هل كان التفسير التاريخي الذي أعطاه ليبرمان لسياسة عباس بأنها استراتيجية “لا حرب، لا سلام” هو تماما كقصة العود والصدود؟

اتهم وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان يوم الخميس عباس بأنه اعتمد استراتيجية “لا حرب ولا سلام” لتروتسكي. وقال ليبرمان أن عباس يبني سياسته على سياسة الثوار السوفييت (اليهود) في نهاية الحرب العالمية الأولى: فهو ليس على استعداد لإنهاء القتال، ولكنه راغب بتوقيع معاهدة سلام رسمية.

فقد أكد وزير خارجية إسرائيل المولود في مولدوفا للإذاعة الإسرائيلية، “هذا الرجل لن يوقع أبدا على معاهدة سلام مع إسرائيل، ولن يحارب ضد إسرائيل ولن يستقيل. بالنسبة لأبوم مازن [عباس]، فإن الوضع الحالي هو الأكثر راحة.”

من المؤكد أن عباس تعلم صيغة “لا حرب ولا سلام” لتروتسكي خلال دراسته في موسكو في جامعة لومومبا (التي تعرف اليوم بجامعة روسيا لصداقة الشعوب)، حسبما يعتقد ليبرمان. في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قامت هذه الكلية بتعليم قادة العديد من حركات التحرير الوطنية، معظمهم من العالم النامي، ومن المعروف أن عباس أنهى رسالة الدكتوراة خاصته (حول “العلاقة بين النازيين وقادة الحركة الصهيونية) هناك عام 1982.

وفقا لليبرمان، فإن اتفاق المصالحة الذي وقعته حركة فتح مع حماس في غزة يوم الاربعاء، قبل أقل من اسبوع من انتهاء التسعة أشهر المخصصة للمحادثات الإسرائيلية-الفلسطينية، تبين بوضوح تطبيق الزعيم الفلسطيني لاستراتيجية تروتسكي.

وقال ليبرمان، “لا حرب ولا سلام. الحاق الضرر بالخصم، وعدم الالتزام بأي شيء- هذا هو الشيء الذي يفعله حاليا.”
بدلا من القيام بالتنازلات الضرورية لاتفاق سلام، أو الدعوة إلى انتفاضة دموية أخرى، عباس غير مستعد للقيام بخطوات شجاعة، كما قال ليبرمان. وأضاف أنه بدلا من ذلك، يتمتع عباس بمكانته الحالية كقائد وكرجل دولة، ويسافر إلى نيويورك ولندن وباريس أكثر من السفر إلى طولكرم أو جنين.

سيدعي منتقدو ليبرمان، وحكومة نتنياهو أيضا، أن هذا الوصف لقيادة تشن حرب استنزاف دبلوماسية طويلة يمكن أن يُستعمل أيضا لوصف استراتيجية الحكومة الإسرائيلية الحالية بشأن الفلسطينيين.

قبل نتنياهو، من حيث المبدأ، بفكرة الدولة الفلسطينية؛ قال ذلك في خطابه المهم في جامعة بار إيلان عام 2009. ولكن على يسار الطيف السياسي الإسرائيلي، وفي صفوف عدد ليس بصغير من صناع القرار والمحللين في الخارج، هناك ادعاء بأنه لم يقم تقريبا بأية خطوة فعلية للمساعدة بتنفيذ حل الدولتين. تحت ضغوطات دولية مكثفة، وافق على إجراء مفاوضات سلام- بما في ذلك الثمن الباهظ بلإطلاق الأسرى الفلسطينيين- ولكن سياساته، لا سيما المفاوضات، شكلت حاجزا رئيسيا أمام تحقيق تقدم، وفقا لما يقوله منتقديه. إذا حكمنا من خلال المقابلة التي أدلى بها لبلومبرغ قبل لقائه الأخير مع نتنياهو في البيت الأبيض في شهر مارس، فإن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سيكون واحدا من هؤلاء المنتقدين.

أما بالنسبة لليبرمان نفسه: فلقد قدم زعيم “إسرائيل بيتنا” أفكارا حول الطريقة التي يمكن بها حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني- بما في ذلك رسم خلاق لحدود ستشمل مئات الآلاف من عرب إسرائيل في “فلسطين”، بينما توسع إسرائيل سيادتها لتشمل معظم المستوطنات في الضفة الغربية. ولكن بما أن العنصر الأول من هذه الخطة غير مقبول عالميا تقريبا، وبما أنه يصر على أنه لن يوافق على أي حل آخر، فمن الواضح أن ليبرمان تقبل، إذا لم يكن راضيا، بعدم حل في هذه المسألة. في الواقع لقد كان يتحدث لسنوات عن أنه من المستحيل حاليا حل الصراع؛ ويمكن إدارته فقط.

مع ذلك تجدر الإشارة إلى انه حتى المعتدلين نسبيا في حكومة نتنياهو- بما في ذلك يائير لابيد (من حزب “يش عتيد” الوسطي) وتسيبي ليفني (كبيرة المفاوضين من حزب اليسار-الوسط “هتنوعاه”)- ألقوا باللوم على عباس قبل ثلاثة أسابيع في الأزمة في محادثات السلام، بعد تقديمه طلبات الانضمام إلى 15 معاهدة دولية. عباس قال أن ذلك جاء ردا على عدم قيام إسرائيل بإطلاق الأسرى في الموعد المحدد. ليفني تحدثت عن الاقتراب من صفقة بشأن الاسرى، وأن توجه عباس إلى المجتمع الدولي كان “خرقا واضحا”. وبالمثل، قام كل من لابيد وليفني يوم الخميس بالتصويت لصالح قرار تعليق محادثات السلام في أعقاب الاتفاق بين فتح وحماس.

من الواضح أن هذين الزعيمين لا يشاركان الرأي الذي يقول أن استراتجية “لا حرب ولا سلام” التي تلخص موقف عباس لا تنطبق بشكل متساو على إسرائيل.

بما أن عباس اختار ابرام اتفاق مصالحة فلسطيني صادم في غضون ساعات، والذي يبدو أن المتطرفين الإسلاميين من حماس غير مطالبين فيه بالاعتراف بإسرائيل أو نبذ الإرهاب، فهذه اللحظة هي بالكاد الوقت الملائم لشركاء نتنياهو الحمائميين لكسر صفوف الشراكة. ولا حتى، وهذا هو الوضع، إذا كانوا يتساءلون بينهم وبين أنفسهم ما إذا كان وصف ليبرمان لعباس على أنه تلميذ استراتيجية “لا حرب ولا سلام” لتروتسكي قد تكون مثل قصة العود والصدود.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.