بالنسبة لكل بني البشر، العبرة بالنهاية، فتُقاس عظمة الإنسان بالنهاية وليس البداية، وعلى ذلك نحن نحتفل بيوم النياح، وخاصة بالنسبة للقديسين والشهداء (أي يوم مماتهم) وليس يوم ميلادهم.

يبدأ الصوم المعروف بصوم العذراء مريم، ومدته خمسة عشر يومًا، في الأول من شهر مِسرى والذي يوافق السابع من شهر أغسطس من كل عام.

بعد خمسة عشر يومًا أي 22 أغسطس، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بعيد القديسة العذراء مريم، وتُطلق عليه الكنيسة عيد إصعاد جسد العذراء مريم إلى السماء، محمولًا على أجنحة الملائكة ورؤساء الملائكة.

في الواقع الكتاب المقدس بعهديه، تكلم في آيات قليلة عن السيدة العذراء، التي حملت وولدت الإله المُتجسد، وتقريبًا لم يأت ذكر العذراء مريم في الكتاب، بعد ما تكلم المسيح علي الصليب، وقال “يا يوحنا هوذا أُمك” (أي العذراء)، وقال لها “هوذا ابنك” (أي يوحنا الحبيب)، ظلت العذراء في بيت يوحنا نحو 14 سنة حتى نياحتها، ربما جاء ذِكر العذراء بعد ذلك عندما كان يجتمع التلاميذ وهيّ معهُم.

كلمة “مريم” معناها المحبوبة أو سيدة، هذا الأسم الجميل كان يفضله ويعشقه العبرانيين وكانوا يطلقونه على بناتهم.

لم يذكر الكتاب المقدس بالتحديد يوم نياحتها، ولكن ما يُقال عن نياحتها وإصعاد جسدها إلى السماء وتستند إليه الكنيسة الأرثوذكسية، معروف مِنْ خلال التقليد وأقوال الآباء الأوائل الذين عاصروا العذراء، وكانوا شاهدين علي نشأة الكنيسة في أيامها الأولى.

ليست العذراء مريم أول من أُصعد جسدها إلى السماء، فأخنوخ النبي ذهب مع الله ولم يوجد وليس له قبر في الأرض.

إيليا النبي ارسل الله مركبة نارية حملته إلي السماء، وليس له قبر في الأرض

أيضا موسى النبي حين جاء يوم مماته، صعد إلي جبل نبو، وقال له الرب هذه هي الأرض التي أقسمت لابراهيم واسحق ويعقوب، قائلًا لنسلك أعطيها قد اريتك اياها بعينيك ولكنك إلي هناك لا تعبُر.
ومات موسى حسب قول الرب، ودفنه في أرض مواب، ولم يعرف انسان قبره إلي هذا اليوم.

لماذا أخفى الله قبرموسى؟
أخفى قبره لئلا يعبُده بني اسرائيل!

أما العذراء مريم فقد تم إصعاد جسدها بعد نياحتها، طبقًا لأقوال الأباء، وشهود القرن الأول الميلادي الذين عاصروا أحداث التجسُدالألهي، وعاصروا نياحة العذرء مريم، فليس من اللآئق أو المنطقي أن يُدفن ويتحلل في التراب، الجسد الذي حمل الطفل الألهي، فتقول كلمة الله “لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس”، جاء المسيح ليأخذ بشريته من جسد العذراء مريم، فكان لابد من تكريم جسدها واصعاده الى السماء حتى لا يُعاين فسادًا.

ماذا نعرف عن العذراء مريم قبل أن تنال شرف الأمومة للسيد المسيح؟

أبواها هُما يواقيم وحَنة، كانا بارين ولكنهما كانا عاقرين، فعقد يواقيم صومًا من أربعين يومًا، وذهب في خلوة إلى مكان في الصحراء، وطلب من الله بلجاجةِ ان يُعطيه نسلًا، في نهاية الأربعين يومًا ظهر له الملاك جبرائيل (غبريال)، ويُطلق عليه أيضًا “ملاك البشارة”، فبشره بأن امرأته ستحبل وتلد إبنة يكون عن طريقها خلاص العالم.

حملت حنة وانجبت الطفلة مريم، وكان من شدة رغبتهما في النسل أنهما نذرا نذرًا، ان الأبن أو الأبنة الذي سيُعطيه الرب لهما استجابة لصلواتهم يُقدماه للرب، وكان الأطفال المنذورين للرب يقيمون في أحد الأروقة المُلحقة بالهيكل.

عاشت مريم تخدم في الهيكل، أي في أحد الأروقة المُلحقة بالهيكل، مع باقي الأطفال المنذورين، ولكنها ذاقت اليُتم مُبكرًا، فمات والدها وكان سنها ست سنوات، ثم أمها وكان سنها ثمان سنوات، وعندما وصلت سن البلوغ 12 سنة، كان لابد من خروجها من الهيكل!

وبحكم أنها يتيمة، صلى الكهنة أن يُرشدهم الله ، فكانت استجابة الصلاة برؤيا رآها الكاهن زكريا، كانت الرؤيا أن يجمعوا العصى الخاصة بالرجال التي تنتمي اليهم مريم وهم رجال بيت لحم، لأن مريم من بيت لحم، كان في القديم الرجال يحملون العصي لكي يحموا انفسهم وخاصة من الكلاب.

وضع الكهنة العصي أمامهم وصلوا، فوجدوا أن العصا المكتوب عليها اسم يوسف النجار هي التي أفرخت وأخرجت براعم، فكانت هذه معجزة وعلامة علي أن السماء اختارت يوسف، الذي تخطى التسعين من عمره ليكون هو الرجل الذي سيأخذ مريم إلى منزله، هذا بالإضافة إلي علامة أخرى وهي أن حمامة بيضاء جاءت واستقرت علي رأس يوسف، ثم عمل الكهنة إجراء قانوني نظرًا لأن مريم ستنتقل إلى منزله، الكهنة أمسكوا بيد مريم ويد يوسف وباركوهما ببركة الزواج الرسمي، وهذا العقد الرسمي هو الذي حمى مريم من أن تُرجم حينما حملت في المسيح.

أكثر من مرة يُطلق الكتاب على يوسف أنه رجل مريم أي زوجها، فهو كان زوج رسمي، بدليل ان الملاك حينما ظهر له قال له: لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك، وبالرغم من ذلك مريم كانت بتول، وولدت المسيح ومازالت بتول، وظلت بتول كل أيام حياتها.

المسيح عاش مع يوسف النجار حتى سن 16 سنة، وتنيح يوسف عندما كان عمره 111 سنة، ولذا يعتبر عمره كان 95 عامًا عندما إنتقلت مريم إلي منزله.

هل تعرفون من الذي وضع صوم العذراء مريم؟

الذي وضع صوم العذراء، هيّ العذراء مريم بذاتها، فبعد صلب المسيح وقيامته وصعوده، إعتادت السيدة العذراء على زيارة القبر المقدس، كانت تذهب مع عذارى جبل الزيتون، وكانت تصلي وتصوم، لذلك عرف هذا الصوم بصوم العذراء وهي أول من صامته ثم بعد ذلك الأباء الرسل صاموه.

العذراء منذ نعومة أظفارها كانت تصوم وهي طفلة، وكما يذكر التقليد أنها كانت تُعطي طعامها للفقراء وتظل هي صائمة، فكانت تشفق عليها الملائكة وتأتيها بطعام، كذلك أيضًا لما كبرت كانت تصوم، فهذا هو منشأ صوم العذراء.

قبل نياحة العذراء، ظهر لها المسيح رب المجد، وأخبرها أن حياتها ستنتهى، وقال لها انت تحملتي كثيرا من أجلي، سآخذك علي السحاب ونذهب إلي المكان الذي أقمنا فيه أكبر مدة طويلة في مصر، وهو جبل قسقام، أخذ العذراء والأباء الرسل علي السحاب ومضى بهم إلي جبل قسقام، ودشن الكنيسة بذاته، ولذا حسب التقليد فان هذه الكنيسة الموجودة بجبل قسقام (أي الدير المحرق) هي الوحيدة التي دشنها المسيح بنفسه، ثم رجعوا إلى أورشليم، وبعد ذلك تم إصعاد جسد القديسة العذراء مريم إلى السماء.

من عام لعام ننتظر صوم العذراء المبارك، ونختمه بالإحتفال بعيدها، الذي يحتفل به كل الناس، كل الطوائف، ويحتفل به المسلمين والمسيحيين.

كل عام وحضراتكم بخير.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.