كشف ظهور رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو يوم الجمعة في اجتماع مع نشطاء لحزب “الليكود” في مدينة يهود، وسط إسرائيل، الضغوطات التي يتعرض لها بعد عودته من واشنطن وقيام صحيفة “يديعوت أحرونوت” بنشر وثيقة تكشف عن المناقشات السابقة مع السلطة الفلسطينية.

لقد مضى وقت طويل منذ المرة الأخيرة التي ظهر فيها الذعر على نتنياهو، ولكن لديه الكثير من الأسباب للشعور بالضغط الآن. فهو لا يظهر تحسنا في استطلاعات الرأي، حتى بعد خطابه “التاريخي” أمام الكونغرس الأمريكي. (وأيضا، ويا للمفاجأة، لم يغير هذا الخطاب شيئا في الشرق الأوسط). الإنتقال من واشنطن الراقية إلى يهود المتواضعة تسبب بأضرار. حتى أن المحللين في القنوات التلفزيونية يناقشون إمكانية إعلان نتنياهو اعتزاله الحياة السياسية إذا حصل “الليكود” على 18 مقعدا أو أقل في الإنتخابات.

علاوة على ذلك ظهرت هذه الوثيقة.

تسريب الوثيقة يوم الجمعة، والتي تكشف عن المفاوضات التي أُجريت في 2013 بين المقرب من نتياهو، يتسحاق مولكو، وحسين الآغا، المؤول في فتح وأحد أبرز حلفاء محمود عباس، والمسؤول السابق في الإدارة الأمريكية دنيسي روس، يهدف إلى إضعاف دعم رئيس الوزراء في صفوف الناخبين من اليمين. على الرغم من إدعاءت نتنياهو، فإن أرنون موزيس، مالك “يديعوت أحرونوت” وناقد شرس لنتنياهو، ليس هو من يقف وراء نشر الوثيقة. الوثيقة حقيقية وبعض الصحافيين الذين تعقبوا الاتصالات الدبلوماسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في السنوات الأخيرة كانوا على علم بوجودها. (تفاصيل عن القناة الخلفية كانت قد نُشرت في شهر نوفمبر الماضي في موقع “واللا” الإخباري).

علاوة على ذلك، وهذه هي النقطة التي على صقور “الليكود” أن يخشوها،يظهر النص الذي وافق عليه كل من مولكو والآغا، وتم توثيقه من قبل روس (الذي كتب الصيغ المتفق عليها)، استعدادا غير مسبوق في تبادل أراض في حال التوصل إلى اتفاق سلام دائم وإقامة دولة فلسطينية، وهو مبدأ لم يقبل به أي رئيس وزراء سابق بشكل كامل من قبل. لا إيهود بارك في كامب ديفيد في يوليو 2000، وبكل تأكيد ليس أريئيل شارون ولا حتى إيهود أولمرت، الذي عرض تبادل أراض واسع النطاق في معظم المناطق ولكنه اقترح تعويض الفلسطينيين بمسار نفق بدلا من قبول مطلب معين بالحصول على أراض.

لا يمكن لنتنياهو الإدعاء بأنه “لم يكن على علم” أو تحميل مبعوثه مسؤولية اتخاذ قرارات غير مصرح بها. مولكو هو أكثر شخص مقرب لنتنياهو عندما يدور الحديث عن التعامل مع المسألة الفلسطينية – حارس رئيس الوزراء.

إذا، ما الذي يمكنه قوله؟ الأشياء التسي سمعناها يوم الجمعة في يهود إلى حد كبير. أو كما صاغ مكتب رئيس الوزراء ذلك في بيان صادر عنه يوم الجمعة، “رئيس الوزراء بينيامين نتنياهو رفض دائما الإنسحاب إلى حدود 67’، وعارض تقسيم القدس ورفض الإعتراف بحق العودة”. هذا صحيح، ولكن لا يوجد هناك تناقض. كما تشير الوثيقة المسربة، لقد وافق “فقط” على أنه ولأغراض إطار المحادثات حول اتفاق دائم، “ستكون فلطسين دولة مستقلة وذات سيادة في منطقة بحجم تلك التي كانت تحت سيطرة مصر والأردن قبل 4 يونيو، 1967…”

هذا الإتفاق لم يكن ملزما، ويجب التشديد على ذلك، ولكنه يظهر مع ذلك نجاحا فلسطينيا غير مسبوق في المواجهة مع إسرائيل، حيث أنه يضع أساسات المفاوضات استنادا على خطوط ما قبل عام 1967 ويوضح أنه إذا تم التوصل إلى اتفاق سيكون هناك تبادل للأراضي وسيكون للفلسطينيين حق بدولة بحجم غزة ما قبل عام 1967، ومنطقتي الضفة الغربية والقدس قبل عام 1967.

هذا يرقى إلى مبادلة أرض مقابل أرض، وهذا يعني أن نتنياهو التزم بنفس الموقف الذي نادى إليه الوزير الحمائمي السابق في حزب “العمل”، يوسي بيلين، ومبادرة جنيف اليسارية. (لواضعي مبادرة جنيف هناك الكثير من المواد التسويقية الجيدة هنا).

وماذا بالسنبة للقدس واللاجئين؟ لا توجد مفاجئات كبيرة هنا. لم يوافق نتنياهو، كما أشار، على تقسيم القدس، ولكن الوثيقة تظهر أنه كان على استعداد للإعتراف “بالتطور التاريخي، والتطور الإجتماعي والثقافي” للفلسطينيين في المدينة. نفس الأمر ينطبق على غور الأردن: يوضح نتنياهو في الإطار الذي صاغه مولكو والآغا أنه على استعداد لقبول الوجود الفلسطيني في غور الأردن. ونعم، هناك حديث عن عودة إنسانية للاجئين إلى مناطق ما قبل عام 1948. وكل هذا قبل حتى أن تبدأ المفاوضات بشكل جدي.

من الأرجح أن تصبح تصريحات نتنياهو حول المسألة الفلسطينية في أعقاب تسريب الوثيقة أكثر تشددا عشية الإنتخابات. سيقوم المقربون منه بالتباهي ببناء آلاف الوحدات السكنية في الضفة الغربية خلال ولايته كما لو كانت خطوة جريئة لإحباط البرنامج النووي الإيراني وراء خطوط العدو. نتنياهو، مثل أي سياسي كلاسيكي (في المفهوم السيء للكلمة) اختار الصراع مع نفتالي بنييت من أجل الحصول على مقعد أو مقعدين في الكنيست من اليمين من خلال المراهنة على مواقفه المتشدة بشأن الفلسطينيين. تتطلب المصلحة الوطنية، التي اختار تجاهلها، أن يقوم بإظهار الوثيقة كدليل على الجهود التي كان على استعداد لبذلها من أجل الوصول إلى تسوية. كان بإمكانه تسليط الضوء على التعنت الفلسطيني، أو الإستفادة من تسريب الوثيقة للدفع مجددا باستئناف المحادثات.

في النهاية، يبدو أن البيت الأبيض أظهر يوم الجمعة لنتنياهو طريقة إنتقامه. مؤلفو مسلسل “بيت من ورق” سيفخرون بقصة تقوم فيها الإدارة الأمريكية بالإنتقام من رئيس وزراء حضر إلى واشنطن في سعي منه لتحقيق مكاسب سياسية داخلية على حساب الرئيس باراك أوباما. اكتشف نتياهو بالطريقة الصعبة أن هناك ثمنا للتدخل في السياسة الأمريكية الحزبية.

,ألآراء, الوقائع والمحتوى المطروحين هنا يعكسون المؤلف فقط لا غير. موقع تايمز أوف اسرائيل لا يتحمل أي مسؤولية, عن حالات ألاسائة أبلغ هنا.