تـكـرهُ معظمُ النساء أن يُسألْـنَ عن أعمارهن أو أوزانهن . فالمرأة تكره في حياتها السؤال عن عمرها الحقيقي أو وزنها الصحيح ، و إن قليلا من النساء والفتيات يُجِـبْـن الآخرين عن عُـمُـرهِـنَّ الحقيقي إذ يعتبرنه أمراً سريّـاً للغاية ، ومن الأسرار التي تُدفن معها ولا يعلم بهـا أحد . ولا تقِـلُّ سِـرّيـةُ هذه المعلومات – وخاصة العُـمُـر – عن سريّـة وزارة الدفاع ، أو خطط البنتاجون !!!

ويشير خبراء الاجتماع أن تحسس المرأة من سؤالها عن العمر يختلف من امرأة لأخرى بحسب البيئة التي عاشت بها وثقافتها ، والمرأة العصرية أصبحت أكثر اهتماما بنفسها وبثقافتها وجمالهـا برغم تقدم العمر ولكن هذا لايعني أن تفرِّط بسرٍّ هام في حياتها وهو العُـمُر،،،

ويقال : ان بعض الفتيات والسيدات اللاتي يبدأن بالخوف من العمر في سِـنٍّ مبكِّـرة قد تبدأ من السابعة والعشرين ، حيث يبدأن في عملية إخفاء العمر الحقيقي والتهرب من السؤال عن العمر ، وبالتجربة ومع احترامي لأرباب علم الاجتماع وجدت أن الغالبية العظمى من النساء – حتى لو كان مستواهنَّ العلمي متقدما ًجدا – ينكرن حقيقة أعمارهن ، ويؤكْدنّ أنَّ العمر ليس شرطا لصحة واستمرار العلائق ،و يُضاف إليه من كانت تنوي الزواج بعد أن تأيَّمتْ من طلاقٍ أو وفاة زوج ، فهي تحاول تخفيض عمرهـا لدى سؤالها إلى أدنى مستوى تظن أنها تقدر أن تمرره ، وهو ما أسمِّـيـه أنا العبد الفقير لله تعالى ” العمر الافتراضي “للحرم المصون !!!

ومنهن من تكره اصطحاب بناتها كي لا يفتضح عمرهـا بين جليساتها ، ومنهن من تجعل الفارق بينها وبين ابنتها عشر سنين فقط ، وتقول مظهرةً التبرّم من العادات والاعراف : زوَّجني أهلي صغـيـرة ،، ولربما كانت كاذبة ، وقد زوّجها أبوها بعد مرحلة عنوسة ظاهرة لا تخفى على الجيران !!!

أعرف سيدة أديبة ومثقفة ومن بيئة متمدنة ، تحاول دائما أن تفتح هذا الموضوع ، وتؤكد أنَّ من تنكر عمرها إنما هي غير الواثقة من نفسها وغير الناضجة عقليا ، وتقول : هل العمر عيب نخفيه ؟؟؟ فأنا من مواليد سنة الفٍ وتسعمئةٍ وسبعين ، ولا أنكر أبدا !!!

قلت لها مرة مداعبا : رحم الله علماءنا ، كانوا يقولون : إذا كنت كذوبـاً فكن ذكورا ! ألم تقولي المرة الفائتة أنك من مواليد الف وتسعمئة وسبع وستين ؟! فقالت : الخطب يسير …
وقلت في نفسي بل الخطب كبير وكبير جدا .. فهي من مواليد الف وتسعمئة وست وخمسين ، وخطورة المسألة تبدو فيما لو وقع أحدهم في شباكهـا واكتشف حقيقة عمرهـا فكيف ستتصرف ؟
قال لي والدي رحمه الله وكنت أسامره بالموضوع : ولماذا كثرة الغلبة ؟؟؟!!!

كل النساء تقريبـاً لديهنّ جواب مُعلَّب جاهز وهو الخطأ في البيانات وسجلات الأحوال الشخصية ،،، وهو كذب _ أيضـاً _ قولاً واحداً ، كما يقال ، لا نقاش ولا تأويل له ولا تبرير ، والتدليس حرام في الشريعة وفي الأعراف والمبادئ الأخلاقية ، لكن هل لهذه المسـألة جذور في حياة العرب القديمــة ؟؟؟
سـيُـفاجأُ القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن إخفاء العمر لدى الأسلاف لم يكن ديدن المرأة وإنما هو مما يستحب للرجل ، نعم للرجل وليس للمرأة !!!

قرأت بيتين من الشعر العربي القديم تقريباً ، لابن الجوزي ، وهما على شكل وصيّة أو نصيحة للرجل :
احفظْ لسانك ﻻ تبحْ بثلاثـةٍ ***** سنٍّ ومال ما استطعْتَ ومذهبِ
فعلى الثلاثة تُـبتلى بثلاثــةٍ ***** بمُكــفِّــر و بحاســــدٍ و مُكَــذِّبِ
فهنا نلاحظ إباحة إنكار العمر الحقيقي بنصٍّ جذوري قانوني عُـرْفي ، والمنكِـر لا يُـنْـكَـرُ عليه أبداً ! لكن لو تتبعنا قصة هذين البيتين من الشعر ، لاختلف الحكم :
قال ابن الجوزي في صيد الخاطر :
(وكتمان الأمور في كل حال فعل الحازم ) ،
فإنه إن كشف مقدار سِـنِّه استهرموه ( رأوه هرماً ) إن كان كبيرا، واحتقروه إن كان صغيرا ،
وإن كشف ما يعتقده ( يقصد مذهبه وملّته ) ناصبه الأضداد بالعداوة ،
وإن كشف قدر ماله استحقروه إن كان قليلا، وحسدوه إن كان كثيراً ، ثم ذكر البيتين من الشعر ..

و قال ابن بشكوال (المتوفى: 578 هـ) في كتابه الصلة في تاريخ أئمة الأندلس ص 326 :
وقرأت بخط أبي الحسن بن الإلبيري المقرىء قال: سألت القاضي أبا زيد عن سنه؟ فقال: لا أعرفك بسني، لأني سألت أبا عبد الله محمد بن منصور التستري عن سنه فقال: ليس من المروة أن أخبرك بسني، فإني سألت شيخي عبد الله بن عبد الوهاب الأصبهاني عن سنه فقال: ليس من المروة أن أخبرك بسني، فإني سألت شيخي أحمد بن إبراهيم بن الصحاب عن سنه. فقال: ليس من المروة أن أخبرك بسني، فإني سألت المزني عن سنه فقال: ليس من المروة أن أخبرك بسني، فإني سألت الشافعي عن سنه. فقال ليس من المروة أن أخبرك بسني، فإني سألت مالك بن أنس عن سنه. فقال لي: ليس من المروة أن أخبرك بسني. إذا أخبر الرجل عن سنه، إن كان كبيرا استهرم، وإن كان صغيرا اسـتـحـقـر.

وقرأت البيت الثاني منهما على النحو التالي :
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثـــةٍ ***** بممــوِّه ومخـرِّف ومكــذِّب
وروى ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ( 8\333 ) قصة البيتين على نحـوٍ ممٍاثل ،آخـر قال عند ترجمة القاضي ابي عبد الله المقّـري( ت 761 هـ ) أن ابا الحسن بن مؤمن سأل أبا طاهر السِّـلفي عـن عُمُره فقال له : أقبلْ على شأنك ، فإني سالت ابا الفتح بن رويان عن سِـنِّهِ فقال : أقبل على شأنك فإني سألت علي بن محمد اللبان وهو سأل أبا القاسم حمزة بن يوسف السهمي ، وهو سأل أبا بكر محمد بن عدي المنقري ، وهو سأل أبا اسماعيل الترمذي الذي سأل الشافعي ، والشافعي سأل الامام مالكاً بن أنس الاصبحي ، امام دار الهجرة ، فقال :
أقبلْ على شأنك ، ليس من المروء ة للرجل أن يخبر عن سنِّه ، وأنشد لبعضهم البيتين المذكوريْن آنفاً .
وتعليقنا هنا بلغة الجذور :
جواز الانكار انما لعلّــة شرعية ، خلال الفتن وما شابهها ، وحين يرى الرجل ان اعلانه لبعض خصوصياته يشكل خطرا عليه ، وهو للرجل خاصة ، وليس للمرأة ..
إذن يبقى التدليس إنْ فَعَـلَـتْـهُ المرأةُ مُحَـرّما ً، ولا مبرر له إطلاقا ، وهو يُصَـنَّـف في دائرة الــ :
الكذب ،
الزور ،
المَـيْـن ،
الإفتراء ،
الإفـك
السّـمّـاهـى , ….. وغيرها من المسميات ، وقد بيَّن الحبيب الأعظم أن المسلم ربما سرق وربما زنى ,,, و فعل المنكرات ، لكنه لا يكذب ، ومما يـؤثــر عن أبي سفيان ( رضي الله عنه ) : ” الكذب لا يليق بالرجال . ، ونقول : ” ولا يليق بالنســاء أيضا بالنص الحديثي الشريف .
وهكذا نرجو من بناتنا أن يُـدِمْـنَ الصدق فهو حبلُ النجاة والفلاح واحترام الناس ، والعُـمُـر ليس سِـبّةً ولا عاراً فتُخفيه السيدة . إنما هو دليل النضج والحكمة ، ويبقى حديثنا

الجذوري هنا من باب التملّـح والدعابـة الأدبية المتضمنـة نبشـاً جذوريّــاً متواضعـاً ، والله أعلم .

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.