاجات في الربيع – والقيام بذلك دون جذب إسرائيل إلى صراع.

ثلاثة صواريخ من منظومة ’القبة الحديدية’ الإسرائيلية المضادة للصواريخ كما تظهر من مدينة غزة في 20 يونيو، 2018. (AFP Photo/Mahmud Hams)

لا يوجد شيء عفوي حول هجمات الطائرات الورقية والبالونات. إنه جهد رتبته وتديره حماس. الغرض منه هو إجبار الإسرائيليين على الانتباه إلى غزة كجزء من محاولة حماس لمحادثات وقف إطلاق النار – والضغط على حكومة نتنياهو، بشكل مثير للسخرية، للضغط على السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بشأن حياة الحصار الذي تفرضه السلطة الفلسطينية على غزة، والذي ساء الأزمة المالية في القطاع بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة.

حماس تتوقع من إسرائيل (أكبر عدو لحماس) أن تتسبب مرة أخرى في مواجهة عدو حماس وهو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، لتخفيف الضغط الاقتصادي في غزة.

قامت السلطة الفلسطينية بتجميد دفع رواتب موظفيها في القطاع في شهر مارس. في أيار/مايو، وبعد صرخة، استأنفت دفع نصف الرواتب. هذا يشمل حوالي 60 ألف موظف يجلسون في منازلهم في غزة بدون وظائف في الحكومة التي تديرها حماس. أضف إلى ذلك 40،000 أو نحو ذلك موظفي حماس الذين يعيشون بواسطة 40٪ فقط من دخلهم منذ عدة سنوات، ويبدأ المرء في رؤية الصورة الأوسع لاقتصاد متجمد فحسب؛ بل ينهار. ثم هناك آخر الأخبار من الأونروا، وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، التي أعلنت أنها ستجد صعوبة في دفع رواتب كاملة لموظفيها في الأشهر القادمة – أي حوالي 15000 عامل في غزة وحدها. قبل الأزمة، واجهت غزة معدل بطالة بنسبة حوالي 44٪؛ بذلك، قد يكون الوضع لا يمكن تحمّله بصدق.

في صورة تم التقاطها في 1 يونيو 2018 تظهر فتاة تمر بين أكواخ بالقرب من بركة مياه الصرف الصحي في حي فقير في مدينة غزة. (AFP/Mahmud Hams)

ليس من المستغرب إذن أن تكون حماس على استعداد للتخلي عن الحرب مقابل الضغط على إسرائيل، من أجل الضغط على السلطة الفلسطينية لإطلاق الرواتب لموظفيها في غزة، ومعظمهم من أعضاء فتح.

وقد رفض عباس حتى الآن القيام بذلك، كما أنه قام بتأجيل سداد مدفوعات نظام الرعاية الصحية الإسرائيلي لسكان غزة الذين يعالجون في المستشفيات الإسرائيلية، وهي سياسة تؤدي إلى نفي بعض الخدمات من قبل المستشفيات الإسرائيلية، وفي بعض الحالات قد تؤدي إلى الوفيات غير الضرورية في غزة. هذا ما يحدث حتى في الوقت الذي تعاني فيه غزة من نقص في الأدوية الحيوية، بينما لا يزال النظام الصحي في غزة يعاني من الآلاف الذين أصيبوا في المصادمات الحدودية مع قوات الجيش الإسرائيلي.

كما لو أن ذلك لم يكن كافياً، فإن سكان غزة ما زالوا يواجهون نقصا مزمنا في الكهرباء، على الرغم من القرار المصري بالبدء في إرسال شحنات منتظمة من الوقود لمحطة الكهرباء في القطاع.

هنا تصبح الطبيعة المعقدة لحكم حماس أكثر وضوحًا. لقد حدث شيء مدهش مع كل عملية توصيل مصرية خلال الشهر الماضي – لقد إختفت محتوى هذه المواد التي تم توصيلها. بعيداً عن أعين وسائل الإعلام الدولية، حيث كانت حماس تتذمر بلا هوادة من الحصار الإسرائيلي، فإن المنظمة تصادر شحنات وقود الديزل لأغراضها الخاصة، بما في ذلك بيعها في السوق السوداء في غزة للحصول على أموال سهلة. فهي تفعل ذلك حتى عندما توقفت خطوط الكهرباء المصرية في القطاع فجأة، دون أي تفسير، عن إرسال الكهرباء إلى شبكة غزة خلال الشهر الماضي. يبقى الآن سكان غزة في دورة متكررة من أربع ساعات من الكهرباء تليها 12 إلى 16 ساعة دونها، يوما بعد يوم.

تقع حماس بالتالي على جانبي المشكلة. يجب توفير احتياجاتها التنظيمية، حتى على حساب المزيد من تجفيف اقتصاد غزة وإرسال سكانها اليائسين إلى أزمة أعمق، بينما تعمل بجد للضغط على جيران غزة – إسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر – لتخفيف ضغطهم الاقتصادي مقابل الهدوء .

كانت مهلة حماس الوحيدة في الأسابيع الأخيرة قرار مصر بفتح معبرها الحدودي في رفح طوال شهر رمضان وما بعده.

في حالة اليأس في غزة وتحت سوء إدارة حماس، في حين أن الجماعة تجري صراعا منخفض المستوى مع إسرائيل يهدف إلى تخفيف الأزمة الاقتصادية والذي يمكن أن يتحول بسهولة إلى حرب شاملة، فإن الحدود الغربية المفتوحة جزئيا هي ذروة إنجازات حماس لموضوعاته المكافحة.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.